|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
ليست السنين وحدها من تصنع الخبرة، ولا التكرار دليلًا على الإتقان، فكم من أعوامٍ مضت كأنها لم تكن، وكم من تجاربَ قصيرةٍ صنعت بصمتها في التاريخ. في المكاتب، والفصول، والمستشفيات، والمؤسسات الكبرى، يتكرر المشهد ذاته: موظف يفاخر بعشرين عامًا من العمل، وحين تسأله عن الجديد الذي أضافه، يصمت كمن اكتشف فجوةً بين “الزمن” “والأثر”. وهنا تبدأ الحكاية.
حين اصطدمت السنوات بالحقيقة
أعلنت إحدى المدارس عن حاجتها إلى معلمين في تخصصات متعددة. الإعلان لم يكن في تفاصيله مختلفًا عن غيره، إلا أنه تضمن محورًا صغيرًا من ثلاثة أسئلة، تُحدِّد وحدها من يستحق المقابلة. جاءت معلمة تحمل أوراقها وخطواتها الواثقة، فقد أمضت عشرين عامًا بين السبورة والكتب. ملأت الاستمارة، ثم أعادها موظف الاستقبال معتذرًا عن تحديد موعدٍ للمقابلة. اشتعل غضبها، ارتفع صوتها، وتساءلت بثقةٍ جارفة: “عشرون سنة خبرة، ألا تكفي؟!” سمعها مدير المدرسة، فاستدعاها بهدوء لا بردّ الفعل. جلس مقابلها وقال بابتسامةٍ تختبر أكثر مما تبتسم: “أستاذة الفاضلة، لا نقلل من عمرك المهني، لكن لدينا ثلاثة أسئلة بسيطة.”
قرأها عليها:
- ما آخر بحث علمي شاركتِ به في السنوات الثلاث الأخيرة؟
- ما آخر مؤتمر علمي حضرتِه في تخصصك؟
- ما آخر كتاب قرأتِه في مجالك؟
كانت الإجابات الثلاث: “لم أقم بذلك”. ساد صمتٌ كثيف، لم يجرؤ فيه الهواء أن يتكلم. ثم قال المدير بجملةٍ صارت تُروى في كل دورة تطويرية: “أستاذة الفاضلة، أنتِ تملكين عشرين سنة خدمة، لا عشرين سنة خبرة.”
المعنى الذي يتجاوز المشهد
لم يكن يقصد المدير إهانتها، بل تنبيهها، فبين الخدمة والخبرة فرقٌ جوهري يشبه الفرق بين من يحرث الأرض عامًا بعد عام، ومن يتعلم من كل موسمٍ كيف يُثمر أكثر، ويُبدع في الزرع.
الخدمة هي الزمن الذي يمضي، أما الخبرة فهي الزمن الذي يُثمر. الخدمة تملأ الحضور، أما الخبرة فتخلق الأثر. الخدمة تؤدي ما هو مطلوب، أما الخبرة فتُعيد تعريف المطلوب. الفرق بينهما كالفارق بين موظفٍ يُدير يومه، وقائدٍ يُدير فكره.
حين يتحدث الفكر الإسلامي عن الخبرة
في تراثنا العظيم، لم تكن الخبرة مجرد تراكم سنوات، بل وعي متنامٍ في خدمة المقصد. قال الإمام علي بن أبي طالب: “قيمة كل امرئ ما يُحسنه.” ولم يقل ما “يمضيه” أو ما “يكرره”. فالقيمة ليست في عدد المرات، بل في جودة الأثر. وكان الخليفة عمر بن الخطاب إذا أراد أن يولّي أحدًا، سأل عنه: أله تجارب؟ لأن التجربة هي “مدرسة الزمن” التي تُخرج الحكماء من بين الناس. ولم يكن العلماء في الحضارة الإسلامية يُكرّرون الموروث، بل يبنون عليه. فالرازي لم يكتفِ بما كتب جالينوس، وابن الهيثم لم يقف عند تجارب من سبقه، بل جعل من كل تجربة منصةً لتجربةٍ أعظم. ذلك هو الفرق بين خدمة العلم وخبرة العلم.
الإدارة الحديثة… وإرث الوعي القديم
حين تقرأ في أدبيات الإدارة المعاصرة عن “التعلم التنظيمي” و”المعرفة المؤسسية”، تجد أن ما يُكتب اليوم بلغة غربية، هو ما نادت به روح الإسلام منذ قرون: أن العمل عبادةٌ ما دام يثمر، وأن الوقت أمانةٌ ما دام يُعمّر، وأن التكرار بلا تطورٍ صورةٌ أخرى من الغياب. المؤسسات التي تتوقف عند “أداء الخدمة” تبقى في حالة صفرٍ يتكرر، بينما المؤسسات التي تعيش روح “الخبرة” تنمو كالشجرة، تتفرع جذورُها، وتورق أغصانها حتى إن كانت في تربةٍ صعبة.
حين تكون السنوات بلا وعي
كم من موظفٍ يعمل منذ عقدين، لكنه لا يملك خبرة عامٍ واحدٍ متجدد! يكرر الإجراء ذاته، ويرى كل تطويرٍ تهديدًا، وكل تغييرٍ خصمًا من راحته. ذلك النوع من العقول لا يصنع التنمية، بل يحرس الجمود. وقد عبّر ابن خلدون عن هذا المعنى في مقدمته حين قال: “العادة إذا غلبت، صارت طبعًا ثانياً.” أي إن التكرار إذا لم يُرافقه وعي، تحوّل إلى قيدٍ يمنع التجديد. أما من يصنع من كل تجربةٍ تجربةً أخرى، فهو الذي يضيف طبقات من الوعي فوق كل عملٍ يؤديه. وهذا هو الفرق بين “الزمن الذي يستهلكك”، “والزمن الذي تنمو به”.
الدرس الإداري والإنساني
في قصة تلك المعلمة رسالة عميقة للمؤسسات كلها: أن المقاييس لا ينبغي أن تُبنى على عدد السنوات، بل على ما تغيّر في صاحبها بمرور السنوات. الخبرة ليست طول عمرٍ مهني، بل اتساع عقلٍ وضميرٍ في ذلك العمر. ليست شهاداتٍ على الجدران، بل أثرًا ينعكس على الوجوه والأجيال. ولعل أجمل ما قيل في هذا السياق ما رواه الإمام الشافعي رحمه الله: “من تعلم القرآن عظُمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبُل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم تنفعه معرفته.” فالمعرفة وحدها لا تصنع الخبرة، بل حُسن استثمارها هو ما يميز العالم عن المتعلم، والمجتهد عن المكرر.
التحول من الخدمة إلى الخبرة
كل مؤسسة تريد أن تنهض، عليها أن تنتقل من ثقافة “إنجاز المهام” إلى ثقافة “تطوير المهام”. أن تسأل في كل اجتماعٍ: ماذا تعلمنا مما أنجزناه؟ كيف نجعل القادم أفضل مما مضى؟ ذلك السؤال وحده كفيل بتحويل العمل من أداءٍ روتيني إلى خبرةٍ متراكمة. فليس المطلوب أن نملأ الأيام بالأنشطة، بل أن نملأ الأنشطة بالمعنى. وقد لخّص ابن القيم هذا المعنى حين قال: “الناس في الدنيا كالسفر، والعاقل من يعدّ الزاد للمقام.” فالخدمة سيرٌ على الطريق، لكن الخبرة زادٌ يُبقيك على الطريق.
حين يُعاد تعريف الزمن
في نهاية اليوم، لا تُحسب الأعمار بعدد السنين، بل بعدد الدروس التي بقيت منها. ولا تُقاس المسيرة بطول المسافات، بل بعمق الخطوات. فإن أردت أن تعرف الفرق بين الخدمة والخبرة، فانظر: هل أنتَ تُكرر ما فعلت أمس؟ أم أنك تصنع اليوم ما لم تفعله من قبل؟ في تلك الإجابة تُختصر فلسفة الإدارة، وحقيقة النمو، ومعيار التفاضل بين من مرّت به السنين، ومن مرّ هو بالسنين وغيّرها. الخدمة تملأ الزمن، والخبرة تُثمر فيه. وهذا هو الفارق بين من يعمل في التاريخ، ومن يترك أثره في التاريخ.