|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في صمت الزمن، حيث تتشابك الحكايات ويختلط الماضي بالحاضر، يقف التاريخ متسائلًا: كيف تميّزت الأمم والشخصيات العظيمة؟ لقد حاول الكثيرون أن يكتبوا عن الأبطال والفتوحات، عن الممالك والإمبراطوريات، عن إنجازات مؤسساتية وصعود حضارات، لكن قليلًا فقط فهم أن سر التميز لم يكن في السنين وحدها، ولا في عدد الكتب المقروءة، ولا في قوة الجيوش، بل في التوازن العميق بين الثقافة والقدرات والمهارات. هنا تبدأ الرحلة.
الثقافة…الذهب الفكري
الثقافة ليست مجرد معرفة، ولا مجرد اطلاع على الكتب والأحداث، ولا مجرد تعليم شكلي. الثقافة هي الذهب الفكري، معدن ثمين لا يلمع إلا حين يُصقل بالوعي. في العصور القديمة، كان الحكماء يجتمعون في المجالس، يتبادلون الأفكار، يربطون بين الفلسفة والفعل، بين النظرية والتطبيق. كان الإغريق يقدّرون الفلسفة والفنون على قدم المساواة، وكان الخلفاء المسلمون يجمعون بين المعرفة الشرعية والفكر العلمي في مكتباتهم، لا ليتباهوا، بل ليزرعوا في النفوس بذر الفهم العميق. الثقافة هنا ليست امتدادًا للسير في المسار المألوف، بل توجّه – تُرشد الإنسان إلى رؤية واضحة، وتخلق مسارًا عقلانيًا يقوده نحو الفعل الصحيح. الثقافة هي أرض مشتركة يمكن أن يقف عليها الجميع، مساحة متاحة لكل من يريد أن يخطو فيها بثقة، لكنها ليست كافية لتحديد القمة، فهي فقط بداية الطريق.
القدرات … المعدن الخام في النفس
بينما الثقافة تمنح الإنسان أرضًا يسير عليها، تأتي القدرات لتحدد الارتفاع الذي يمكنه بلوغه. القدرات هي المعدن الخام في النفس، وهي ما يجعل من الفرد قادرًا على أن يرتفع فوق المتوسط، وأن يترك بصمة لا تُمحى. في التاريخ، كان لكل قائد أو مفكر أو مخترع قدرة فطرية مميزة، هي التي جعلته يلتقط ما لا يراه الآخرون، ويحوّل الفكرة إلى فعل، والطموح إلى واقع. فالمستوى الواحد من الثقافة يمكن أن يشترك فيه العشرات، لكن القدرات هي المرتفعات التي يختلف ارتفاعها من إنسان لآخر. لذلك، حين نقارن بين اثنين يحملان نفس الثقافة، فإن الفارق غالبًا يظهر في القدرة على التنفيذ، والابتكار، واتخاذ القرار في اللحظات الحرجة. القدرة هي ما يجعل الفعل ممكنًا، والتأثير ملموسًا، والقيادة فارقة.
المهارات … الصياغة الدقيقة التي تُظهر الجمال والإتقان
لكن القدرات وحدها، مهما عظمت، لا تكفي. فمن يمتلك القدرة لكنه لا يعرف كيف يوجّهها، أو كيف يطبّقها، يظل محصورًا في حدود ذاته. هنا تظهر المهارات: الصياغة الدقيقة التي تُظهر الجمال والإتقان. في التاريخ، نجد الأمثلة بلا حصر: الفيلسوف الذي عرف كيف يحوّل فكره إلى مدرسة فكرية، القائد الذي صاغ استراتيجياته بشكل يجعل الجيوش تتجاوز قوتها العددية، العالم الذي جعل الاكتشافات النظرية تُترجم إلى اختراعات تنقذ حياة الناس، المهارات هي السلالم التي يصنعها صاحب الهمة ليصل إلى القمة، هي تلك الدقة التي تحول المعرفة والقدرة إلى أثر محسوس وتحول العمل إلى فن، والجهد إلى إرث.
القيادة الفارقة … التحويل من المعرفة إلى أثر
حين يتحد هذا الثلاثي – الثقافة، القدرات، المهارات – يظهر ما نسميه القيادة الفارقة. ليست القيادة في الأكثر قراءةً، ولا في الأكثر حماسًا، بل في الأقدر على تحويل الثقافة إلى قدرة، والقدرة إلى مهارة، والمهارة إلى أثر. في سجل التاريخ نجد هذا الوصف متجليًا: صلاح الدين الأيوبي، الذي لم يكتفِ بفهم الدين والسياسة، بل حوّل علمه ومهاراته القيادية إلى تحرك استراتيجي أعاد مجد القدس. ابن سينا، الذي لم يكتفِ بمعرفته الطبية، بل وظف قدراته العقلية ومهاراته الكتابية لتغيير موازين المعرفة في أوروبا وآسيا. هارون الرشيد، الذي دمج الثقافة الشرعية مع القدرة على الحكم، ومهارات الإدارة، ليحقق ازدهارًا لم يصل إليه أحد قبل ولا بعده. القيادة الفارقة هي فن صناعة التاريخ من الوعي المتكامل.
المثلث الذي لا يُقهر
إذا أردنا أن نرسم خريطة للتميّز الإداري والإنساني، فإنها تتشكل على شكل مثلث:
- الثقافة: أرض مشتركة يمكن أن يقف عليها الجميع.
- القدرات: المرتفعات التي يختلف ارتفاعها من إنسان لآخر.
- المهارات: السلالم التي يصنعها صاحب الهمة ليصل إلى القمة.
كل عنصر لا يمكن أن يكتمل دون الآخر. الثقافة وحدها تمنح الأرضية، القدرة تمنح الارتفاع، والمهارة تمنح الطريق نحو القمة.
عبر العصور – التطبيق التاريخي
لقد عبرت الحضارات آلاف السنين وهي تبحث عن هذا التوازن. من البابلية إلى المصرية، ومن الفينيقية إلى الإغريقية، كانت الأمم التي فهمت أن الثقافة بلا قدرة لا تخلق المجد، وأن القدرة بلا مهارة لا تصنع التقدم، هي الأمم التي تركت أثرًا خالدًا. في العصور الإسلامية، لاحظ القادة أن من يمتلك الثقافة وحدها يكرر الإنجازات بلا ابتكار، ومن يمتلك القدرة وحدها ينجز، لكنه لا يترك أثرًا مستدامًا، أما من يمتلك المهارة وحدها فهو أداة تنفذ، لكنه يظل محدود التأثير. فالنجاح الحقيقي كان دائمًا في التكامل بين الثلاثة.
عبر الأجيال – الدرس الباقي
اليوم، في المؤسسات الحديثة، نجد نفس المشهد، حيث الموظفون قد يشتركون في الثقافة، لكن القدرات تفرّق بينهم، والمهارات تصنع التميّز النهائي. القيادة الفارقة تظهر عندما يدرك القائد أن استثمار المعرفة وحدها لا يكفي، وأن استثمار القدرات وحده لا يكفي، بل التحويل بين الثقافة والقدرة والمهارة إلى أثر ملموس هو ما يخلق الفرق.
ميلاد الوعي والإبداع
التاريخ لم يكتب فقط بالأحداث، ولا بالقادة أو الأبطال، بل بالقدرة على تحويل المعرفة إلى أثر، والقدرة إلى مهارة، والمهارة إلى إرث يخلّد عبر الزمن. فالثقافة تُوجّه، والثقافة هي الذهب الفكري، والقدرات هي المعدن الخام في النفس والمهارات هي الصياغة الدقيقة التي تُظهر الجمال والإتقان. ومن هنا تظهر القيادة الفارقة: ليست في الأكثر قراءة، بل في الأقدر على تحويل الثقافة إلى قدرة، والقدرة إلى مهارة، والمهارة إلى أثر. حين يفهم الإنسان هذا الثلاثي، يصبح الزمن نفسه أداة، والعمل معجزة، والتاريخ مرآة لما يمكن أن يصنعه وعي الإنسان حين يرتقي.