|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
كان المساء يهبط على المؤسسة بهدوءٍ شاحب، والأنوار البيضاء في المكاتب تومض كقلوبٍ متعبةٍ تُقاوم نعاس المبدأ. في أحد المكاتب، جلس إبراهيم – مدير بإخلاصٍ قديم – ينظر إلى شاشة الحاسوب لا ليقرأ، بل ليُفكّر كيف أصبح القرار عبئًا لا شرفًا. في الغرفة المجاورة، كان مديره الأعلى ينتظر منه “مرونة”، وفي الغرفة التالية كان موظفوه ينتظرون منه “رحمة”. وبين الاثنين… كان إبراهيم يفقد نفسه. تساءل بصوتٍ خافتٍ كأنه يناجي ضميره: “هل القائد الحقّ من يُرضي الأعلى أم من يُنصف الأدنى؟ وهل يمكن أن يُحافظ على قيمته إن تخلّى عن أحد الوجهين؟” كان السؤال أكبر من المؤسسة، أكبر من المكتب، كان سؤال الإنسان حين يُبتلى بالسلطة، وحين يُختبرُ في ميزان الخوف والعاطفة.
حين يَتَصاغَرُ الإنسان أمام المراتب
قال العقاد يومًا: “الرجل العظيم هو الذي لا تَصغُره المراتب، ولا تُكبّره المناصب.” لكن في الواقع، كم من رجلٍ تضاءلت قامته وهو يرتقي في الدرجة الوظيفية؟ كم من قائدٍ فقد صلابته لأنه خاف أن يختلف مع الأعلى؟ الحرج من الأعلى لا يُولد من ضعف المهارة، بل من ضعف الاستقلال الداخلي. حين يختنق القائد بين الولاء والتعبّد للرأي الأعلى، يصبح امتدادًا لا شخصية، وظلاً لا نورًا. وقد صدق من يقول: “الاستقلال الحقيقي هو أن تملك وعيك، لا أن تملك قرارك فقط.” وإبراهيم كان يشعر أن وعيه بدأ يُستأجر، أن كلماته أصبحت تُمرّر بعد موافقات، حتى صار ضميره يطلب إذنًا قبل أن يتكلم. الحرج من الأعلى يصنع عبيدًا أنيقين في مكاتب لامعة، يتقنون لغة الاحترام المفرط، ويخسرون لغة المبدأ الصامت الذي لا يحتاج تبريرًا.
حين تذوب العدالة في العاطفة
على الطرف الآخر، كان إبراهيم يحب فريقه بصدق، يراهم أبناءه، يشاركهم همومهم، يستمع لقصصهم، حتى تحوّل الحب إلى ضعفٍ مغطّى بالرحمة. صار يخاف أن يُحاسبهم كي لا يجرح شعورهم، يُسامح التقصير لأنه “يتفهم الظروف”، ويؤجل الحزم لأنه “لا يريد أن يُكسَر أحد”. لكن صدق من كتب ذات تأملٍ: “الرحمة بلا عدلٍ فساد، والعدل بلا رحمةٍ قسوة، ومن الحكمة أن تعرف متى تضع الميزان ومتى تفتح القلب.” وإبراهيم ، في كل صباح، كان يضع الميزان في درج مكتبه ويخرج القلب معه إلى الميدان. حتى فقد الفريق احترامه وإن ظلّوا يحبونه. وحين يفقد القائد الاحترام من محبيه، يُصبح كمن يزرع الورد في أرضٍ لا تُنبت إلا الأعشاب. المؤسسة التي تُربّي القادة على العاطفة بلا حزم، هي مؤسسة تصنع “أصدقاء إداريين”، لا “قادة مؤثرين”. وإبراهيم بدأ يدرك أن محبته لفريقه تحوّلت من طاقة إلى فخٍّ عاطفيٍّ جميلٍ لكنه قاتل.
بين الحرج والحنان… يضيع المعنى
في إحدى الاجتماعات، قال له مديره الأعلى: “أنت لين أكثر مما ينبغي.” وفي اليوم ذاته، قال له موظفوه: “أنت صرت قاسيًا أكثر مما اعتدنا.” وضحك إبراهيم، لكنه شعر أن الضحكة كانت نعيًا لصوته الداخلي. فهو الآن لا يُرضي أحدًا، ولا يُرضي نفسه. وهنا تتكشّف المأساة الكبرى: أن الإنسان حين يحاول أن يكون كل شيء للجميع، ينتهي بألا يكون شيئًا لنفسه. قال المسيري في حديثه عن “الوعي المركّب”: “الحرية ليست أن تختار بين بديلين، بل أن تملك بصيرةً تفهم بها حدود كل خيار.” وهكذا أدرك إبراهيم أن القيادة ليست “اختيارًا بين الأعلى والأدنى”، بل “إخلاصًا للحقّ ولو على نفسك”. فمن جعل الله مرجعه، لم يحرجه مقام، ولم تُعطّله عاطفة.
ميلاد القائد الجديد
في مساءٍ متأخر، كتب إبراهيم في دفتره: “أنا لا أريد أن أكون وسيطًا بين خوفٍ ومجاملة، أريد أن أكون شاهدًا لله على الأمانة.” ثم نهض وصلى ركعتين في مكتبه، وبين السجدة والدمعة، شعر أن العمق الحقيقي للقيادة يبدأ من هناك: من الانحناء لله، لا للرؤساء، ومن الرحمة التي تتّسق مع العدل، لا التي تُخدّر به. في اليوم التالي، دخل الاجتماع الرئيسي، وحين طلب منه المدير الأعلى الموافقة على قرارٍ يُخالف المبدأ، قال بهدوء: “اسمح لي، سيدي، أن أكون أمينًا قبل أن أكون مطيعًا.” فساد الصمت، ثم قال له الأعلى: “أعجبتني شجاعتك.” وفي ذات الأسبوع، حين أخطأ أحد موظفيه المقرّبين، دعاه إلى مكتبه وقال له برفقٍ حازم: “محبّتي لك لا تُعفيك من مسؤوليتك، فإن كانت النية صافية فليكن العمل نقيًّا.” فأطرق الموظف رأسه وقال: “الآن فهمتُ معنى العدل الرحيم.”
القيادة بين الصلابة والرحمة
قال أحد المؤرخين: “القيادة الحقيقية هي أن تكون ثابتًا كالحق، مرنًا كالحياة.” ولأن الحياة نفسها قائمة على توازنٍ بين اللين والشدة، فإن القائد الذي يميل إلى أحدهما فقط، يُخِلّ بنظام الكون الذي جعله الله في الميزان. القائد الناجح لا يُجامل الأعلى خوفًا، ولا يُدلّل الأدنى عاطفة، بل يقف بينهما كقلبٍ عارفٍ بوجهته، مستقيمٍ على المبدأ، لينٍ في الأسلوب.
الشخصية التي لا تُباع ولا تُستأجر
حين تكون شخصيتك نابعة من وعيك، فلن يهزّها المنصب، ولن تضعفها العاطفة. إنها ثمرة بناءٍ طويل من الصدق مع النفس. فالمناصب تُمنح، لكن القيمة تُكتسب. والمؤسسة التي تبني في موظفيها هذا النوع من الوعي، تصنع قادةً لا مجاملين، ومؤمنين لا متملّقين. وكما قيل :“الأمم التي تَفْقِد الوعي الأخلاقي تظلّ تصنع التقارير، لكنها لا تصنع التاريخ.”
لحظة القيامة الداخلية
في نهاية العام، كتب إبراهيم في تقريره الأخير: “المؤسسة ليست مكانًا للعمل فحسب، بل ساحة امتحانٍ للضمير.” ثم أضاف بخطٍّ صغير في الهامش: “القيادة أن تملك شجاعة أن تقول (لا) بأدب، وأن تُحاسب بحب، وأن تبقى كما أنت وإن تبدّلت المناصب.” وغادر المكتب هذه المرة مبتسمًا لا لأنه ارتقى، بل لأنه استعاد نفسه. لقد خرج من حرج المراتب، ومن فخّ العاطفة، إلى مساحةٍ من الوعي العميق الذي تحدّث عنه الفقي حين قال: “من أراد أن يكون مؤثرًا، فليُربِّ قلبه قبل أن يُدير غيره.” وهكذا تُبنى الشخصية القيادية الحيّة: ليست بالصوت العالي، ولا بالقرارات الصارمة، بل بتلك اللحظة التي يختار فيها القائد أن يكون صادقًا مع الله قبل أن يكون مرضيًا عند الناس.