|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
كان البيت صباحًا ينبض بالدفء، والهواء محمّل برائحة القهوة الطازجة والخبز، وابتسامات الأطفال تملأ المكان. كان العم شجاع أبو متعب، رحمه الله، يجلس على طرف المقعد الخشبي في زاوية غرفة المعيشة، يراقب بعينين صامتتين حركة الحياة من حوله. لم يكن كبيرًا في السن حينها، لكن وقار وجوده كان يجعل الجميع يشعرون بالأمان، حتى إن لم يعرفوا سببًا لذلك.
تذكرت يومًا حين قابلت بو مرزوق سعد العتيبي بعد وفاة العم شجاع. كنت أبحث عن كلمة تصف هذا الرجل، عن تفاصيل تكشف عن معدن وفائه ونبله، فقلت له بخجل: “استسمحك في عشر دقائق… حدثني عن خالك، رحمه الله.” ابتسم بو مرزوق ببطء، وكأن الكلمات تتأرجح بين الذكريات والألم. بدأ يسرد: بعد وفاة والدنا عام 1981، وجد العم شجاع نفسه مسؤولًا عن الأسرة بأكملها. لم يكن الأمر مجرد واجب أخوي، بل اختبارًا للحب والوفاء، تحدٍ يجمع بين القلب والعقل، ويضع الإنسان أمام حقيقة: أن العائلة ليست مجرد دم، بل حياة كاملة تُبنى بالصدق والنبل.
قام الخال شجاع ببناء بيت له وبيت لنا، متلاصقين بنفس المخطط الهندسي، دون أي فروقات. الباب الذي يفصل بينهما لم يكن مجرد خشب، بل كان رمزًا للوفاق، للأمان، للعيش المشترك بروح واحدة. عشنا كعائلة واحدة، نشارك الفرح والحزن، نضحك ونبكي، ونتعلم معنى الحياة من رجلٍ علمنا أن الوفاء أسمى من أي مال أو امتياز. مرت السنون، وكبرت العائلات، لكن الخال شجاع ظل كما هو: صامدًا، هادئًا، قليل الكلام، كثير الفعل. كان يختصر كل شيء في كلمة واحدة: “الواجب”. واجب تجاه الوالدين، تجاه الأسرة، تجاه كل من يحتاج إليه. وكلما تذكرت وجهه، شعرت أن هذه الكلمة ليست مجرد صوت، بل كانت منارة توجهنا في كل تصرف وكل قرار.
قبل عامين، اشتد عليه المرض. في ليلةٍ صامتة، جمعنا جميعًا – أنا وإخوتي، وابن العم الغالي متعب – حوله. كان الجسد ضعيفًا، لكن الروح كانت قوية، وعينا الخال شجاع تلمعان بالحكمة التي لا تأتي إلا بعد سنين من التجربة. بدأ حديثه بصوتٍ خافت لكنه واضح: “أريد أن تعرفوا أن كل حقوق والدتكم، الميراث، وكل ما يتعلق بها، موجودة هنا، وبحوزة أخينا الكبير. الأمانة أمانة حتى آخر لحظة، فلا تُهملوا شيئًا.” توقف قليلًا، ثم تابع: “هذه الأوراق ليست مجرد ورق، إنها تاريخكم، إرثكم، شهادة على الوفاء والعدالة.” كانت تلك الكلمات أكثر من مجرد تعليمات قانونية، كانت درسًا في الإنسانية. شعرت حينها بأن هذا الرجل، بفعله الصامت، يعلّمنا معنى الرجولة الحقيقية: أن يكون الإنسان نبلًا حتى في أصغر التفاصيل، ووفيًا حتى آخر لحظة، وعادلًا رغم كل ما يحيط به من ألم ومحن. البيت الذي بناه لنا لم يكن مجرد جدران وسقف، بل كان رمزًا للأمان، للثقة، للحياة المشتركة. كل غرفة فيه، كل ركن، كل زاوية، كانت تحكي قصة: “الحياة أفضل حين نعيشها معًا، والكرامة تُبنى على الوفاء.”
أتذكر حين كنت صغيرًا، كيف كان يجلس معنا في المساء، يحكي لنا قصصًا عن والده، عن والدتي، عن الأيام التي مرت عليهم. لم تكن القصص مجرد حكايات، بل رسائل أخلاقية، دروسًا في الصبر، والشجاعة، والمحبة. حتى المرض لم يضعفه. كان يجلس أحيانًا بصمت، يدعو لنا في خفاء، ويهمس: “الحياة تمضي، لكن الأثر يبقى. أريدكم أن تعرفوا أن كل ما فعلته كان من أجل أن تشعروا بالطمأنينة، حتى بعد أن أرحل.” وفي تلك اللحظات، شعرت أن دموعنا لا تكفي، وأن الكلمات عاجزة عن وصف ما نشعر به. كان الخال شجاع يعلّمنا أن الحياة ليست بعدد السنوات، بل بكمية الحب والوفاء التي نحملها ونتركها خلفنا.
تذكرت تلك اللحظة المؤثرة حين جمعنا حوله وأخرج الأوراق، وسلمها إلى الأخ الأكبر، وقال له: “احفظ هذه الأمانة، فهي ليست مجرد حقوق، بل هي رمز للوفاء، درس للأجيال، شهادة على الرجولة الحقيقية.” حينها شعرت أن القلوب كلها توقفت، والوقت أصبح بلا معنى، إلا أن تلك الكلمات كانت تعلي من قيمة الإنسانية، وتجعلنا ندرك أن الوفاء ليس اختيارًا، بل أسلوب حياة.
كل يوم بعد ذلك، أتذكر الخال شجاع، أرى صورته في كل فعل خير، في كل كلمة صدق، في كل لحظة أمان. كان الرجل الذي علمنا أن الأمانة لا تُقاس بالمال، بل بالوفاء، والصبر، والحب الصادق. حتى بعد وفاته، بقي أثره حيًا بيننا. البيت الذي بناه، الأوراق التي سلمها، الابتسامات التي تركها، كل ذلك أصبح حياة متجددة، درسًا متواصلًا، إشراقًا لا ينطفئ.
وفي النهاية، لا يسعني إلا أن أكتب هذه السطور وأنا أدرك أن المقالة مهما طالت، لن تفي العم شجاع حقه. لأنه كان أكثر من مجرد رجل، أكثر من خال، أكثر من قريب… كان رمزًا للوفاء، رمزًا للشهامة، رمزًا للحياة التي تُبنى بالحب والصدق، والعدل حتى آخر لحظة. وهكذا، يظل العم شجاع أبو متعب حياً في قلوبنا، يعلّمنا كل يوم أن الأثر الحقيقي للإنسان لا يُقاس بالمال أو الجاه، بل بما يتركه من محبة، ووفاء، وأمانة، وروح صادقة. قاللهم يا واسع الرحمة والمغفرة… اجعل روح العم شجاع أبو متعب في سلام دائم، وارزقه الفردوس الأعلى بلا حساب، واملأ قبره نورًا ورحمة، واجمعنا به في جناتك، وارزقنا الاقتداء بأخلاقه ووفائه وصدقه في حياتنا اليومية. اللهم اجعل ذكراه عطرًا يظلّ في قلوبنا، ودعاؤنا له مستجابًا إلى يوم يبعثون.