الأخلاق قبل البيانات

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

جلس الصديقان على حافة المقهى الجامعي، حيث تتسلل أشعة الشمس برفق بين أغصان الأشجار، وتتناثر الظلال على الطاولة الخشبية القديمة التي شهدت آلاف الحكايات واللقاءات. أحدهما حاصل على الماجستير في القانون، رجل عرف طريق التوازن بين النظرية والتطبيق، بين الحق والواجب، وبين العقل والقلب. والآخر، طالب الدكتوراه، يقف على أعتاب الفصل الأخير من رسالته، حيث تمثل الاستبانة حالة نموذجية للتطبيق العملي للبحث العلمي، قلبه مزيج من الحماس والرهبة، ويده ترتجف قليلًا من شعور المسؤولية، فهو على موعد مع نتائج جهد شهور طويلة، مع مراجعات لا تنتهي، ومع إشراف يملأه الثقة والأمانة.

بدأ الحديث بهدوء، كما تبدأ كل الحوارات بين العقول النقية والقلوب الصافية:

القانوني: “كيف تسير استعداداتك لتوزيع الاستبانة؟ هل شعرت بالارتباك أمام حجم المسؤولية التي تقع على عاتقك؟”

طالب الدكتوراه: “بالطبع… الأمر ليس سهلًا، فالاستبانة ليست مجرد ورقة تُملأ، بل هي قلب الفصل الأخير، تمثل خريطة الطريق التي ستكشف عن نتائج البحث. أريد أن أضمن أن كل سؤال يعكس الحقيقة، وأن كل إجابة تُسجل بدقة، لكنني أخشى أن تفلت مني التفاصيل الدقيقة.”

ابتسم الصديق القانوني، وعيناه تحملان خبرة السنوات، وكأنهما تقولان: الرهبة أول خطوة نحو الإدراك الحقيقي. “أرى أن أهم شيء في البحث العلمي ليس جمع البيانات وحده، ولا التحليل المنهجي وحده، ولا الصرامة الأكاديمية وحدها… بل الشخص الذي يقف خلف هذا العمل. المشرف الصحيح، صاحب السيرة الحسنة والكفاءة العلمية، هو من يفتح لك الطريق، ويزرع فيك روح الاستقامة قبل أي معلومة، ويرشدك لتفهم أن كل خطوة هي اختبار للنزاهة والأمانة.”

هنا ارتسمت على وجه طالب الدكتوراه علامات الانتباه، وكأن قلبه يلتقط من الهواء كلمات لم يسمعها أحد بهذه القوة من قبل: “حدثني عن مشرفك… كيف هو؟” ابتسم الأردني، مستعيدًا ذاك اليوم الذي التقى فيه بمشرفه لأول مرة: “في أول مقابلة، قال لي شيئًا لم أنساه أبدًا: “يا محمد، اعلم أن أهم ركن وركيزة في البحث العلمي، وما يتصف به الباحث، أولاً: الأخلاق، وثانيًا: الأخلاق، وثالثًا: حتى عاشرًا: الأخلاق… ثم بعد ذلك يأتي العلم”. “لم تكن كلمات عابرة، بل كانت نورًا أرشدني منذ البداية، وميزت الطريق بين مجرد المعرفة والبحث الحقيقي، بين الورقة والقلب، بين البيانات والضمير.”

جلس طالب الدكتوراه متأملًا، وكأن الكلمات تحولت إلى لوحة حية: مشرف يمد يده لتوجيه الطالب، وأخلاق تتسلل بين جدران القاعة قبل أن تتسرب إلى الورق، وأمانة علمية تتحرك بينهما، وتحرس كل حرف وكل رقم. حقًا… الأخلاق قبل العلم؟” “بالضبط… العلم بلا أخلاق كبيت بلا أساس، مهما علا الشموخ، سرعان ما ينهار عند أول رياح. والأخلاق وحدها بلا علم؟ تبقى روحًا بلا أداة، كنجمة في سماء لا تُرى إلا بعين الروح.” تذكّر الطالب الأردني ما قاله الطنطاوي: “المعلم ليس من يعلّمك ما هو في الكتب، بل من يغرس فيك ما لا تراه عيناك وتسمعه أذناك.” فالمشرف، بعظمة سيرته وأخلاقه، صار أكثر من مرشد أكاديمي، صار معيارًا للنجاح في الحياة كلها، وليس في البحث وحده.

ثم استمر الحوار كما أن الكلمات تتسرب من قلب إلى قلب، محمّلة بالمعاني الخفية: “تخيل أن كل باحث يلتزم بهذه القاعدة… أن كل مشرف يضع الأخلاق أولًا… لما احتجنا لكل القوانين الصارمة، ولا لكل مراجعة دقيقة. كل خطوة ستكون محمية، وكل تجربة نقية.” “وهذا ما يجعل التوفيق من عند الله ملموسًا… عندما يُرزق المرء بمشرف من ذوي السيرة الحسنة، يُفتح له باب من نور، وتصبح التحديات أقل وطأة، ويشعر الباحث بالأمان في كل كلمة يكتبها.”

جلس الطالب الشاب وقد بدأ قلبه يستشعر الحقيقة: التوفيق ليس مجرد صدفة، بل هبة من الله تتجسد في الإنسان الذي يقف إلى جانبك، ويكون حارسًا للمعنى قبل الورقة. رفع كوب الشاي الأحمر، وقال مبتسمًا: “إذن، الأخلاق هي الأدوات، والضوء، والملاذ قبل كل شيء، ثم يأتي العلم ليكمل الصورة.” هز الأردني رأسه موافقًا، وأضاف: “العجيب أن هذه القاعدة ليست مجرد كلمات تُقال، بل حياة تُعاش. كلما طبّقتها، شعرت أن المعرفة التي تكتسبها ليست مجرد بيانات، بل جزء من روحك، جزء من إنسانيتك، جزء من رسالتك في الدنيا.”

 الاستبانة كنموذج حي

حين ينظر الباحث إلى الفصل الأخير في رسالته، حيث تمثل الاستبانة حالة نموذجية للتطبيق العملي للبحث، يدرك أن هذه ليست مجرد ورقة للإجابة على أسئلة، بل مفتاح لفهم الظاهرة، ونافذة على الواقع، وتجسيد للأخلاق في العمل العلمي. كل سؤال يكتب، وكل إجابة تُجمع، وكل تحليل يُنفذ، يصبح اختبارًا للنزاهة، للتوجيه، ولروح المشرف التي تتخلل كل خطوة. كما قال الرافعي: “الكلمة التي تأتي من قلب صادق تترك أثرًا لا يزول، حتى إن مرّت العقود والسنوات.” وكذلك، كل استبانة صممت بعناية، وكل استجابة سجلت بإخلاص، تصبح أثرًا خالدًا في تاريخ البحث العلمي.

الركيزة الخفية للبحث

في كل تجربة علمية، هناك قاعدة صامتة لا تُرى بالعين ولا تُقاس بالأدوات: الأخلاق. الأخلاق هي التي تحدد جودة السؤال، وصدق الإجابة، ووفاء الباحث بالمنهج. المشرف صاحب الأخلاق يزرع في الطالب احترامه للعلم، ويغرس فيه حس المسؤولية، ويعلمه أن النتائج ليست مجرد أرقام، بل أمانة تُسلم للأجيال القادمة. والطالب الذي يتعلم من مشرفٍ بهذه المواصفات، لا يصبح مجرد باحث، بل إنسان كامل، قادر على حمل رسالة العلم بضمير حي، وقلب نقي، ونية صافية.

العلم في خدمة الإنسان

جلس الصديقان بعد الانتهاء من الشاي، يتأملان العالم حولهما، وأعماقهما الممتدة بين أروقة الجامعة وأوراق البحث. “تخيل معي، كل باحث يبدأ رحلته بلا أخلاق… سيجمع البيانات، يحللها، يكتب الرسائل، لكن النتائج ستكون بلا معنى، والجهد بلا قيمة. العلم بلا أخلاق جثة بلا روح.” “والأخلاق بلا علم؟”  “أخلاق بلا علم؟ تبقى نورًا في القلب، لكنها لا تصل إلى العقول، ولا تتحول إلى تأثير ملموس. لذلك، الأخلاق والعلم معًا، كجناحين للطائر الذي يريد أن يحلق.” ابتسم الطالب الشاب وقال: “أشعر أن التوفيق الذي رزقني به الله من خلال مشرف ذو سيرة حسنة، ليس صدفة… بل هبة وبركة، ودرس في الحياة قبل أن يكون درسًا أكاديميًا.” وفي النهاية، أدرك الصديقان أن ما بدأ كحديث عن الاستبانة والفصل الأخير من رسالة الدكتوراه، أصبح درس حياة، درس وفاء، درس أخلاق، درس روحانية العلم. كما قيل: “العلم الذي لا يطبّع أخلاق صاحبه هو مثل البحر الذي لا يعرف الشاطئ… موجه عالٍ، لكن لا يرسو به أحد.” وهكذا، عرفا أن الرحلة الحقيقية ليست في جمع البيانات أو تحليلها، بل في تنقية القلب قبل الورقة، وتنمية الروح قبل الرسالة، واحترام العلم كما يُحترم الله ورسوله في القلب والعقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top