|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
كان الشيخ العجوز يجلس كل صباحٍ عند حافة النهر، يمدّ يده إلى الماء كأنّه يربت على حياةٍ أخرى تجري داخله. في ذلك اليوم، شدّ طرف عباءته، ونظر إلى الفتى الجالس أمامه، وقال بصوتٍ يشبه بحة الحكمة حين تتعب من النصيحة: “يا بُني… أعظم الأخطاء لا ترتكبها الأفاعي، بل أولئك الذين يربّونها على صدورهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.” لم يفهم الفتى المعنى كله، لكن الكلمات حفرت في روحه كوشمٍ لا يتلاشى. ولم يكن يدرك أن هذه الجملة ستصبح عنوان حياته بعد سنوات.
حين يولد الخطر من النوايا الطيبة
كان الفتى شابًا وديعًا، يرى الخير في كل وجه. فتح قلبه كما تُفتح النوافذ في الربيع: على مصراعيها، بلا حذر، بلا شرط، بلا قفل. كان يظن أن الحنان علاجٌ شامل، وأن الصدق ضمانٌ دائم، وأن الرأفة وحدها تستطيع تهذيب النفوس. لكنه لم يكن يعرف أن الرأفة إذا تجاوزت حدّها، انقلبت إلى ضعفٍ يخلط بين من يستحق العناية، ومن يستحق الحزم. ولأن الحياة لا تنتظر حتى نتعلم، جاءت التجربة التي تُذكِّر بأن السذاجة ليست فضيلة، وأنّ من يمنح بلا حكمة يهيّئ مسرحًا للمأساة.
التقى في طريقه شابًا كثير الشكوى، كثير الاحتياج، كثير الوعد قليل الوفاء. رقّ قلبه له، فتح له بيته، أحسن إليه، عرّفه على الناس، قدّم له الفرص. لم يكن يعلم أنه كان يربّي في حضنه أفعى، تغذّت بكل لحظة ثقة منحها، وبكل باب فتحه، وبكل ضعف آثر السكوت عنه. ففي لحظةٍ صامتة، لدغته. ولم تكن اللدغة موتًا… كانت فهمًا جديدًا للعالم.
حين يخونك من غذّيته
أطول الخيانات عمرًا ليست تلك التي تأتي من بعيد، بل التي تخرج من كفٍّ أمسكتها بصدق. أقسى الطعنات ليست تلك التي تقطع ظهرك، بل تلك التي تشقّ صدرَك حيث كان القلب مطمئنًا. هكذا قال أحد الحكماء-ولم يكن يهم من قالها، فالحكمة التي تصل بلا اسمٍ هي أصدق. ووجد الفتى نفسه يعيد الجملة مرارًا: “لماذا؟ ما الذي فعلته؟ وكيف يتحول المعروف إلى أذى؟” لكن الجواب لم يكن في الخيانة ذاتها، بل في طريقة تعامله مع الناس: كان يعطي… بلا حدود. يثق… بلا قيود. يقترب… بلا مسافة أمان. ويظن أن بناء العلاقات يشبه غرس الأشجار: كل ما تحتاجه ماء وضوء. لكنه لم يفهم أن بعض الأشجار سامة، مهما أحسنت ريّها.
الحكمة التي لا تُقال صراحة
في تلك الليلة، جلس الشيخ العجوز بجانب النهر ذاته، وقال له: “يا بُني… في النفس أفعى، وفي المؤسسة أفعى، وفي العلاقات أفعى. والفرق بين الحكيم والطيب أن الحكيم يعرف أين يضع يده.” لم تكن الجملة مجرد درس، بل كانت صورة رمزية كاملة. أشار الشيخ إلى النهر: “انظر… الماء يروّي الأرض، لكنه إذا تجاوز السدّ أغرق القرية. كذلك العطاء… كذلك التقدير… كذلك الثقة… كل فضيلة بلا ضوابط تتحوّل إلى نقيضها.” هنا دخلت الاستدلالات دون أن تُعلن نفسها. تذكّر كلماتٍ كان قد قرأها لرجالٍ كبار: من قال إن الحضارة لا تُبنى بالطيبة وحدها، ومن قال إن النفس تحتاج من يقوّمها أكثر مما تحتاج من يدللها، ومن قال إن العظماء يزنون القرارات لا بالعاطفة، بل بمعايير لا تتغير بتغير الوجوه. استدلالات تلتمع ولا تُسمّى… كما طلبت.
المؤسسات حين تُربّي أفعاها
لم يكن الدرس شخصيًا وحده، فقد دخل العالم المؤسسي، ورأى العجب. رأى مؤسسات تتكرر فيها القصة ذاتها:
- تُعطي الصلاحيات لمن يحسن الظهور لا لمن يحسن العمل.
- تُعلي من شأن المجاملة على حساب الكفاءة.
- تظن أن اللطف يحلّ محلّ آليات الرقابة.
- تساوي بين المجتهد والكسول.
- وتبني سلّم القيادة على العلاقات لا على الاستحقاق.
ثم تتفاجأ حين ينفلت القرار من يدها، أو حين ينشأ نفوذ مظلم داخلها، أو حين يتحول موظف صغير إلى “أفعى” تخيف الجميع. كان يرى هذه المشاهد في الاجتماعات، في التقارير، في التنافس غير النظيف، في القرارات التي تُتخذ بخوفٍ لا بحكمة. هنا تذكّر جملة لأحد الفلاسفة: “المؤسسة التي لا تُحاسِب تُربّي أفعى، ولو كانت نيّاتها نقية.” ولم يكن يحتاج أن يذكر اسم الفيلسوف – فكل حكيم قالها بطريقة مختلفة عبر التاريخ.
العلاقات حين تُبنى بلا وعي
العلاقات الإنسانية ليست بساطة القهوة ولا دفء المجالس كما يظن الناس. هي توازنٌ دقيق بين: المسافة والقرب، الحنان والحزم، الاستماع والحدّ، اللين والحدود. من يُلغي الحدود بدافع الطيبة، يعطي للآخرين مساحة قد لا يستحقونها. ومن يظن أن العطاء هو الرسالة كاملة، يفوت عليه نصف الرسالة: التقويم. لقد رأى الرجل بعد سنوات أن أعظم العلاقات ليست تلك الخالية من الخلافات، بل تلك التي تُبنى على وضوحٍ يمنع تراكم السموم. وتذكّر حكمة جميلة قالها أحد الكبار: “الخير بلا قوة عجز… والقوة بلا خير طغيان.” وكلاهما كفيل بخلق أفعى، بطريقة أو بأخرى.
في داخل النفس أفعى أخرى
وحين رجع إلى نفسه، وجد الحقيقة التي كثيرون يهربون منها: الأفعى ليست دائمًا خارجك… أحيانًا تكبر داخلك. تكبر حين تلوم الآخرين أكثر مما تراجع ذاتك. تكبر حين تمنح بلا معيار. تكبر حين تُقصِّر باسم التسامح. تكبر حين تُعطي دون أن تعرف قيمة ما تعطيه. تكبر حين تُهمل الحزم لأنه “يزعجك”. تكبر حين تعتقد أنك فوق الخطأ. من لم يعرف أفعاه الداخلية، ستعرفه أفاعي الناس.
الأمان حين يصبح قرارًا لا شعورًا
الأمان ليس شعورًا، بل نظامًا داخليًا وخارجيًا. في النفس: حدود واضحة، قيم ثابتة، قدرات مُقوَّمة، ووعي لا يخدع نفسه.
وفي المؤسسات: لوائح تحكم، صلاحيات مُحددة، مراقبة حكيمة، ومسار للمساءلة لا ينتظر وقوع الكارثة
وفي العلاقات: احترام، توازن، وضوح، وحقائق لا تُدفن تحت بساط اللطف. عندها فقط، لا تخاف من الأفعى… لأنك لم تعد تربيها.
حين يفهم الدرس
عاد الفتى-وقد أصبح رجلاً-إلى الشيخ العجوز بعد سنوات، وقال له: “يا شيخ… لقد فهمت متأخرًا.” ابتسم الشيخ وقال: “الفهم المتأخر خير من الخسارة المبكرة. لكن تذكّر… الحكمة ليست أن تهرب من الأفعى، بل ألا تجعل حضنك أرضًا خصبة لها.” رفع الرجل رأسه إلى السماء. فهم الدرس كاملًا: العطاء يحتاج حدودًا. الحكمة تحتاج شجاعة. الأمان يحتاج وعيًا. والتربية-في النفس وفي الآخرين-ليست حنانًا فقط، بل ميزانًا دقيقًا بين الرحمة والحزم. ومن يومها، لم يعد يفتح ذراعيه لكل من ابتسم، ولا يغلقهما في وجه من يستحق. تعلم أن يكون رحيمًا… قويًا. لينًا… واضحًا. معطاءً… بوعي. وقادرًا على قول “لا” مثلما يقول “نعم”. ولم يعد يربي الأفعى… بل صار يربي نفسه.