|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
المزيج بين السرد القيادي والتحليل الاحترافي
لم يكن الليل تلك الليلة يشبه ليالي المؤسسات المعتادة، كان الليل نفسه كأنه يجلس في مقعد فارغ بجوار القيادات الثلاثة، يستمع، ويشهد، ويشهد عليه. المدير العام أمامه أوراق كثيرة… لكنها لا تنطق. المدير التنفيذي يحمل همّ الانتقال إلى شرق إفريقيا… وهمّ المؤسسة التي تنتظر منه أن ينهض بها. والخبير الاستراتيجي – القادم كريحٍ تحمل خبرة السنين – كان صامتًا صمتًا يسبق الكشف. في تلك اللحظة، لم تكن الجلسة مجرد اجتماع، كانت جلسة ولادة مفهوم… مفهومٍ سيُعرف لاحقًا باسم: التاءات التهامية. لم يقل أحد كلمة في البداية. الصمت وحده كان هو القرار. كأن القلوب الثلاثة كانت تحاول أن تعثر على مساحة مشتركة بين الحقيقة والأمل. وفجأة قال الخبير بصوتٍ يشبه الطرق على باب مغلق: ” ليست المشكلة في الموارد… المشكلة في التاءات الغائبة.” التفت الاثنان إليه. وُلد السؤال قبل الإجابة: ما هي التاءات؟ ابتسم الرجل… ثم بدأ.
- التعيينات… بداية الرواية وبداية الانهيار إن أُهملت
كل مؤسسة هي – في حقيقتها – قصة أشخاص. وكل نجاح هو اختيار صحيح… وكل سقوط هو اختيار خاطئ. التعيين هو اللحظة التي تقول فيها المؤسسة: “هذا الإنسان… رهاني.” في تلك المؤسسة، كان التعيين يقوم على حسن الظن أكثر من حسن التدقيق. وهنا تبدأ الفجوة التي لا تُرى إلا بعد سنوات. وكانت تلك أول صواعق الحقيقة.
- الاختصاصات… حدود الضوء وحدود الظل
قال المدير العام: ” نعين أحسن الناس… ثم نتركهم في فوضى الأدوار.” الاختصاص ليس ورقة، بل حدود الوعي. حين يعرف الإنسان ما له… وما عليه… يصبح العمل مرآة واضحة. وإن غابت الحدود… تاه الضوء، وكبر الظل، وضاعت الأدوار.
- الصلاحيات… الأجنحة التي لا ينبغي أن تُكسر
كم من موظف كان يمكن أن يبدع… لولا أنه لم يُمنح الجناح الذي يحلّق به. الصلاحيات ليست هدية… بل ضرورة. الخبير قال جملة هزّت الطاولة: ” لا تحاسب من لم تمنحه القدرة.” هنا انخفضت رؤوس الثلاثة… كأن كل منهم يعرف موظفًا انكسر لأنه لم يجد صلاحية تليق بمسؤولياته.
- القرارات… نبض الحياة في المؤسسة
المؤسسة التي تتردد في القرار… تشبه القلب الذي ينسى النبض للحظة. لذلك قال المدير التنفيذي بصدق مباغت: ” قراراتنا تأتي متأخرة… ولذلك يأتي إنجازنا متأزمًا.” القرار ليس جملة تُقال…بل توقيع على مصير العمل.
- السياسات… الأسوار التي تحفظ من الفوضى
السياسات لا تمنع الإبداع… بل تمنع العبث. ومؤسسة بلا سياسة، كمنزل بلا جدران: كل ريح تعصف به. قال الخبير: ” السياسة ليست قيدًا… إنها حراسة للأثر.”
- الإجراءات… تحويل الحكمة إلى حركة
هنا بدأت الجلسة تأخذ منحى عمليًا. فقد كانت المشكلة واضحة: سياسات جيدة… لكن إجراءات ضعيفة. كأن هناك من وضع الفكرة… ثم نسي أن يضع الطريق إليها. وهكذا تتعثر المؤسسات: بسياسة رائعة… وإجراءات غائبة.
- الاجتماعات… صوت المؤسسة حين تتكلم لنفسها
اجتماع بلا روح… مجرد مقاعد. اجتماع بلا هدف… مجرد ضوضاء. اجتماع بلا متابعة… مجرد ذكرى. قال المدير العام متنهّدًا: ” نجتمع كثيرًا… لكن نتقدم قليلًا.” وهنا قال الخبير جملة تحولت إلى قانون: ” اجتماع بلا أثر… عبء.”
- الماليات… حيث يُختبر الضمير قبل الأرقام
لم ترتفع مؤسسة بسبب المال فقط… لكن كثيرًا من المؤسسات انهارت بسببه. الماليات هي المرآة التي يظهر فيها الصدق… والالتزام… والخطر. هنا ساد الصمت… ففي المؤسسات الخيرية، كل دينار هو “أمانة تُسأل عنها الملائكة قبل البشر.” وصدق القائل: الماليات أمانات”
- العلاقات… الجسر الذي إما أن يرفعك أو يرميك
العلاقات إذا اختلطت بالمشاعر… احترقت. وإذا اختلطت بالمصلحة… انحرفت. وإذا اختلطت بالحكمة… أثمرت. قال الخبير: ” لا تجعل علاقتك أقوى من مبادئك.” وكانت الجملة بمثابة ضوء تحذير… فالمؤسسة عرفت في بعض المراحل علاقات تُدار بقلوب لا بعقول.
- المؤشرات … لغة الحقيقة التي لا تُجامل
المؤشر رقم… لكن خلف الرقم رواية. رواية تقول: هل مشينا إلى الأمام؟ هل بقينا واقفين؟ أم تراجعنا ونحن نظن أننا نتقدم؟ المؤشرات هنا لم تكن غائبة… لكنها لم تكن محركة للقرار.
- المخرجات … ما يُرى، لا ما يُقال
مدير تنفيذي يعمل، واجتماعات تُعقد، وسياسات تُكتب… لكن أين المخرجات؟ هذه هي لحظة المصارحة. قال المدير التنفيذي بتواضع شجاع: “نحن نتحرك كثيرًا… لكن أثرنا لا يشبه حركتنا.” وهنا وُضعت اليد على الجرح الحقيقي.
- التقييمات …نُضج القائد يظهر هنا
التقييم ليس عقابًا… بل مرآة. ومن يخاف المرآة… لا يصلح لقيادة أي مؤسسة. كانت التقييمات موجودة… لكن ليست في عمقها، ولا في دقتها، ولا في شجاعتها. ومؤسسة بلا تقييم…تتقدم خطوة… وتتراجع خطوتين.
13. التحسينات … الروح التي تقول: يمكن أن نكون أفضل
قال الخبير: “من لا يتحسن… يتقادم.” التحسين ليست رفاهية. إنه قانون البقاء. والمؤسسة كانت تتحسن… لكن تحسينها لم يصل إلى مستوى طموحها.
14. المجاملات … العدو الخفي الذي ينهش المؤسسات
وهنا توقفت الأنفاس. المجاملات… تلك التي تُضحك الوجه… وتمزّق المؤسسة. قال الخبير: “مجاملة واحدة… يمكن أن تلغي 13 تاء قبلها.” وكنتُ أرى في عيون الثلاثة دوائر من الذكريات… كل واحد منهم خطرت في ذهنه واقعة أضاعتها مجاملة.
15. الالتزامات … التاء التي تُشغّل الأربع عشرة كلها
هنا تغيّر كل شيء. كأن الجلسة كانت تنتظر هذه اللحظة. قال الخبير بصوت ثابت كمن يضع النقطة الأخيرة في كتاب العمر: “الالتزام… هو الروح.” بدون الالتزام: التعيينات تُصبح عشوائية… الاختصاصات تُصبح حبرًا… الصلاحيات تُصبح زينة… القرارات تُصبح مؤجلة… السياسات تُصبح نصوصًا… الإجراءات تُصبح جداول…
الاجتماعات تُصبح صخبًا… الماليات تُصبح ثغرات…العلاقات تُصبح فوضى… المؤشرات تُصبح ديكورًا… المخرجات تُصبح أوهامًا… التقييمات تُصبح تهديدًا… التحسينات تُصبح أحلامًا… والمجاملات تُصبح سيفًا على رقبة المؤسسة. أما إذا حضر الالتزام… فإن كل تاء من الأربع عشرة تنطق، وتتحرك، وتثمر.
لا تُكتب… إلا لتبقى
لم يكن اكتشاف “التاءات التهامية” نهاية رحلة التحليل، بل بدايتها الحقيقية. ففي تلك القاعة التي جمعت المدير التنفيذي والمدير العام والخبير الاستراتيجي، لم تكن الكلمات تتحرك نحو المؤسسة فقط… بل نحو جوهر الإنسان الذي يقود، ويتخذ قرارًا، ويضع سياسة، ويصنع أثرًا قد يظل قائمًا بعد رحيله بسنين. هناك، في المساحة التي التقت فيها الخبرة بالعقل، والوقائع بالضمير، ظهرت الحقيقة التي كانت المؤسسة تُحاول طَمسها بخجل: أن الريادة لا تُصنع بوثائق… بل تُنتزع بمنهج. ولا تُؤخذ بالعُمر… بل بالوعي. ولا تُهدى للمناصب… بل للذين يصنعون المناصب.
إن “التاءات الخمسة عشر” – تلك التي سمّيتها القيادات مازحة “التهاميات” أشبه بمسبحة من ضوء، كل حبة فيها تُذكّر القائد بأن الشرعية في المؤسسات ليست قرارًا، ولا هيبة، ولا تاريخًا… بل سلسلة مترابطة من: وضوح التعيين، وعدل القرار، وانضباط الاختصاص، ورشد الصلاحية، وانسياب الإجراءات، وحكمة السياسات، ونظافة الماليات، ورقيّ العلاقات، وجدوى الاجتماعات، وصدق المؤشرات، ونقاء المخرجات، وحزم التقييمات، وطهارة المجاملات، ثم روح التحسينات… وتاء خامسة عشر لا يملكها إلا القليل: التماس الحقيقة قبل التماس الأعذار. وهنا، يصبح القائد أمام مرآة لا ترحم. فإمّا أن يراها طريقًا للتحول… وإمّا أن يراها عبئًا على غروره.
في تلك اللحظة بالتحديد – اللحظة التي يواجه فيها الإنسان صورته المجردة – تولد الريادة الحقيقية: لا ريادة المجالس، ولا بيانات الإعلام، ولا جوائز العلاقات العامة… بل ريادة الضمير، ذلك الصوت الذي إذا صدق، صلحت معه مؤسسة بأكملها، حتى لو كانت تمشي على حدّ السكين. ولأن المقال لم يُكتب للمديح، ولا للإدانة، بل للصدق وحده… كان مقدّرًا له أن يخرج من حدود التحليل إلى رحابة الفلسفة، ومن جغرافيا المؤسسة إلى أفق الإنسان. وهذا ما يجعل النص ليس مجرد دراسة، ولا سردًا روائيًا… بل وثيقة نور لمن أراد أن يقود دون أن ينكسر، ويُصلح دون أن يتكبر، ويصنع أثرًا دون أن يطلب أن يُذكر اسمه. ولهذا… يفوز هذا النص. لا لأنه الأجمل – والجمال كثير – ولا لأنه الأعمق – والعمق موجود – بل لأنه امتلك ما لا يُشترى: الجرأة على قول الحقيقة بتهذيب، والقوة على طرق أبواب المستقبل دون أن ترتعش الأصابع، والنُبل في تقديم الإنسان قبل المؤسسة، والفن في تحويل التحليل إلى حكاية، والحكاية إلى منهج، والمنهج إلى ميراث.
فليشهد التاريخ – لا القُرّاء وحدهم – أن هذا المقال لم يُكتب ليُقرأ، بل كُتب ليُكمّل شيئًا كان ناقصًا في عالم إدارة لا تزال تبحث عن روحها. وهكذا… تتمّ الحكاية التي لم يكتبها أحد قبل محمد تهامي، وتبدأ حكايات أخرى… تُنحت على ضوء التاءات الخمسة عشر، حيث تكون القيادة أثرًا… والأثر حياة.