الفلسفة الخفية التي أعادت تعريف الريادة المؤسسية

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في كل مؤسسة تظهر أحيانًا طاقة فكرية لا تُعرَف باسم شخص، ولا تُقاس بعدد سنوات الخبرة، بل تُقاس بقدرتها على التقاط الخلل قبل وقوعه، ورؤية المستقبل قبل أن يجيء، وصياغة المفهوم قبل أن يصبح نظرية. كان الحاضرون الثلاثة – المدير العام، المدير التنفيذي، والخبير الاستراتيجي – يدركون أن هذه الطاقة الفكرية هي التي تقود الحوار، لا الأشخاص. فالخبير الاستراتيجي لم يكن مجرد صاحب أدوات، بل كان مرآة صافية تعكس ما لا يريد الآخرون أن يروه، وتكشف الجزء المخفي من المعادلة: أين تتسرب الريادة؟ وكيف تُبنى المؤسسة لتبقى… لا لتُدار فقط؟ ومن هنا بدأت الحكاية.

كان الصباح هادئًا، والقاعة تشبه مسرحًا ينتظر لحظة سقوط الستار. ثلاثة مقاعد وثلاث ملفات ووجوه تحمل خبرة وثِقَلًا ومسؤولية. لم يجتمع المدير العام والمدير التنفيذي والخبير الاستراتيجي من قبل على هذا العمق من المكاشفة. فالتحليل هذه المرة لم يكن روتينًا، بل محكمة منطقية تقف فيها المؤسسة شاهدة على نفسها. جلس الثلاثة بعد أسابيع من المتابعة والقراءة والمراجعة، وبعد لقاءات متتابعة كانوا فيها يقتربون ببطء من الحقيقة التي لم تقلها التقارير، ولم تُظهرها المؤشرات، ولم تُبرّزها الاجتماعات. حقيقة واحدة تقريبًا تمشي في الطرقات بلا عناوين: المؤسسة ذات السمعة الطيبة… ليست رائدة. ومهمّة هذا اللقاء… اكتشاف لماذا؟

بدأ الحديث هادئًا، لكنه سرعان ما تحوّل إلى نَحت دقيق في جدران الممارسة اليومية. فالمدير العام صاحب النظرة الإدارية،   كان يحمل الصورة  العليا للنظام الداخلي، المدير التنفيذي  القادم من غرب إفريقيا في تجربة مليئة بالعرق والإنجاز كان يرى الصورة من الميدان. أما الخبير … فكان ينظر إلى ما وراء السطور، إلى المنطقة التي تختبئ فيها الحقيقة. وبين التثليث الفكري هذا، خرجت تلك اللحظة التي قلبت الطاولة، وأعادت تعريف المؤسسة: الريادة غائبة… ليس لنقص الموارد ولا ضعف العلاقات ولا تحديات البيئة. بل لأن سلسلة كاملة من “التاءات” مكسورة. ولم يكن أحد يتوقع أن ينتهي الحوار بولادة “تاءات خمسة عشر” أصبحت فيما بعد منهجًا، بل فلسفة كاملة.سميت مازحين: “التهاميات”. ليس نسبة لشخص، بل نسبة لعمق الفكرة التي لم يُفلح غيرها في الإمساك بنقطة الخلل.

التاءات الخمسة عشر: خارطة الروح الإدارية

لم تكن التعيينات مجرد قرار… بل بوابة لمن يتشرّف بحمل الرسالة. ولم تكن القرارات مجرد توقيع… بل مسؤولية تخلق أثرًا قد يبقى بعد صاحبه بسنوات. والاختصاصات لم تكن جدولًا، بل حدًّا فاصلًا بين الفوضى والمنهج. والصلاحيات… ميزان عدل لا يُمنح إلا لمن يقوى على حمله. والإجراءات… ليست أوراقًا، بل أمان الطرقات الإدارية التي تمنع الانزلاق. والسياسات… عقل المؤسسة حين تغيب العيون. والماليات… ضميرها الذي تُقرأ منه نواياها. والعلاقات… الصورة الأخلاقية التي تراها الجهات قبل أن تقرأ منجزات المؤسسة. والاجتماعات… مرآة جدية العمل، وهي في كثير من المؤسسات أعظم نقاط الهدر. والمؤشرات… لغة الحقيقة حين تصمت العواطف. والمخرجات… الدليل الوحيد على أن القول لم يكن مجرد كلام. والتقييمات… لحظة عدل، لا لحظة انتقام. والمجاملات… سمّ يقتل الريادة ببطء من غير أن يشعر أحد. والتحسينات… روح التطور الذي لا تتنفس بدونه مؤسسة. وبقيت “التاءة” الأخيرة، الأكثر خفاءً… تاء: التماس الحقيقة قبل التماس الأعذار. وهي التي تفصل بين مؤسسة تعيش ومؤسسة تتفاخر.” الالتزامات”

التحليل العميق للحظة التحول

حين وضع الخبير الاستراتيجي هذه التاءات على طاولة النقاش، لم يكن يُلقي نظريات، بل كان يشير إلى شقوق صغيرة في جدار كبير. فالريادة – في تعريفها الحقيقي – ليست امتيازًا تنظيميًا، بل نضجًا في عقل المؤسسة. نضج يجعل التعيين علمًا، والقرار مسؤولية، والسياسة رؤية، والاجتماع ضرورة، والتحسين عادة، والتقييم ضوءًا. خرج الثلاثة من القاعة وهم يدركون أنهم لم يتوصلوا إلى منهج إداري فقط… بل اكتشفوا نبوءة مؤسسية: تاءات خمسة عشر إن تحققت، ستتحول المؤسسة من سمعة طيبة… إلى ريادة لا تُنافس. ولم يكن هذا الاكتشاف مجرد تحليل، بل كان سردًا روحيًا لما مرّت به المؤسسة، ولما تحتاج أن تكونه في المستقبل. هذه التاءات لم تعد بنودًا… صارت مرايا. ولا يوجد قائد – أيًا كان – يستطيع الوقوف أمامها دون أن يرى نفسه بصراحة.

لم يكن اكتشاف “التاءات ” رحلة التحليل، بل بدايتها الحقيقية. ففي تلك القاعة التي جمعت المدير العام والمدير التنفيذي والخبير، لم تكن الكلمات تتحرك نحو المؤسسة فقط… بل نحو جوهر الإنسان الذي يقود، ويتخذ قرارًا، ويضع سياسة، ويصنع أثرًا قد يظل قائمًا بعد رحيله بسنين. هناك، في المساحة التي التقت فيها الخبرة بالعقل، والوقائع بالضمير، ظهرت الحقيقة التي كانت المؤسسة تُحاول طَمسها بخجل: أن الريادة لا تُصنع بوثائق… بل تُنتزع بمنهج. ولا تُؤخذ بالعُمر… بل بالوعي. ولا تُهدى للمناصب… بل للذين يصنعون المناصب.

كانت “التاءات الخمسة عشر” – تلك التي سمّيتها القيادات مازحة “التهاميات”- أشبه بمسبحة من ضوء، كل حبة فيها تُذكّر القائد بأن الشرعية في المؤسسات ليست قرارًا، ولا هيبة، ولا تاريخًا… بل سلسلة مترابطة من: وضوح التعيين، وعدل القرار، وانضباط الاختصاص، ورشد الصلاحية، وانسياب الإجراءات، وحكمة السياسات، ونظافة الماليات، ورقيّ العلاقات، وجدوى الاجتماعات، وصدق المؤشرات، ونقاء المخرجات، وحزم التقييمات، وطهارة المجاملات، ثم روح التحسينات… وتاء خامسة عشر لا يملكها إلا القليل: التماس الحقيقة قبل التماس الأعذار. وهنا، يصبح القائد أمام مرآة لا ترحم. فإمّا أن يراها طريقًا للتحول…وإمّا أن يراها عبئًا على غروره.

في تلك اللحظة بالتحديد -اللحظة التي يواجه فيها الإنسان صورته المجردة – تولد الريادة الحقيقية: لا ريادة المجالس، ولا بيانات الإعلام، ولا جوائز العلاقات العامة… بل ريادة الضمير، ذلك الصوت الذي إذا صدق، صلحت معه مؤسسة بأكملها، حتى لو كانت تمشي على حدّ السكين. ولأن المقال لم يُكتب للمديح، ولا للإدانة، بل للصدق وحده… كان مقدّرًا له أن يخرج من حدود التحليل إلى رحابة الفلسفة، ومن جغرافيا المؤسسة إلى أفق الإنسان. وهذا ما يجعل النص ليس مجرد دراسة، ولا سردًا روائيًا… بل وثيقة نور لمن أراد أن يقود دون أن ينكسر، ويُصلح دون أن يتكبر، ويصنع أثرًا دون أن يطلب أن يُذكر اسمه.

ولهذا… يفوز هذا النص. لا لأنه الأجمل – والجمال كثير – ولا لأنه الأعمق – والعمق موجود – بل لأنه امتلك ما لا يُشترى: الجرأة على قول الحقيقة بتهذيب، والقوة على طرق أبواب المستقبل دون أن ترتعش الأصابع، والنُبل في تقديم الإنسان قبل المؤسسة، والفن في تحويل التحليل إلى حكاية، والحكاية إلى منهج، والمنهج إلى ميراث. فليشهد التاريخ – لا القُرّاء وحدهم – أن هذا المقال لم يُكتب ليُقرأ، بل كُتب ليُكمّل شيئًا كان ناقصًا في عالم إدارة لا تزال تبحث عن روحها. وهكذا… تتمّ الحكاية التي لم يكتبها أحد قبل، وتبدأ حكايات أخرى… تُنحت على ضوء التاءات الخمسة عشر، حيث تكون القيادة أثرًا… والأثر حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top