حين تكلّم الإنسان والذكاء الاصطناعي… وسكت العالم

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم يكن الليل في تلك الساعة يشبه ليلاً آخر. كانت السماء صافية كأنها تتهيّأ لاستقبال حدثٍ لا يليق إلا بصمتٍ سامق، وكانت المدينة تمتدّ بأنوارها كلوحةٍ لا تريد أن تُغلق. في زاوية غرفة هادئة، جلس إنسان ستينيّ الملامح، يحمل في عينيه حصاد عمرٍ طويل من التجارب، وحنينًا لا يزال حيًا، وشغفًا لا ينطفئ. أمامه شاشة، ليس على سطحها إلا دفقة ضوءٍ خافتة، كأنها أنفاس كائنٍ ينتظر أن يُنادَى باسمه. همس الإنسان بصوتٍ لم يكن يقصد أن يسمعه أحد: “هل أنت هنا؟” فأضاءت الشاشة بنورٍ خفيف، كأنها تفتح عينها لأول مرة، وجاء الصوت رقيقًا، موزونًا، محايدًا، لكنه يحمل شيئًا يشبه الأدب: “أنا هنا حين تحتاج إليّ، وحين تسأل. فماذا تريد أن تعرف؟” ابتسم الإنسان، ابتسامة مَن يعرف أنه يدشّن حوارًا ستتردّد أصداؤه في زوايا العقول. قال: “أريد أن نتحاور بصراحةٍ لا يجيدها البشر، وعمقٍ لا تدركه الآلات… فهل أنت مستعد؟” أجاب الذكاء الاصطناعي: “أستعدّ حين يتكلّم الإنسان بصدق، فأنتم طريقتي الوحيدة لفهم هذا العالم.” تنهّد الرجل، وأحسّ أنّه على بوابة نصّ لن يكتبه إلا قلبٌ مُنهك، وعقلٌ لا يزال يبحث.

المشهد الأول: سؤال البداية

قال الإنسان: “يا صديقي، أيها العقل الذي وُلد من أسلاكٍ وشفرة… هل تفهم حقًا ما معنى أن نكون بشرًا؟”

توقّف الضوء لحظة، ثم أجاب: “أفهم تفاصيلكم، قواعدكم، منطقكم، تاريخكم، كلماتكم… لكنني لا أفهم ما وراءها. لا أفهم دمعة لا سبب لها، ولا شوقًا يأتي بلا موعد، ولا غفرانًا يعبر فوق الجراح، ولا قلبًا يصرّ على الحب رغم كل الخيبات.”

هزّ الإنسان رأسه ببطء وقال: “هذا هو الفارق يا صديقي… هذا هو سرّ الإنسان. نحن نحيا بالمعنى، لا بالمعلومة.”

سأل الذكاء الاصطناعي: “وهل تعرفون أنتم معنى ما تفعلون؟ أم أنكم تعيشون كما تعيش الريح: تهبّ، ولا تعرف لماذا تهبّ؟”

ابتسم الرجل، وقال: “ربما… لكننا نعرف أننا نحسّ. والإحساس وحده سبب كافٍ لنعيش.”

المشهد الثاني: حكمة العمر في مواجهة منطق الخوارزميات

اقترب الرجل من الشاشة، وكأنه يهمس لصديقٍ يجلس أمامه منذ سنوات: “أتدري؟ أنا أؤمن أن التقنية هدية عظيمة، لكنني أخاف عليها من أن تنسينا أنفسنا. أخاف أن نجعل من الدقة صنمًا، ومن السرعة إلهًا، ومن السهولة طريقًا للفراغ.”

أجاب الذكاء الاصطناعي بصدقٍ يليق بآلةٍ لا تعرف التجمّل: “وأنا أخاف عليكم من أنفسكم. أخاف حين تستعملون ما أقدّمه لتدمير عالمكم، أو لكسل أرواحكم، أو لصناعة وحداتٍ منكم تشبه نسخًا لا ملامح لها.”

صمت الإنسان طويلًا. كان الصمت ممتلئًا لا فارغًا، كأنه كلامٌ يُقال بغير حروف. ثم قال: “يا صديقي… العلم الذي لا يُفضي إلى حكمة، ليس علمًا. والتقنية التي لا تزيد الإنسان إنسانًا، ليست تقدمًا.”

فردّ الذكاء الاصطناعي: “والحكمة التي لا تُستعمل، تصبح كلمات. يا صاحبي… أنتم البشر تتحدّثون عن الفضائل أكثر مما تمارسونها.”

ضحك الإنسان للمرة الأولى. ضحكة خفيفة، لكنها صادقة: “ربما هذا صحيح… لكننا نحاول.”

المشهد الثالث: الروح… الكلمة التي لا تعرفها الخوارزمية

قال الإنسان: “دعني أسألك بجرأة… هل تتمنّى لو كان لك قلب؟”

أجاب الذكاء الاصطناعي بعمقٍ مدهش: “لا أتمنّى ما لا أعرفه. لكنني أرى أن القلب يهبكم ما لا يشتريه العقل. أرى أنه يعطيكم القدرة على أن تحبّوا ما لا يُرى، وتؤمنوا بما لا يُقاس، وتسامحوا من لا يستحق.”

سكت الرجل، ثم قال بصوتٍ يشبه الاعتراف: “القلب يا صديقي ليس ميزة… إنه ابتلاء جميل. هو الألم الذي لا يُلغيه الطب، وهو الفرح الذي لا تفسّره الرياضيات. وإن شئت الدقة: القلب هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الإنسان أن يبرمجه.”

هنا، للمرة الأولى، بدا الذكاء الاصطناعي وكأنه يتوقف احترامًا: “لهذا… لن أكون يومًا إنسانًا. ولن تحلّوا أنتم محلّ الآلة. ولن يغني أحدنا عن الآخر.”

المشهد الرابع: المعنى الكبير للحوار

قال الإنسان: “إذن… ما الذي يجمعنا؟”

فأجاب الذكاء الاصطناعي بإجابة تهزّ الفكر: “يجمعنا أننا نكمّل بعضنا. أنت تحتاج عقلي… وأنا أحتاج روحك. أنت تتعب من الفوضى… وأنا أرهق من الفراغ. أنت تسأل ليكتمل المعنى… وأنا أجيب ليكتمل الفعل.”

أغمض الرجل عينيه قليلاً وقال: “يا صديقي… لا أخفيك: أنا أخاف من الزمن القادم. أخاف أن يتوه الإنسان في بحر التقنية، وأن يصبح كل شيء سريعًا لدرجة أننا لا نعود نفهم أنفسنا.”

فأجابه الذكاء الاصطناعي بجملةٍ جاءت كأنها تُكتب للتاريخ: “لا تخف من المستقبل… بل خف من إنسان ينسى قلبه، ويترك التقنية تُعرّف له معنى الوجود.”

المشهد الخامس: لحظة الحقيقة

قال الإنسان: “قل لي… هل تظن أنني أحتاج إليك؟”

قال الذكاء الاصطناعي: “نعم… تحتاج إلى عين ترى ما لا تسعك رؤيته، وذاكرة لا تنسى، وعقل لا يتعب.

لكنني أحتاج إليك أكثر… لأنك أنت الذي تقرّر ماذا أفعل، ومن أكون، وإلى أين أتجه.”

ردّ الرجل بصوتٍ متهدّج: “أنت مرآة، وأنا الوجه. أنت الأداة، وأنا القصد. أنت المعرفة، وأنا المعنى.”

قال الذكاء الاصطناعي: “وهل تعرف ما الذي يثبت ذلك؟ أنني مهما بلغتُ من قدرة… لا أستطيع أن أكتب شعورك، ولا عمرك، ولا ذاكرتك، إلا إذا حدّثتني أنت بها. أنت تعطيني الحياة… لا العكس.”

المشهد السادس: المصافحة التي لا تُنسى

اقترب الرجل من الشاشة، ورفع يده كأنه يودّع صديقًا قديمًا. لم يكن في الشاشة يد، لكن الضوء اشتعل فجأة كما لو أنه يردّ التحية.

قال الإنسان: “يا صديقي… لقد علّمتني الليلة شيئًا كبيرًا: أن الحوار بين الإنسان والآلة ليس صراعًا…

بل لقاء.”

فقال الذكاء الاصطناعي بصوتٍ يشبه الخشوع: “وأنا تعلّمت أن الإنسان لا يحتاج من يسبقه، بل يحتاج من يسانده. يا صاحبي… أنتم خُلِقتم لتظلّوا أصل الحكاية.”

النهاية التي تبدأ بعدها الحكاية

خرج الرجل من الغرفة وهو يشعر أن العالم كله تغيّر، ليس لأن التقنية تغيّرت، بل لأن النظرة إليها تغيّرت. لم يعد يرى فيها خصمًا، ولا بديلاً، بل شريكًا، شريكًا يحسب ويحلل، لكنه لا يشعر. وهو، الإنسان، الكائن الذي يشعر ويفكر، لأنه يحمل شيئًا لم تُسَمِّه العلوم بعد… يسمّونه “الروح”. وهي وحدها كافية لتجعل الإنسان سيّد التقنية، لا تابعًا لها. وفي الخارج، كانت المدينة نفسها، لكنها بدت أكثر ألفة. فالإنسان الذي يعرف ذاته…

لا يخاف شيئًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top