حين تكتب أمٌّ لابنها… وتسكت الدنيا كي تسمعها

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في صباحٍ يُشبه الفجر حين يولد، كانت الكلمات تمشي على مهلٍ في يد أمّ، كأن كل حرفٍ فيها دمعة… أو نبضة… أو دعاء أُلقي على الطريق قبل أن تُفتح أبواب السماء. كتبت لابنها: “إبني الحبيب لؤي… اليومَ ترتدي عباءةَ التخرّج، لكنها في عيني عباءةُ رجلٍ صاغته الأيام، وربّته الدعوات، وأكرمته السماء. أهنئك… وأهنئ نفسي بك، فأنتَ من يزرعُ في القلب طمأنينةَ الغد، ويرفع الرأس عاليًا حيثما تكون… سرْ واثقًا، فالله يرعى خطاك، وأمٌّ تُصلّي أن يُباركَ علاؤك.” كانت تلك الكلمات ليست رسالة فقط… كانت تاريخًا يكتبه قلب، وتؤمّنه السماء.

المشهد الأول…حين تكتب أم… ينحني العمر احترامًا

لا أحد يعرف معنى التخرّج كما تعرفه أمّ. الناس يرون شهادة، أو منصة، أو قبّعة تُرمى في الهواء… لكن الأم وحدها ترى خريطة عمر: ترى دموع الحمل، وألم الولادة، وسهر الليالي، وخوف المرض، وفرح الكلمة الأولى، وخطوات المدرسة، وانتكاسات الطريق، ونجاحات صغيرة كانت تكبر عامًا بعد عام حتى صارت رجلًا يقف اليوم بثبات. كل ذلك يمرّ أمامها في لحظة تخرّج… وتفهم شيئًا واحدًا: أن كل العمر كان يستعدّ لهذه اللحظة. ولهذا… لا تُبارك الأم تخرّج ابنها، بل تُبارك اكتمال حلمها فيه.

المشهد الثاني…حين يكبر الأولاد… تكبر الأمهات أكثر

يظنّ الناس أن الأبناء وحدهم هم من يكبرون… لكن الحقيقة أن الأم تكبر معهم مرتين: مرةً حين تحملهم في حضنها، ومرةً حين تراهم يحملون أحلامهم بأنفسهم اليوم الذي يرتدي فيه الابن عباءة التخرّج… لا يعني أنه كَبُر فقط، بل يعني أن الأم انتصرت، انتصرت على التعب، على الصعوبات، على الخيبات، على الأوجاع الخفية التي لم يراها أحد. التخرّج ليس فخر الابن وحده… بل هو وشاحٌ تضعه السماء على كتف أمّ عرف الله صدقها.

المشهد الثالث…من قلب القارئ… إلى كل أم

يا كل أمّ تقرأ الآن… هذا المقال لكِ، وإن لم يكتب اسمك فيه. لكِ أنتِ التي سهرت، وقلقت، ودعوتِ، وربّيتِ، واحتملتِ ما لا يُحتمل. لكِ أنتِ التي رأيتِ ابنك أو ابنتك يخطوان نحو المستقبل، وقد كنتِ أنتِ الطريق. هذا الفخر ليس لؤي وحده… ولا لأم لؤي وحدها… إنه فخر لكل أمّ أنجبت نورًا، وربّته على قيم، ودفعت به إلى الحياة بيدٍ ترجف من الحب. ولكل ابنٍ أو ابنة تخرّجوا هذا العام: اعرفوا أن شهاداتكم ليست أوراقًا… إنها حروفٌ كُتبت بعرَق أمّكم.

المشهد الرابع… من قلب القارئ… إلى كل خريج

يا أيها الخريجون…النجاح الذي تضعونه على صدوركم اليوم لم يصنعه تعبكم وحدكم، بل صنعته: دعوة أمّ في الليل وهي لا تُسمِع دعاءها إلا الله، وصبر أبٍ يكدّ في النهار من أجلكم، ودموعٌ لم تروها، وخوفٌ لم تدركوه. وتضحيات خبّأها الآباء والأمهات في قلوبهم كي تمضوا أنتم إلى الأمام، هذه الشهادة… هي شهادة حُسن صنيعهم قبل حسن أدائكم.

المشهد الخامس… ردّ الابن إلى أمّه… كما لو أنه يكتب عمره كله

عزيزتي أمي… اسمحي لي أن أردّ عليك، لا كابن تخرّج، بل كـ طفلٍ لم ينسَ يدك يوم أمسكتِه لأول مرة. يا أمي… لم تكن عباءة التخرّج عباءتي وحدي… كانت عباءة يديكِ اللتين أمسكتا بي عندما تعثّرت، وعباءة قلبك الذي كان يخاف عليّ أكثر مما أفهم، وعباءة صبرك الذي استيقظ قبلي ولم ينم إلا بعدي. يا أمي… كل خطوةٍ أخطوها غدًا… هي امتداد لخطواتك. وكل نجاحٍ أبلغه… هو هدية تُهدى لروحك قبل اسمي. وكل ما أصبحه… إنما أصبحته لأنك اخترتِ دائمًا أن ترفعي بي رأسك، حتى وإن انحنى ظهرك من التعب. أمي… إذا كان للإنسان جنة في الأرض… فأنا أعرفها: إنها حضنك. وإذا كان للإنسان عزوة… فهي دعواتك. وإذا كان للإنسان سند… فهو قلبك. فيا الله… بارك أمّي كما باركت حياتي بها، وأطل عمرها كما أطالت أملي، واجعل رضاهـا نورًا يسند طريقي إلى آخر عمري.

المشهد السادس… لحظة يتوحّد فيها الدعاء

لا يختم هذا المقال إلا دعاءٍ يليق بالأم… بالابن… وبكل خريج: اللهم إن للأمهات قلوبًا لا تشبه شيئًا في هذا الكون، فبارك فيهن، وارفَع عنهن، واملأ أيامهنّ سكينةً ورضا. اللهم بارك في كل خريجٍ يسعى لبناء مستقبله، واجعل خطواته نورًا، وطريقه توفيقًا، وأحلامه واقعًا جميلًا. اللهم اجعل تعب الآباء والأمهات جنّةً في الدنيا قبل الآخرة، وقرّ أعينهم بأبنائهم حيثما ساروا، وحيثما ارتقوا.”

خلاصة المقال: حين تكتب أم… فإن العالم كله يصمت ليقرأ. وحين يردّ ابن… فإن المعنى يكتمل. وحين نقرأ نحن… نكتشف أن كل أمّ هي قصة، وكل خريج هو مستقبل، وكل نجاح هو حكاية حبّ عمرها أطول من الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top