|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
لم أكن أبحث عنها. ولم أستدعها من الذاكرة، ولا فتحت صندوقًا قديمًا بدافع الحنين. هي التي جاءتني… كأن الزمن نفسه طرق الباب، وقال بهدوءٍ مهيب: تفضّل، هذا شيء كتبته يوم كنت لا تعلم أنك ستحتاجه. كانت رسالة. عادية في ظاهرها، عظيمة في جوهرها. رسالة كتبتها لوالدتي الحبيبة في السابع عشر من ديسمبر عام 2003، الموافق الثاني والعشرين من شوال عام 1424. كتبتها وأنا ابنٌ لا يزال يظن أن الأمهات باقٍيات، وأن الدعاء لهن رفاهية، وأن الكلمات تُكتب لتُفرح الحاضر لا لتُسعف الغائب. ثم مضت السنوات. ورحلت الأم. وبقيت الرسالة… صامتة. حتى جاءني صديق.
المشهد الذي لا يُدرَّس
لم يُرسلها لي بدافع التذكير، ولا ليستدرّ دمعة، ولا ليقول: تذكّر. أرسلها كما هي. ثم كتب تحتها سطرًا واحدًا فقط: “أسأل الله أن يتغمد الوالدة برحمته، وأن يسكنها فسيح جناته.” ذلك السطر القصير لم يكن تعليقًا… كان مفتاحًا. في تلك اللحظة، لم أعد قارئًا لرسالتي، بل صرت شاهدًا عليها. لم أعد الابن الذي كتب،
بل الرجل الذي يُسأل: هل قلت ما يكفي؟ هل وفيت قبل أن يُغلق الباب؟ وهنا يبدأ المقال. لا من الحنين… بل من الرهبة.
حين تكتب ولا تعلم أنك تؤرّخ لنفسك
نحن نكتب رسائلنا ونحن نظن أنها تُقرأ مرة واحدة. نكتب للأمهات، للآباء، للأصدقاء، للأبناء… ولا يخطر ببالنا أن الكلمات قد تعيش أطول منا، أو تعود إلينا بعد سنوات لتقف موقف الشاهد لا الذكرى. الرسالة التي كتبتها لأمي لم تكن استثنائية في لغتها، ولا مصنوعة بعناية أدبية، ولا مهيّأة للنشر. كانت صادقة فقط.
والصدق-حين يُكتب-لا يشيخ؟ ما الذي يجعل رسالة شخصية تتحول إلى نصٍّ عابرٍ للزمن؟ ليس الأسلوب، ولا البلاغة، ولا التاريخ المكتوب أسفل الصفحة. الذي يفعل ذلك هو الزمن حين يمرّ عليها ولا يُبطلها. وحين تعود بعد الغياب لتقول: هنا كان حبٌّ صادق، وهنا كانت أمٌّ قرأت ورضيت.
الأم التي قرأت… والأم التي لم تعد
حين كتبت لأمي، كانت تقرأ الرسالة بعينيها، وتفهمها بقلبها، وتبتسم دون أن تعلّق كثيرًا. الأمهات لا يُكثرن من الشرح، لأنهن يفهمن ما بين السطور. ويسمعن في الحروف نبض القلوب لا ترتيب الجُمَل، ولا ينتظرن من أبنائهن بلاغة، ولا يطلبن صياغة، يكفيهن أن يشعرن أن الكلام خرج من القلب، فالقلب عندهن أوضح من أي عبارة. ولذلك تبقى الرسائل الموجّهة إليهن حيّة، لأن من استقبلها كانت قلوبًا صافية، لا ذاكرة عابرة. لكن حين أعاد الصديق الرسالة بعد رحيلها، أدركت شيئًا مرعبًا وجميلًا في آن: الأم قرأت الرسالة مرتين. مرة وهي حيّة، ومرة وهي غائبة… لكن القراءة الثانية كانت لي، لا لها. كانت الرسالة تقول لي: لقد قلت. لقد عبّرت. لم تُؤجّل الحب حتى صار رثاء. وهذه نعمة لا يعرف قيمتها إلا من فاته القول.
لماذا هذا النص لم يُكتب من قبل؟
لأن أغلب ما كُتب عن الأمهات كُتب بعد الرحيل. بكاء، ندم، تعداد فضائل، واعتراف متأخر. أما هذا النص،
فهو عن برٍّ كُتب في وقته، ثم عاد ليشهد لصاحبه. عن رسالة لم تُكتب لتُخلَّد، لكنها خُلِّدت لأنها صادقة. عن صديق لم يفسّر، ولم يعقّب، بل اكتفى بدعاء… كأنه يقول: الآن، هذه الرسالة أصبحت أمانة بينك وبين الله.
الصديق… الذي فهم دون شرح
ذلك الصديق لم يكن بطل القصة، لكنه كان حارسها. لم يُضف رأيًا، ولم يقل: انظر ماذا كتبت، ولم يُذكّرني بتاريخ الفقد. أعاد الرسالة، ثم سلّمها للدعاء. وهنا درس عظيم في الوفاء: أن تفهم متى تتكلم، ومتى يكون الصمت أصدق.
الرسائل التي تُكتب… والرسائل التي تُنتظر
هذا المقال ليس عن رسالة واحدة، بل عن فكرة مخيفة ومُنقذة في الوقت نفسه: كل كلمة نكتبها اليوم قد نقرأها غدًا بعيون أخرى. بعيون الفقد، أو الندم، أو الامتنان، أو الرجاء. فماذا نترك لأنفسنا؟ رسائل نأسف عليها؟ أم رسائل نشكر الله أنها كُتبت؟
ما الذي فعله الزمن هنا؟
الزمن لم يُضعف الرسالة. لم يُغرقها في البلاغة القديمة. لم يجعلها ساذجة. الزمن فعل شيئًا واحدًا فقط: كشف معناها الحقيقي. في 2003 كانت الرسالة حبًّا. في 2026 أصبحت شهادة.
حين تتحول الكتابة إلى عبادة
في تلك اللحظة، أدركت أن بعض الكتابة ليست أدبًا، بل عملًا صالحًا مؤجّل الأثر. كلمة تُكتب لوجه الله دون قصد، ثم تعود يومًا لتكون نورًا لصاحبها. أليس هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾؟
لماذا هذا المقال عابر للزمن؟
لأنه لا يحتاج اسمًا، ولا بلدًا، ولا ثقافة محددة. كل إنسان له أم. وكل إنسان كتب-أو تمنّى لو كتب-شيئًا لها.
وكل إنسان يخاف سؤالًا واحدًا: هل قلت ما يكفي قبل أن تفوت الفرصة؟ هذا المقال لا يُجيب عن السؤال،
بل يُعيد طرحه… برفق.
الخاتمة التي لا تُغلق الباب
ليست الرسائل التي نكتبها للأمهات مجرد كلمات، بل أثر باقٍ. فإن كُتبت بصدق، عادت إلينا يومًا لا لتُبكينا،
بل لتُطمئننا. وهكذا، لم تكن الرسالة التي كُتبت في 2003 مجرد ذكرى، بل كانت رحمة مؤجلة، كشفها الله في وقتها بارك الله في الأمهات جميعًا، ورحم الله الأمهات جميعًا، ورحم الله الكلمات الصادقة التي تُكتب قبل الفوات، وجعل لنا فيما كتبناه شاهد صدق لا شاهد ندم.
