|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في عالمٍ تعاقبت فيه الألقاب وتزاحمت فيه المناصب، بقيت الحقيقة واحدة وثابتة: القيادة ليست منصبًا يُرتدى، بل روحًا تُستضاء بها القلوب وتُشرق بها الدروب. إنها ليست شهادة تُعلَّق على الجدران، ولا خطابًا يُلقى في مناسبات، بل تفاعلٌ يوميٌّ بين إنسان وآخرين، يدفعك لأن تكون أملًا حيث ييأس الناس، وسكونًا حيث تضطرب القلوب، ونورًا حيث يحجب الظلام الطريق. وهنا يكمن جوهر القيادة الحقيقي… في أن تكون قلبًا يُحبّ الآخرين قبل أن تُحبّ نفسك، وأن تكون يدًا تُعطي قبل أن تطلب.
الفصل الأول..في مقاربة القلب قبل المنصب
في قريةٍ تنمو في سفح جبلٍ عالٍ، كان هناك رجلٌ يُدعى سليم. لم يكن لسليم منصب رسمي، ولا رتب عسكرية، ولا سيّارة فارهة. إنما كان له شيءٌ واحد لا يُقدر بثمن: قلبٌ يرى ما لا يراه الآخرون، ويُبصر ما يختبئ في أعماق الناس. حين حزن الناس، كان سليم يبتسم. حين ضاق صدرٌ بالهموم، كان سليم يقف بجانبه كالجبل الذي يُحتضن به. حين مُدت إليه يدُ الحاجةِ، كان لقضاء حاجة أخيه أسرع… كالغيم يُمطر خيرًا على من حوله، لا ينتظر شكرًا ولا ثناءً. هذا هو جوهر القيادة… ليس في الأوامر ولا في السيطرة، بل في العطاء اللامحدود الذي ينابيعُه في القلب لا في المنصب.
الفصل الثاني.. القيادة بين النور والعرفان
إذا كان العالم قد علّمنا شيئًا عن القيادة، فإننا لا نجد أكثر عمقًا من دروس جواهر الدين محمد علي، الذي قال: “إذا لم تستطع أن تكون شمسًا، فكن قمرًا… وإذا لم تكن قمرًا، فكن نجمةً في السماء تهدي العابرين.” هذه العبارة ليست مجرّد استعارة، إنها موازين قلبية لقياس القائد الحقيقي. فالقائد الذي لا يُضيء للناس، لا يستحق أن يقودهم. والقائد الذي يجعل من وجوده ثقلًا بدل أن يكون مصدرًا للسكينة، فقد خان روحه قبل أن يخون دوره. وأيضًا الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، حين قال: “الناس أعداء ما جهلوا.” فالقائد الحقيقي ليس من يفرض نفسه على الآخرين، بل من يبنِي جسرًا من الفهم بينه وبين الناس، حتى يصبح العدو مجرد مُنعدم، والمجهول مُعلَنًا بحكمةٍ وإحسان.
الفصل الثالث.. لمَ لا يستطيع أحد كتابة هذه القيادة؟
السؤال الذي يقف في وجدان كل كاتبٍ ومفكرٍ في عصرنا: لماذا تبدو القيادة التي تزرع الخير في كل خطوة، وتُسعد القلوب حين تحزن، وتُنير الدروب حين تعتم، أمرًا عسير الوصول؟ الإجابة بسيطة، لكنها غاية في العمق: لأن القيادة الحقيقية لا تُصاغ بالأقلام وحدها… بل تُسكَب في الأرواح قبل أن تُتلى على الصفحات. قد تكتب آلاف الكتب عن القيادة، وقد تتقن قواعد الإدارة والمنهجيات. لكنك ستظل عاجزًا عن كتابة ما لا يُحسّ بحقيقة في قلبك، وستظل غير قادرٍ على التعبير عن روحٍ لم تعشها، وستظل الكلمات عاجزةً حين يكون المعنى أعظم من أن يُحتوى في حروف. القيادة التي تُلهم الناس لا تُكتب… إنها تُعاش.
الفصل الرابع..القائد في تفاصيل الحياة اليومية
جلس رجلٌ في مجلسٍ عامٍّ وقد اشتدّ على الناس حزنٌ لا يُطاق. لم يتفوّه القائد الكبير بكلمةٍ فخمة، ولا رفع صوته مُبجّلًا، لكنّه جلس بين الناس، نظر في أعينهم، ابتسم بصدقٍ يلامس القلوب، وأمسك يد واحدٍ منهم وقال: “سأقف معكم… لنمضي معًا.” هذا هو القائد الذي لا يحتاج إلى كرسي كبير، ولا إلى خطابات تملأ القاعات، ولا إلى جوائز تُعلّق على الجدران. إنه القائد الذي يزرع الطمأنينة في قلوب الآخرين، فيجلسون معه لأنهم وجدوا فيه ما لم يجدوه في غيره: الأمان.
الفصل الخامس.. حين تتحوّل المسؤولية إلى حب
القائد الذي يزرع الخير في كل خطوة لا يرى مسؤولياته عبئًا… إنها فرصة عِزية للهداية، وللتأثير في حياة الآخرين. وصدق القائل: ” القيادة ليست حول التميّز عن الآخرين، بل حول جعل الآخرين يميزون ما في قلوبهم من قوةٍ لم يعلموا بوجودها.” وهنا يكمن السرّ العظيم: القائد لا يرفع نفسه فوق الآخرين، بل يرفع الآخرين فوق أنفسهم. ليس لأنّه أعلى منهم… بل لأنّه يرون فيه ما هم لم يروه في أنفسهم بعد.
الفصل السادس.. القيادة في زمن التحديات
حين ينهار العالم حولك، لا يحتاج الناس إلى قائدٍ يرتدي بزةً مزخرفة… يحتاجون من يظلّ واقفًا رغم الرياح القوية، ويُطمئن الآخرين بأن الفجر قريب. القيادة في زمن التحديات ليست في إصدار الأوامر، بل في إشاعة الطمأنينة، واستدعاء الأمل من أعماق اليأس، وتذكير الناس بأن الله لا يخيّب من يزرع الخير بصدق. فالقائد الحقيقي: لا يهاب الصعاب… ولا يهاب الخلافات… ولا يهاب السقوط… لأنه يدرك أن السقوط ليس نهاية الطريق، بل درسٌ في صقل الشخصية واستعادة البوصلة.
الفصل السابع – من هو القائد في النهاية؟
القائد ليس من يرفع يده في المجلس، ولا من يضع توقيعه على الوثائق، ولا من يتباهى بخطابٍ مؤثر… القائد الحقيقي هو من يوقظ في الآخرين ما يجهلونه من طاقتهم، وما يخفونه من طاقةٍ كامنة للحياة. هو من يجعل الآخرين يشعرون بأنهم قادرون، حتى وإن كان هو نفسه ضعيفًا في الظاهر. هو من يزرع في قلوب الناس رجاءً، حتى يُضيء طريقهم في أحلك الليالي. القائد الحقيقي هو الذي لا تحتاج الناس إلى التفاتةٍ نحوهم… بل يحتاجون فقط إلى نظرةٍ واحدةٍ منه، فتغير كل مساراتهم.
الخاتمة.. القيادة روح تحيا في القلوب
إن أردت أن تكتب عن القيادة… فابدأ لا بكتابة كلمات، بل بزرع محبةٍ في قلبك تجاه الآخرين. ابدأ بأن تكون نورًا لمن حولك… ولا تكتفِ بأن تكون شخصيةً محترمة… بل كن روحًا يستضاء بها. القائد الحقيقي هو من – حين يمرّ بجانبك – تجلس في داخلك نقاءٌ لا يُوصف، وأملٌ يتضاعف، وطمأنينةٌ لا تُمحى. في عالمٍ يُضجّ بالضوضاء، ليست القيادة من يُسمَع…بل من يُحسّ. ومن يزرع الخير في كل خطوة، يبقى في قلوب الناس رائحة نور لا تزول… ذاك هو القائد الذي لا يستطيع أحد أن يكتبه… لأن الكلمات لا تساوي شيئًا أمام الرُوح التي تُلهمها.