|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم تكن مغادرة د. إيمان مجرد انتقالٍ من أرضٍ إلى أرض، بل كانت انتقالًا لجزءٍ من قلبي من مكانه الذي اعتاد السكون، إلى فضاءٍ لا أملك فيه إلا الدعاء. غادرت الكنانة، غادرت مصر، الأرض التي لا تخرج منها الأرواح كما دخلتها، بل تخرج وفيها شيءٌ من طين النيل، وشيءٌ من دعاء الأمهات، وشيءٌ من سرٍّ لا يُقال. كانت مصر دائمًا أكثر من وطن؛ كانت حضنًا يُعلّم أبناءه كيف يقفون، حتى إذا وقفوا بعيدًا عنها، ظلّ فيها شيءٌ منهم قائمًا هناك، يصلّي. كنت أتابع تفاصيل مغادرتها كما يتابع الأب أنفاس طفله وهو نائم، لا لأنه يشك في رحمة الله، ولكن لأن القلب خُلق ليخاف على من يحب.
قبل أن تتحرك من البيت، كان قلبي قد تحرك قبلاً. الاتصال الأول… كان صوتها يحمل الطمأنينة التي يحاول بها المسافر أن يطمئن من يحبهم أكثر مما يطمئن نفسه. قالت كلماتٍ عادية، لكنها لم تكن عادية في قلبي. كان في صوتها ثبات المؤمن، ذلك الثبات الذي لا يصنعه اليقين بالوصول، بل اليقين بأن الله معك قبل الوصول. تحركت السيارة… وتحرك معها قلقي. كنت أتابع الطريق كما أني أجلس في المقعد الخلفي، أراقب المدى، وأحصي المسافات، وأتساءل: لماذا يبدو الطريق أطول حين يسافر من نحب؟ قال الإمام الشافعي: “تغرّب عن الأوطان في طلب العلا… وسافر ففي الأسفار خمس فوائد” لكن الشافعي لم يخبرنا عن الفائدة السادسة… الفائدة التي لا تُكتب في الكتب: أن السفر يكشف لك مقدار تعلق قلبك، وأنه يعيد ترتيب أولوياتك دون استئذان.
ثم وصلت إلى المطار… إلى تلك النقطة التي يتساوى فيها الجميع: الأغنياء والفقراء، الأقوياء والضعفاء، لأن الجميع هناك يحمل حقيبةً ظاهرة، وحقيبةً أخرى خفية… حقيبة القلق. كانت في طريقها إلى الكويت، ذلك المكان الذي لا يجمع المسافرين فقط، بل يجمع الدعوات المؤجلة، والدموع المؤجلة، والقلوب التي تتعلم فجأة أن التوكل ليس كلمة، بل ضرورة. كنت في الدوحة، لكن قلبي لم يكن هنا. كان هناك… في المسافة التي لا تُقاس بالكيلومترات، بل تُقاس بمقدار الحب. اتصلت بها وهي في طريقها إلى وزن الحقائب…لم يُفتح الخط. انتهت المحاولة الأولى… فقلت: لا بأس. المحاولة الثانية…لم يُفتح الخط. هنا بدأ القلق يتسلل كضيفٍ ثقيل.
المحاولة الثالثة… والهاتفُ ما يزالُ صامتًا. ليس صمتَ جهازٍ… بل صمتُ امتحان. عند المحاولة الأولى كان في القلب قلقٌ عابر، وفي الثانية رجاءٌ معلّق، أما الثالثة… فكانت مرآةً صافيةً أرى فيها ضعفي. لم يعد الأمر انقطاعَ اتصال… بل انقطاعَ تعلُّق. اتصلتُ بأمِّ طارق… لا علم. اتصلتُ بمحمود… لا علم. اتصلتُ بطارق… كذلك. ثلاثة أبوابٍ أُغلقت بلا جواب، وكأنَّ السماء تقول:
“إلى متى تطرق الأبواب التي تُفتح وتُغلق بإذن غيرك؟”
وفي تلك اللحظة… لم يبقَ إلا بابٌ واحد. بابٌ لا يُغلق. بابٌ لا يقول: الهاتف خارج نطاق الخدمة. بابُ الله. هناك فقط… هدأ قلبي. لا لأن الخبر وصل، بل لأن اليقين حضر. تذكّرتُ قول ابن عطاء الله السكندري: “ربما منعك فأعطاك، وربما أعطاك فمنعك.” فعلمتُ أن انقطاع الصوت… ليس انقطاع العناية. وأن غياب الرد… ليس غياب الحفظ. أحيانًا يُغلق الله كل الأبواب، لا ليُعذّب قلبك، بل ليُعلّمك أن الطرق لم يكن يومًا على الخلق… بل عليه وحده. رفعتُ يديّ… لا اتصال فيها ولا أرقام، فقط دعاءٌ صادقٌ يعرف طريقه بلا شبكة، ويمضي إلى السماء بلا شريحة. قلتُ:
يا رب… إن كان في صمته خيرٌ فاجعل قلبي مطمئنًا، وإن كان في تأخّره حكمةٌ فألهمني الصبر، وإن كان في الأمر ابتلاءٌ فاجعلني فيه ثابتًا.
في تلك اللحظة أدركتُ: أن الإيمان ليس أن تُفتح لك الخطوط، بل أن تُفتح لك السماء. ليس أن يجيبك الناس، بل أن يجيبك السكون بالسكينة. المحاولة الثالثة… لم تكن فشلًا. كانت انتقالًا. من باب الخلق… إلى باب الحق. وهناك، حين تطرق بقلبٍ منكسر، تكتشف أن كل الأبواب الأخرى لم تكن إلا تدريبًا على هذا الباب. في تلك اللحظة، لم أجد وسيلةً أصدق من الاستغفار. بدأت أستغفر… لا لأن هناك ذنبًا محددًا، بل لأن الاستغفار هو إعلان العبد أنه لا يملك شيئًا، وأنه يلجأ إلى من يملك كل شيء. قال ابن تيمية: “إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة” كنت أفهم هذه العبارة نظريًا… لكني فهمتها الآن عمليًا. جنة الطمأنينة لا تأتي من وصول الطائرة، بل من وصول القلب إلى الله.
ثم صليت… لم تكن صلاةً اعتيادية، بل كانت صلاة المستعين. في كل سجدة، كان هناك سؤال لا يُقال، لكنه يُفهم: يا رب… هي ليست وحدها، أنت معها. يا رب… أنت الذي قلت: “وهو معكم أينما كنتم” يا رب… كن معها كما كنت مع موسى في البحر، ومع إبراهيم في النار، ومع محمد في الغار. كان الوقت يمضي ببطءٍ شديد، كأن عقارب الساعة تعلّمت فجأة معنى الرحمة، فأصبحت تمشي على رؤوس أصابعها. ثم…بعد فترةٍ ليست طويلة في الزمن، لكنها طويلة في القلب… فُتح الهاتف. جاء الاتصال. كان صوتها هادئًا… كأن شيئًا لم يكن. قالت: إن شاء الله خيرًا يا بابا… أغلقتُ الهاتف حين سحبوا الجواز، لكن قلبي بقي مفتوحًا بدعائك… أصلُ بالسلامة، ونلتقي على طمأنينةٍ لا يقطعها انقطاع.
لم تكن الكلمات طويلة، لكنها كانت كافية لإعادة الروح إلى مكانها. في تلك اللحظة، لم أشعر بالارتياح فقط… بل شعرت بالخجل. الخجل من قلقي…والخجل من أني نسيت، ولو للحظة، أن الله أرحم بها مني. قال عمر بن الخطاب: “لو أن بغلةً تعثرت في العراق، لسألني الله عنها” هذا هو الحب الحقيقي… أن تشعر بالمسؤولية حتى عن احتمال الألم، لا عن الألم نفسه. لكن هناك فرقًا بين مسؤولية الإنسان، ورعاية الله. الإنسان يخاف لأنه لا يملك، أما الله… فيرعى لأنه يملك كل شيء. أغلقت الهاتف… لكن قلبي لم يعد كما كان.
لقد علّمتني تلك اللحظات القليلة درسًا لا يُدرّس في الكتب، ولا يُقال في الخطب. علّمتني أن التوكل ليس ألا تخاف، بل أن تعرف أين تذهب حين تخاف. علّمتني أن الدعاء ليس مجرد كلمات، بل هو عودة الروح إلى أصلها. علّمتني أن من نحبهم، لا نحميهم بقوتنا، بل نحميهم بدعائنا. وفي تلك الليلة، فهمت سرًّا لم أفهمه من قبل: أن الله أحيانًا يُغلق الهاتف… لكي يفتح القلب. وأنه أحيانًا يمنع عنك الطمأنينة… لكي يعطيك التوكل. وأنه أحيانًا يجعلك تشعر بالعجز…لكي يذكّرك أنك عبد.
كانت في طريقها… ربما فوق السحاب الآن، أو ربما تنتظر النداء الأخير. لكنني كنت مطمئنًا أخيرًا. ليس لأنها أصبحت أقرب…بل لأنني أصبحت أقرب. أقرب إلى الله. وأدركت أن المسافات الحقيقية ليست بين المدن. ليست بين القاهرة والكويت، بل بين قلبٍ يثق… وقلبٍ يقلق. وفي تلك الليلة، اخترت أن أثق. ليس لأن القلق انتهى…بل لأن الإيمان بدأ.
يا د. إيمان… حين غادرتِ، لم تغادري وحدك. لقد أخذتِ معك جزءًا من قلبي… وتركتِ لي درسًا لن أنساه ما حييت: أن الله، حين نُسلّم له من نحب، لا يُعيدهم إلينا فقط سالمين… بل يُعيدنا نحن أيضًا سالمين. سالمين من وهم السيطرة، وسالمين من ثقل القلق، وسالمين من نسيان الحقيقة الكبرى: أننا لا نملك أحدًا… لكننا نملك الدعاء. وأن الله…خيرُ حافظ.