رجب والقيادة المؤسسية: شهر التهيئة والانكسار

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

رجب، هذا الشهر الذي لا يطرق الأبواب، بل يهمس في القلوب، لم يكن يومًا مجرد أيام تتسابق فيها التقويمات على العدّ والفراغ. إنه فترة صمت وتهيئة، حيث تُغسل النيّات قبل الأعمال، ويُعاد ترتيب البوصلة قبل الخطى، ليكون الإنسان في أرقى حالاته عند استقبال رمضان. ولعلنا نجد في هذا المعنى، صدىً عميقًا لكل قائد يسعى لأن يكون حكمه وإدارته صافية، دقيقة، ومرتبطة بالهدف الأسمى: خدمة المؤسسة بروحٍ منسجمة مع القيم.

القيادة المؤسسية ليست مجرد إدارة للموارد أو إصدار الأوامر، بل هي فن التعامل مع القلوب، فهم النفوس، واستشراف المستقبل بحكمة ورؤية صافية. والقائد الذي يستلهم من رجب، يستمد من صمت الشهر، وانكساره أمام الحق، درسًا في الاستعداد قبل الفعل، وتهيئة النفوس قبل توجيهها. ففي رجب، يتعلم المرء أن السرعة لا قيمة لها إذا لم تُسبَق بالنية الصافية، وأن الانطلاق بلا ترتيب للداخل هو انطلاق بلا بوصلة.

في كل مؤسسة، هناك لحظات تحتاج فيها القيادة إلى تأمل صامت قبل اتخاذ القرار. هذا التأمل يشبه تمامًا الصلوات الخفية في رجب، التي لا يراها إلا الله والقائد نفسه. حين يستقر القائد في قلبه النية، ويمسح على الأخطاء السابقة بعين الحكمة، يكون قد وضع الأسس الحقيقية للنجاح المؤسسي. فالخطة بدون قلب صادق، مثل السفينة بلا دفة، قد تبحر لكنها لا تصل.

تخيل معي مؤسسة كبيرة، أركانها منتشرة، وفريقها متنوع، وأهدافها عالية. القائد هنا ليس من يملأ الاجتماعات بالأوامر أو يوزع المهام بعشوائية، بل من يهيئ نفسه أولًا، ويرتب فريقه بروح رجب. فكما يُغسل القلب في رجب من الغفلات والكسل، يُنقّي القائد فريقه من التردد والارتباك، ويعيد توجيه كل جهد نحو الهدف المنشود. إنه فن التهيئة قبل التنفيذ، ودرس الانكسار قبل السلطة.

القيادة المستوحاة من رجب تعلمنا أيضًا معنى الصبر المؤسسي. فالشهر الحرام لا يسارع أحدًا، بل يفرض على القلوب أن تنتبه وتستعد، وهكذا القيادة، خاصة في المؤسسات التي تواجه تحديات كبيرة. لا يمكن لقرار متسرع أن يصنع نجاحًا، كما لا يمكن لنية غير صافية أن تنتج عملًا مستدامًا. القائد الذي يفهم هذه الحقيقة، يبدأ كل مشروع بروح هادئة، مع قلب منفتح، وعقل يقظ، مستعد لكل مفاجآت الطريق.

وفي رجب، نجد درسًا آخر للقادة: الانكسار أمام الحقيقة قبل القوة أمام الناس. فالقائد الحق يعلم أن القوة بلا حكمة، والسلطة بلا تواضع، لا تصنع إلا فشلًا متسلسلًا. والانكسار هنا ليس ضعفًا، بل هو شجاعة الروح، ووعي المسؤولية. فهو يشبه الدعاء الصامت في رجب: “اللهم أصلح نيّتي، وأعد قلبي قبل خطواتي”، الدعاء الذي يعكس إدراك الإنسان لحدوده أمام عظمة الخالق. وهكذا القائد، حين ينكسر أمام الحق ويعترف بحدوده، يستطيع أن ينكسر أمام القلوب أيضًا بحكمة، ويكسب احترام الفريق، ويصنع ثقافة مؤسسية قائمة على الثقة والصدق.

الجانب العملي هنا يلتقي بالروحاني في نقطة واحدة: الاستباق والتخطيط الذكي. كما يسبق رجب رمضان بالتهيئة الداخلية، يسبق القائد الكبير النجاح المؤسسي بالتخطيط المسبق، وترتيب الأولويات، وضبط كل الموارد البشرية، والمادية وفق رؤية واضحة. والمؤسسة التي تقودها إدارة مستوحاة من روح رجب، تعرف متى تحرك، ومتى تنتظر، ومتى تصبر، ومتى تُسرع، ومتى تُسكت لتسمع.

ولا يمكن الحديث عن رجب والقيادة دون ذكر النية. النية هنا ليست مجرد هدف وظيفي أو مؤسسي، بل هي جوهر القيادة. فمن كان قلبه متجهًا للخير، وعقله مرتبًا بالمبادئ، كانت خطواته أبلغ أثرًا من كل خطط التقويم والتقارير. والمؤسسات التي تبدأ مشاريعها بنوايا صافية، تجد في رجب، هذا الشهر الهادئ، دعوة لتجديد العهد، وتأكيد المسار، وضبط البوصلة قبل كل حركة.

وفي هذا السياق، يصبح الدعاء جزءًا من فن القيادة: اللهم في رجب… نأتيك منكسري القلوب لا واثقين إلا برحمتك، فأصلح نياتنا قبل أعمالنا، وقلوبنا قبل خطواتنا، ولا تُبلِّغنا رمضان إلا وقد هيأتنا له كما تحب وترضى، وامنح قادة المؤسسات الحكمة، والصبر، والرؤية، والقوة على القيادة بالنية الصافية والصدق في العمل.

فالقيادة المؤسسية، بهذا المعنى، ليست مجرد وظيفة، بل رحلة روحانية أيضًا، رحلة تبدأ بالنية، وتستمر بالصبر، وتنتهي بالوفاء بالمسؤولية، تمامًا كما يبدأ رجب بصمت القلب، ويستمر بتصفية النوايا، وينتهي بالاستعداد لاستقبال رمضان. يمكن للقائد أن يأخذ من رجب ثلاث دروس أساسية:

        1. التهيئة الداخلية: ترتيب الأفكار والقلوب قبل أي قرار.

        2. الصبر والانكسار: معرفة الوقت المناسب للتصرف، والاعتراف بالحدود قبل توجيه الآخرين.

        3. النية الصافية قبل التنفيذ: التأكد من أن كل خطوة تخدم الهدف الحقيقي، لا المظاهر أو السلطة.

وهكذا، تصبح القيادة المؤسسية التي تتخذ من رجب مرشدًا لها، قيادة عميقة، متزنة، ورشيدة، تتجاوز مجرد الإدارة الروتينية، لتصبح إدارة بالقيم، بالوعي، وبالنية. القيادة هنا ليست فقط في النتائج، بل في الرحلة نفسها، في كل خطوة، في كل تفكير، وفي كل دعاء صامت للقائد وقلبه وقلب فريقه. وفي النهاية، يظل رجب، كما قال الحكماء، شهر الانكسار قبل القوة، شهر التهيئة قبل الانطلاق، شهر القلب قبل العمل، ويظل القائد الحق من يستلهم هذه الروح ليصنع مؤسسة تنبض بالحياة، بالحكمة، وبالقيم الصافية، لتكون المؤسسة ليس مكانًا للعمل فقط، بل مدرسة للحياة، وميدانًا للرحمة، ومساحة للوعي الإنساني.

وفي هذا السياق، أيها القائد، تذكّر أن كل تقرير، وكل اجتماع، وكل قرار، يجب أن يبدأ بنفسية مرتاحة ونية صافية، تمامًا كما يبدأ رجب بصمت القلب، ويهمس للقلوب: ننتبه. إن استلهمنا من رجب هذا المعنى، فإن كل مؤسسة يمكن أن تتحول من مجرد مكان للعمل إلى بيت للوعي والقيم والنجاح الحقيقي، حيث لا يُقاس النجاح بالمخرجات المادية فقط، بل بالصدق في النوايا، وبسلامة القلوب، وبالثقة التي تُبنى بين القائد وفريقه. وهكذا… رجب والقيادة المؤسسية ليسا موضوعًا عاديًا، بل درسًا في الحياة والإدارة معًا، رحلة تبدأ بانكسار، وتستمر بالتأمل، وتنتهي بقيادة قائمة على النية، الصدق، والحكمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top