|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
تمهيد: في الثلث الأخير من شعبان
في الثلث الأخير من شعبان، حين يخفُّ ضجيج الأيام ويعلو همسُ القلوب، كانت أمّي – رحمها الله – تبدأ رحلتها السنوية نحو رمضان. لم تكن تنتظر الهلال ليخبرها أن الشهر قادم، كان قلبها هو الهلال، وكان استعدادها هو الإعلان. منذ نعومة أظافرنا، ونحن نرى في وجهها معنى التهيؤ لا للموسم، بل للمعنى، لا للطعام، بل للنية. كانت تقول بنبرةٍ لا تحتاج تفسيرًا: “رمضان ضيف عزيز، ومن أكرم الضيف أكرمه الله.” ولم نكن ندرك آنذاك أن الضيف الحقيقي كان الرحمة التي تسكن بيتنا، وأن الكرم لم يكن في المائدة بقدر ما كان في الروح.
الفول… حكاية تبدأ من الغربال
كان المشهد يبدأ مبكرًا. تشتري الفول بعنايةٍ لا تخطئها عين، كأنها تختار لؤلؤًا لا حبوبًا. تجلس على الأرض، تفرد قطعة قماش بيضاء، وتضع “الغربال” بين يديها، ثم تبدأ في تنقية الفول حبّة حبّة. لم يكن ذلك عملًا منزليًا عابرًا، كان طقسًا من طقوس الحب. كانت تنحني على الحبوب كما تنحني أمّ على جبين طفلها، تزيل الشوائب بصبرٍ عجيب، وتبتسم كلما استقرت الحبة النظيفة في الكفّ. كنت أراقب أصابعها، وأتساءل: كيف يمكن ليدٍ واحدة أن تجمع بين الرقة والحزم؟ كيف يمكن لقلبٍ واحد أن يرى في حبة فول رسالةً للغد؟ كانت تقول: “النقاء في الطعام من النقاء في النية.” وكأنها تعلّمنا أن الغربال ليس أداة مطبخ، بل ميزان ضمير.
الليلة التي يسبق فيها العطاءُ الهلال
وفي اليوم الأخير من شعبان، قبل أن يعلو الأذان الأول للسحور، كانت الحركة في بيتنا تشتدّ. كثيرٌ من الجيران لم يكونوا مستعدين لتلك الليلة؛ انشغلوا بأعباء الحياة، أو باغتتهم الأيام. أما أمّي، فكانت تستعدّ لهم كما تستعدّ لنا. تستعين بصديقتين وفيّتين، فتستأجر قدرين كبيرين – “فوالة” – من أحد المطاعم القريبة. كان القدران يبدوان كقلبين من نحاس، يتسعان لما هو أكبر من الفول: يتسعان للنية، للحنان، للجار قبل الدار. تحملان الفول إلى “وابور الطوب” للتسوية، ذلك المكان الذي كان أشبه بمحرابٍ صغير للنار الهادئة. كنت أرى البخار يتصاعد، وأتخيل أن الدعاء يصعد معه. كانت أمّي تهمس بشيءٍ لا أسمعه، لكنني كنت أشعر به في صدري.
بعد العشاء… حين تتحول الشوارع إلى بيتٍ واحد
بعد صلاة العشاء، يعود القدران ممتلئين برائحةٍ لا تشبه إلا الأمان. تدخل أمّي المطبخ، تفتح الكراتين المخصصة لتلك الليلة، ترتّب الأطباق بعناية، وتبدأ التوزيع. كانت عيناها تلمعان بفرحٍ صادق، كأنها تُزفّ رمضان إلى كل بيت. ننطلق نحن – أنا وإخوتي – نحمل الأطباق بيتًا بيتًا. نطرق الأبواب، ونرى وجوهًا تبتسم قبل أن تنطق. “جزاكم الله خيرًا.” “ربنا يبارك في الوالدة.” كلماتٌ بسيطة، لكنها كانت تعود إلينا أثقل من الذهب. كانت الشوارع المجاورة كأنها بيتٌ واحد، الأطفال يركضون، الرجال يتبادلون السلام، النساء يدعون من خلف الأبواب، والسماء فوقنا تشهد أن الخير إذا خرج من بيتٍ واحد، عمّ الحيّ كلّه.
أخلاقٌ تُطبخ على نارٍ هادئة
لم تكن أمّي تطبخ الفول فقط، كانت تطبخ الأخلاق. تعلمنا منها أن الجار ليس بابًا مجاورًا، بل قلبًا مجاورًا. وأن الاستعداد لرمضان لا يبدأ بشراء الزينة، بل بشراء الرضا. كانت تقول: “إذا شبع الجار، شبع القلب.” لم تكن تنتظر شكرًا، ولم تكن تحصي عدد الأطباق. كانت تحصي شيئًا آخر: عدد الابتسامات التي تعود بها أقدامنا الصغيرة. وفي كل عام، كانت تكرر المشهد ذاته، كأنها تخشى أن ينقص من البركة إن تغيّر. لم يتغير شيء… إلا نحن. كبرنا، وتفرّقنا، وبقيت هي ثابتةً كالنخلة، تمدّ ظلّها على الجميع.
حين غاب الصوت وبقي الأثر
ثم جاء العام الذي لم تجلس فيه أمّي لتنقية الفول. غاب صوت الغربال، وغابت رائحة البخار، وغابت خطواتنا المتعجلة نحو الأبواب. لكن الغريب أن الحيّ لم ينسَ. في تلك الليلة، طرق أحد الجيران بابنا، يحمل طبق فول، ويقول: “هذه عادة أمّكم… لن تنقطع.” بكيت يومها كما لم أبكِ من قبل. أدركت أن الأم لا تموت حين تُوارى الثرى، تموت فقط إن انقطع أثرها. وأثرها كان يمشي في الشوارع، يطرق الأبواب، ويقول: “رمضان كريم.”
دروسٌ لا تُكتب بالحبر
علّمتنا أمّي أن الاستعداد لرمضان ليس حدثًا موسميًا، بل تربية عمر. علّمتنا أن الكرم ليس في وفرة المال، بل في وفرة القلب. علّمتنا أن الحبّ إن لم يُترجم إلى عمل، بقي شعورًا ناقصًا. وحين أستعيد المشهد الآن، أرى أن “الفوالة” لم تكن قدرين من نحاس، كانت قدرين من نور. وأن “وابور الطوب” لم يكن موقدًا، كان شاهدًا على إخلاص امرأةٍ عرفت كيف تجعل من أبسط الأشياء طريقًا إلى الله.
وصيةٌ في قلب الحكاية
يا أمّي… في كل ثلثٍ أخير من شعبان، أسمع وقع خطاك في المطبخ، وأرى يدك تمسح على رؤوسنا ونحن نحمل الأطباق. أحاول أن أكرّر ما كنتِ تفعلينه، أن أشتري الفول، أن أنقّيه، أن أوزّعه… لكنني أكتشف أن السرّ لم يكن في الفول، بل فيكِ. كان السرّ في نيتك، في صفائك، في تلك الرغبة العجيبة أن ينام الجار مطمئنًا. أدعو الله أن يجعل كل حبّة فولٍ نقّيتها نورًا في قبرك، وكل بابٍ طرقناه شفيعًا لك، وكل دعوةٍ خرجت من قلب جارٍ ميزانًا في حسناتك.
خاتمة: رمضان الذي يبدأ من القلب
هذا كتابٌ صغير عن أمّي، لكنه في قلبي أكبر من الكتب. كتابٌ عن امرأةٍ جعلت من ليلةٍ واحدة جسرًا بين البيوت، ومن طبق فولٍ رسالة حبّ، ومن شعبان بوابةً لرمضان. إن بكى من يقرأ هذه السطور، فليس لأن الحكاية حزينة، بل لأن النقاء حين يُستعاد، يوقظ فينا شيئًا فقدناه. رحمكِ الله يا أمّي… وجعل استعداداتك لرمضان استعدادًا أبديًا للقاءٍ لا ينقطع، وجمعنا بكِ على مائدةٍ لا تنفد، في دارٍ لا يغيب عنها الهلال، ولا ينطفئ فيها نور.
وفي الختام… لا أملك إلا أن أنحني إجلالًا لأمهات ذلك الجيل، أولئك اللواتي كنّ يُصلحن العالم من مطابخ بسيطة، ويُعدن ترتيب القلوب كما يُرتبن الأطباق، ويزرعن فينا من الأخلاق ما يكفينا عمرًا كاملًا من التيه. كنّ إذا أحببن أخلصن، وإذا أعطين أغنين، وإذا صبرن تجمّل الصبر في أعيننا حتى صار خُلُقًا لا يُفارقنا. لم يكن لهنّ منصّات ولا أضواء، لكن لهنّ في السماء سجلًّا من نور، وفي الأرض أثرًا لا يمحوه الزمن.
اللهم يا واسع الرحمة، يا من رفعت قدر الأم وجعلت الجنة تحت قدميها، ارحم أمهات ذلك الجيل وغيرهن رحمةً تليق بعطائهنّ، واغمر قبور من رحلن منهنّ بنورٍ وسلام، واجعل ما قدّمنه في بيوتهنّ صدقةً جاريةً لا تنقطع. اللهم اجزهنّ عن سهر الليالي أمنًا، وعن دموع الخفاء فرحًا، وعن تعب السنين راحةً أبدية، واجعل لقاءنا بهنّ في جناتك لقاءً لا فراق بعده. وأبقِ في الأرض من بقي منهنّ تاجًا على الرؤوس، ونبعًا للخير، وبركةً تمتدّ في الأبناء والأحفاد كما يمتدّ الضوء في الفجر. إنهنّ يا ربّ لم يطلبن شهرةً ولا جزاءً، فكن أنت جزاءهنّ، وكن لهنّ كما كنّ لنا: رحمةً، ودفئًا، وأمانًا لا ينتهي.