حين تتنزّل الفيوضات قبل الأذان: دعوة أبي جَنّة التي أعادت تعريف الإفطار

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

مدخل: دعوة ليست كبقية الدعوات

رمضان لا يأتي كلَّ عامٍ كما جاء في العام الذي قبله، إنه يختبر القلوب في كل مرة، ويكشف مساحاتٍ خفيّة في النفس، ويعيد ترتيب الأولويات دون ضجيج. في أول يومٍ من هذا الشهر المبارك، طرق قلبي قبل هاتفي صوتُ دعوةٍ صادقة من الغالي أبي جَنّة. لم تكن مجرد مائدة إفطار، بل كانت نداءً إلى المعنى، وامتحانًا للود، واختبارًا لقدرة الإنسان على أن يضع الأعذار جانبًا ويقدّم المحبة.

اعتذرتُ برفق. حاولتُ أن أختبئ خلف ظروف رمضان، ضيق الوقت، ازدحام اليوم، وتراكم الالتزامات، ورغبةٍ في السكون بعد مشوار طويل. لكنه أصرّ… إصرار العارف أن أول إفطار في رمضان لا يُترك للصدفة، وأن الاجتماع في بدايته يكتب مسار الشهر كله. تذكّرتُ قول العارف البصري الشيخ عبد السلام الموصلي، إذ كان يقول: “إذا دعاك أخٌ في رمضان، فلا تنظر إلى تعبك، بل انظر إلى نصيبك من بركة الجمع.” فلمّا اشتدّ الإصرار، لان الاعتذار. وقلناها بامتنان: قبلنا الدعوة… مشكورًا.

قبيل المغرب… حين تتحرك الخطى ويهدأ القلب

حضر أبو جَنّة قبيل المغرب إلى مقرّ السكن، بابتسامةٍ لا تعرف التكلّف. كانت في وجهه بشاشةٌ كأنها تقول: “اليوم ليس إفطارًا… اليوم بداية عهد.” توجّهنا إلى بني عمران في الدوحة لصلاة المغرب في المسجد المجاور. كانت السماء تميل إلى لونٍ بين الذهبي والوردي، والمدينة تتهيأ لتلك اللحظة التي يتساوى فيها الغني والفقير على رشفة ماءٍ ولقمة تمر. دخلنا المسجد، وكان اللقاء الأجمل حين رأيتُ الابن الغالي عبيدة في الصف. في صلاة المغرب، حين كبّر الإمام، شعرتُ أن الصيام ليس امتناعًا عن الطعام، بل عودة إلى الأصل… إلى الفطرة الأولى. قال الفقيه الشامي الشيخ حامد الكيلاني: “الصائم عند المغرب لا يفطر على التمر، بل يفطر على يقينٍ بأن الله رآه صابرًا.” انتهت الصلاة، لكن سكينة الصف لم تنتهِ في الداخل. خرجنا بخطى أهدأ، وقلوبٍ أكثر شفافية.

عتبة البيت… حين يستقبلك الحب قبل الطعام

عند الوصول، كان في استقبالنا نادي، وابن الخالة يوسف، ويوسف المعرس بسماته الرقيقة التي تشبه بشائر الربيع. الوجوه مشرقة، والكلمات دافئة، وكأن البيت قد أعدّ نفسه قبل أن يعدّ مائدته. أكواب التمر بقمر الدين كانت أول ما قُدّم، ثم التمر مع الحليب، واللبن الصافي في مشهدٍ يعيدنا إلى بساطة البدايات. أحببتُ تلك اللحظة التي تُمدّ فيها اليد إلى الرشفة الأولى… فهي ليست حركة جسد، بل إعلان انتهاء اختبارٍ قصير وبداية فيضٍ طويل.

مائدة… كأنها بستانٌ مصريٌّ في قلب الدوحة

المائدة كانت عامرةً بالنكهة المصرية الرائعة، وكأن عبق النيل قد زار الدوحة مساء ذلك اليوم، يحمل معه دفءَ القرى، وضحكات الجدّات، وهمسات البيوت الطيبة. شوربة الذرة بجمالها ودفئها، كأنها حضنٌ سائل يهيّئ المعدة برفق، لا تستعجل الدخول، بل تستأذن الحواس أولًا. وأطباق السلطة… بستان صغير من الألوان، كل طبقٍ زهرةٌ مستقلة، لكنه يكتمل بجواره، كما يكتمل الجمع بالألفة.

ثم الطاجن… طاجن الدجاج بصلصته المتقنة، تتحدث نكهته عن يدٍ تعرف متى تضع البهار ومتى ترفعه، يدٌ تُجيد فن التوقيت كما يُجيده العازف الماهر. وأطباق اللحم بأنواعه المختلفة، بإتقانٍ ومهارة عالية، لا إسراف فيها ولا ادّعاء، بل توازنٌ بين الكرم والذوق، بين الوفرة والوقار.

وإذا كانت المائدة قد بدأت بالدفء، فإنها اكتملت بالخُضرة… جاءت الملوخية الخضراء، بلونها الذي يشبه حقول الدلتا في موسم العطاء، ناعمةً كأنها نُسجت من خيوط الرحمة، كأنها رسالة حبٍّ خضراء تقول: “ما زال في البساطة سرٌّ لا يشيخ.” كانت تُسكب في الأطباق بهدوء، لكنها تملأ المكان حضورًا، وتمنح الخبز المصري البلدي فرصة أن يقوم بدوره النبيل، ذلك الخبز الدافئ، الذي لا يكتفي بأن يُؤكل، بل يُشارك، يُغمَس، يُقرّب بين الأيدي، ويصنع من لقمةٍ صغيرة حكاية ألفة.

أما المحشي… فكان قصيدة المائدة، بل ديوانها الكامل. ورق العنب، الباذنجان، الكوسة، الكرنب، الفلفل، والمنبار… وما أدراك ما المنبار! لم يكن مجرد طبقٍ جانبي، بل كان بطلًا خفيًّا يتقدم بخجل الواثق. المنبار هناك لم يكن محشوًا بالأرز فقط، بل محشوًّا بصبرٍ طويل، وتنظيفٍ دقيق، وحرصٍ لا يراه الضيف لكنه يتذوقه. كل قطعةٍ منه كانت أشبه برسالة مطوية بإحكام، لا تنكشف أسرارها إلا عند أول قضمة. فيه جرأة النكهة، وصدق المطبخ، وذاكرة البيوت القديمة التي كانت ترى في إتقانه معيارًا للمهارة ووسامًا للخبرة. وكأن المنبار يقول في صمت: “لا يعرفني إلا من تعب لأجلي.”

كل صنفٍ يحمل سرًّا صغيرًا في داخله، وكأن كل حبة أرز قد كُتبت باسم ضيف. إبداعٌ يُسجَّل في موسوعات الموائد، بصناعة ومهارة الغالية أم جنة، التي لم تكن تطهو طعامًا بقدر ما كانت تنسج مشاعر. تذكّرتُ هنا قول العالم المغربي، سيدي الطاهر السجلماسي: “الطعام في رمضان ليس لإشباع الجسد، بل لإظهار نعمة الله في صورة اجتماع.”

وهنا… لم يكن الاجتماع حول الطعام فحسب، بل حول معنى النعمة ذاته. كانت المائدة تقول بصوتٍ خفي: إن البركة لا تُقاس بعدد الأطباق، بل بعدد القلوب التي اجتمعت عليها بصدق. وكانت الخضرة، والخبز، والمنبار، والملوخية، وكل ما حضر… شهودًا على أن مصر حين تُحِب، تُطعِم، وحين تُطعِم، تُكرِم، وحين تُكرِم… تجعل من المائدة بستانًا، ومن المساء ذكرى لا تُنسى.

لمة الأحباب… حين يتحوّل الطعام إلى معنى

لم تكن المائدة وحدها العامرة… بل اللمّة. الضحكات التي لا تُصطنع، الدعوات التي تُقال من غير تكلّف، النظرات التي تحمل في طيّاتها سنواتٍ من الودّ الصامت. في تلك اللحظات، أدركتُ أن أول إفطار في رمضان يكتب علاقة الإنسان بالشهر كله. إن بدأه بالجمع، أكمله بالجمع. وإن بدأه بالحب، صار الحب عادته في سائر أيامه. قال أحد الحكماء من أهل صعيد مصر، الشيخ محمود الدرديري: “رمضان لا يُقاس بعدد الختمات، بل بعدد القلوب التي رمّمتها فيه.”

وهنا… لم تكن المائدة مجرد أطباقٍ مصطفّة، بل كانت ذاكرةً مفتوحة. اجترّت ذكريات البلد كما يجترّ القلب أسماء أحبّته. فجأةً لم تعد الدوحة دوحةً فحسب، بل صارت قريةً بعيدة على ضفاف النيل، حيث الطبلية الخشبية تتوسّط الصالة، وحولها الوالدان بوقارهما وحنانهما، والخلّان بضحكاتهم العالية، والأشقاء بتنافسهم البريء على قطعةٍ أطيب أو دعابةٍ أسرع. رأيتُ أبي وهو يمدّ يده بالدعاء قبل أن يمدّها إلى الطعام، وصوت أمي يسبق الأذان بلحظة: “يلا يا ولاد، الفطار اتحط.” رأيتُ الطبلية الصغيرة تكبر حتى تتسع للعائلة كلها، بل تتسع للجيران أيضًا، فالجار هناك لم يكن زائرًا بل امتدادًا للبيت. كانت اللمة في البلد لا تحتاج دعوةً مكتوبة، ولا موعدًا مُنسّقًا، يكفي أن يُقال: “رمضان كريم”… فتُفتح الأبواب والقلوب معًا.

المائدة هنا – مائدة أبي جنة وأم جنة- أعادت ترتيب الذاكرة كما تُرتَّب الصحون. الملوخية لم تكن خضراء فحسب، بل كانت حقلاً من طفولةٍ لم تذبل. الخبز المصري لم يكن رغيفًا فقط، بل كان كفًّا دافئة تتناقل اللقمة بمحبة. المنبار لم يكن طبقًا يُمدح، بل كان حكاية أمٍّ تسهر لتتقنه، وأبٍ يبتسم حين يثني عليه الضيوف. وفي خضمّ الحديث، شعرتُ أن اللمة ليست عددًا، بل روح. قد يجلس عشرةٌ حول طاولة ولا تجتمع قلوبهم، وقد يجلس اثنان فيغمرهما من الدفء ما يغني عن الجمع. لكن في تلك الليلة، اجتمع العدد والروح معًا. كان المكان يتّسع لكل الذكريات، حتى كدتُ أسمع خشخشة الملاعق القديمة، ووقع أقدام الصغار يركضون قبل المغرب بدقائق، ونداء الأمّهات من الشرفات: “استنّوا الأذان!”

تبيّنتُ حينها أن أول إفطار ليس بداية يوم، بل بداية نَفَس. هو العهد الأول بينك وبين الشهر: كيف ستدخل عليه؟ أبقلبٍ مزدحمٍ بالضغائن؟ أم بقلبٍ مُهذَّبٍ بالحنين؟ فإن دخلتَ عليه بالجمع، صار الجمع رفيقك. وإن دخلتَ عليه بالصفح، صار الصفح خُلُقك. المائدة تلك الليلة لم تُشبع الجوع فقط… بل أشبعت الغربة. قرّبت المسافات بين بلدين، وربطت بين حاضرٍ في الدوحة وماضٍ على الطبلية. وأدركتُ أن رمضان حين يُحسن إلينا بمثل هذه اللمّات، فإنه لا يمنحنا طعامًا فحسب، بل يمنحنا فرصةً لنرمّم ما تصدّع في داخلنا، ونستعيد النسخة الأصدق من أنفسنا. وهكذا، بينما كانت الأطباق تُرفَع واحدةً تلو الأخرى، بقيت اللمّة جالسة.
فالطعام يُنهيه الشبع، أما المحبة فلا ينهيها شيء.

بعد الطعام… مائدة لا تنتهي

ظننتُ أن الكرم قد بلغ منتهاه، فإذا بمائدة أخرى للمشروبات: القهوة العربية، التمر، الشاي، القلاش المسكّر، وأطباق المهلبية التي تُعيدك إلى طفولةٍ بعيدة، حيث أعلنت الفاضلة أم جنة المائدة وملحقاتها بصناعة محلية. ولم يكتفِ بذلك… مائدة متحركة تحملها معك، نموذج مختصر من المائدة، كأن الكرم لا يريد أن يبقى في حدود البيت، بل أن يصحبك إلى حيث تمضي. هنا شعرتُ أن الكرم في رمضان ليس وفرة طعام، بل وفرة قلب. وأن بعض البيوت لا تُغلق أبوابها في رمضان، لأنها أصلاً مفتوحة في قلوب أصحابها طوال العام.

حوار الاعتذار الذي لم يجد طريقه

عدتُ بذاكرتي إلى لحظة الاعتذار الأولى. قلت له يومها: “أخشى أن أتعبكم.” فأجاب مبتسمًا: “البيت يتعب إذا خلا، لا إذا امتلأ.” قلت: “لعلنا نؤجلها.” فقال: “رمضان لا يؤجّل الخير.” ذلك الإصرار لم يكن ضغطًا، بل كان محبةً تعرف أن بعض الخير لا يُترك لاجتهادات المزاج.

فيضٌ داخلي… ما الذي تعلّمته؟

تعلّمتُ أن أول يومٍ في رمضان ليس يومًا عاديًا. هو إعلان نية. هو رسم بوصلة. هو اختيار: هل نبدأ الشهر بالعزلة أم بالوصال؟ تعلّمتُ أن المساجد التي نصلي فيها قبيل المغرب تكتب فينا سكينةً تكملها الموائد بعد الأذان. وأن لقاء الأبناء في الصف، ولقاء الأحباب على المائدة، وجهان لمعنى واحد: أن الدين علاقة… لا طقسًا منفصلًا عن الحياة. قال العارف الدمشقي، الشيخ نجيب الحلبي: “إذا اجتمع لك في رمضان مسجدٌ وبيتٌ وأهلُ وودّ، فقد اكتملت لك أركان السعادة المؤقتة.”

الخاتمة: ما بعد الدعوة

حين عدنا تلك الليلة، لم أعد الشخص نفسه الذي اعتذر في البداية. كنتُ ممتلئًا… لا بالطعام، بل بالمعنى. أدركتُ أن بعض الدعوات ليست مجاملة اجتماعية، بل جسورًا تُبنى بين القلوب في توقيتٍ اختاره الله بعناية. أبو جَنّة لم يدعُنا إلى مائدة فقط… بل دعانا إلى أن نبدأ رمضان ونحن متشابكو الأيدي، متآلفو الأرواح، متخففون من أعذارنا الثقيلة. وإن سألني أحدهم: ما أجمل ما في تلك الليلة؟ لن أقول شوربة الذرة، ولا المحشي، ولا القلاش المسكّر… بل سأقول: ذلك الإصرار الذي كسر اعتذاري، وذلك الأذان الذي جمعنا، وتلك القلوب التي فهمت أن رمضان لا يُعاش فردًا. اللهم كما جمعتنا على مائدةٍ عامرة، فاجمعنا على مائدةٍ عندك لا ينفد خيرها، واجعل كل دعوةٍ صادقة بابًا من أبواب رضوانك، واكتب لأبي جَنّة وأهله أجر كل لقمةٍ قُدمت بمحبة، واجعل أول أيام رمضان بداية نورٍ لا ينطفئ.

همسة وفاء… لأمِّ جَنّة حيث يُصنع المعنى بصمت

ويبقى في المشهد نورٌ لا يُرى في الصورة كاملة، لكنه يملأها حياةً… ذلك الجهد الصامت الذي بذلته الغالية أمّ جَنّة، وهي تنتقل بين المطبخ والمائدة كما تنتقل الأم بين دعائها وأبنائها؛ لا تُعلن تعبًا، ولا تنتظر ثناءً، وكأنها تؤمن أن البركة تُخبز مع الخبز، وتُسكب مع الحساء، وتُلفّ مع ورق العنب كما تُلفّ المحبة في القلب. ليست المائدة أطباقًا متراصّة فحسب، بل ساعاتٌ من الإعداد، واهتمامٌ بالتفاصيل، وحرصٌ أن يكون لكل ضيفٍ نصيبٌ من العناية. جهد مضنى يتحرّك بخفة من يعرف أن رمضان لا يُخدم بالطعام وحده، بل بالنية التي تسبق الطبخ، وبالابتسامة التي تسبق التقديم. قالت العارفة أمّ السعد البغدادية: “المرأة التي تُطعم في رمضان وهي تستحضر الأجر، إنما تبني بيتًا في السماء قبل أن تُزيّن بيتها في الأرض.” وهكذا كانت… كأنها تُعدّ المائدة بيد، وتكتب أجرها بالأخرى، وتودع في كل طبق دعاءً لا يُسمع، لكنه يُستجاب. اللهم يا واسع الفضل، اجزِ أمّ جَنّة عن كل خطوةٍ خطتها، وكل تعبٍ كتمته، وكل لقمةٍ أعدّتها ابتغاء وجهك الكريم، بارك لها في صحتها ووقتها وذرّيتها، واجعل بيتها عامرًا بطاعتك كما عَمَرَته بكرمها، واكتب لها من نور هذا الشهر نصيبًا لا ينقطع، واجمعنا وإياها على موائد رحمتك في جناتك، حيث لا تعب بعدها ولا انشغال… بل رضًا مقيمًا لا يزول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top