الليلة الثالثة: الليل الذي يسمع قبل أن يُرى

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

خرجتُ من التراويح، والمدينة كلها تنام، إلا قلبي. كان ينبض وكأنه يكتب نفسه على صفحةٍ لا تُرى، صفحةً مختومة بختم السماء.

لم أعد أفكر بما أفعل، ولا بما سأكتب… كنت أستمع فقط إلى الصمت. صمتٌ لا يخرق، بل يملأ.

صمتٌ يسمع كل شيء، حتى الدعاء الذي لم يُقال بعد.

في تلك اللحظة، تذكّرت أن رمضان ليس وقتًا للزيادة في الأعمال،

بل هو وقت لتصفية الداخل.

تصفية القلب من كل ما لم يرضِ الله، وتجديد العهد مع النية،

أن نصبح كما خلقنا، كما أرادنا ربنا، قبل أن نعرف الدنيا وما فيها.

ثم رأيت ذلك الطفل في الصف الأخير، يضع يده على صدره ويهمس بدعاءٍ لا يسمعه أحد. ابتسمت.

فهمت أن السماء ليست بعيدة،

وأن الله يسمع قبل أن نرفع الصوت،

وأن اليد التي تكتب الدعاء قبل أن نكتبها نحن، هي أرفع من أي قلم، وأثقل من أي أثر.

ليت أحدهم يعرف ما معنى هذه اللحظة…

الليلة ليست ليلة صلاة أو ركعة،

الليلة حالة قلب،

وحدثٌ بين روحٍ وربها،

لا يحتاج إلى شهود، ولا إلى شهادة،

ولا حتى إلى كلمات…

يكفي أن يكون صادقًا،

يكفي أن يعرف أن قلبه يُرى.

العالم المغمور الذي لم يسمعه الناس يقول: “من صام رمضان قلبه قبل بدنه، فقد صام أكثر مما ظنّ.”

وفهمتُ أن الصيام الحقيقي ليس الامتناع عن الطعام،

بل الامتناع عن الرياء،

والكذب على النفس،

والأماني الفارغة.

عدتُ إلى مقر الإقامة بعد التراويح، والليل أصبح أعمق، لكن داخلي صار أوسع.

فهمتُ أن كل لحظة رمضانية…

كل دمعة سرّية، كل ابتسامة خفية، كل ركعة صامتة…

هي معلّقة في السماء، تنتظر أن تُقرأ يومًا، أو تُستشعر في قلبٍ آخر.

هكذا تكون المعلّقة الثالثة:

أن نترك الليل يسمعنا قبل أن نسمعه، وأن نحيا كما أن السماء تحتضننا قبل أن نحتضنها نحن.

اللهم اجعل هذه الليلة شاهدة لنا لا علينا… واجعل قلوبنا تكتب الدعاء قبل أن ينطق به اللسان…واجعلنا من الذين يسمعون الليل ويستيقظون قبل أن يفتقدهم الفجر…

وما زال في رمضان بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top