مائدة أبي سلمى تُطعم الجسد… وتُوقظ الحنين… وتُعيدك إلى حضن أمك

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

في مساء الجمعة، الثالث من رمضان، الموافق 21 فبراير 2026، كانت الدوحة تتوشح بسكونٍ خاص… سكونٍ لا يشبه الصمت، بل يشبه الانتظار. انتظار الأذان، انتظار الدعاء، انتظار لحظة تتساوى فيها القلوب قبل أن تتساوى الأيدي على المائدة.

كانت الدعوة كريمة من الفاضل عماد حمدي أبو سلمى، دعوة لا تُقاس بطبقٍ ولا تُختصر في قائمة طعام، بل تُقاس بما تزرعه في الروح من طمأنينة. فمنذ أن تطأ عتبة البيت، تشعر أنك دخلت بيتًا يعرف معنى “السكينة”. ذلك المعنى الذي تحدّث عنه العارفون، وقال فيه: “البيوت تُبنى بالطوب، لكنها تُسكن بالنية”.

قبيل الأذان بدقائق، كان الهدوء سيد المكان. تمرات مصطفّة كأنها حبات نورٍ تنتظر أن تُستقبل باسم الله، وكؤوس الماء تلمع بخجل، وصحن شربة العدس يرسل بخاره في لطفٍ كأنه سلامٌ صاعد إلى السماء. وما إن ارتفع الأذان، حتى عادت الكلمات الأولى إلى أصلها: “اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت”.

التمر أولًا… ذلك السُّنّة التي علّمها محمد رسول الله ﷺ، ليس لأنه طعامٌ فحسب، بل لأنه بركة البداية. ثم شربة العدس بالليمون… دفءٌ يسري في الجسد كما يسري الاطمئنان في القلب. لا مبالغة هنا، فبعض الأطعمة لا تُؤكل، بل تُستعاد معها ذاكرة البيوت الأولى.

ثم انكشفت المائدة…

مائدة عامرة بالخيرات، لكنها ليست عامرة بالصخب. كانت عامرة بالاتزان. أطباق اللحم الشرائح بالبصل، كأنها حكاية مصرية قديمة تُروى بهدوء، شرائح تذوب في الفم، والبصل يمنحها ذلك العطر الذي لا يُقلَّد. وإلى جوارها طبق آخر بالصلصة المجففة، نكهة لا تُوصف، كأنها خلاصة تجارب أمهاتٍ تعلّمن الطبخ كما يتعلّم الناس الوفاء: بصبرٍ طويل.

وكفتة مصرية من الدرجة الأولى… صناعة الأمهات حقًا. ذلك الطعم الذي يجعلك تتمنى ألّا تشبع، لا طمعًا في الطعام، بل حرصًا على بقاء اللحظة. أحد الحكماء قال يومًا: “إذا شبعت الروح قبل الجسد، فاعلم أنك في بيتٍ كريم”. والكفتة هنا كانت تشبع الروح قبل المعدة.

أطباق البطاطس بالصلصة… مصرية، مصرية كما يجب أن تكون. ليست مجرد بطاطس، بل ذاكرة سفرٍ واختلاط حضاراتٍ وحنينٍ لا ينقطع. والأرز الأبيض، ببياضه الواضح، يقف إلى جوار أرز الكبسة، حيث التوابل تحكي قصص الصحراء والرحلات البعيدة. بينهما انسجام لا تنافس، كأن المائدة تقول: في التنوع سعة، وفي الاجتماع بركة.

سلطة بالبنجر، بل بستان خضروات عجيب… ألوان تسرّ العين قبل أن تلامس اللسان. والملوخية، ذلك الطبق الذي يحمل في خضرته عبق النيل، كأنها رسالة تقول إن الجغرافيا قد تتباعد، لكن المذاق يجمع. وخبز مصري طري، يُكمل اللوحة، يذكّرك بأفران الحارات القديمة، حيث كانت الأرغفة تُخرج من النار كما تخرج القلوب من المحن: أكثر دفئًا.

لكن أجمل ما في المائدة لم يكن الطعام وحده… بل الوجوه. تلك الوجوه التي تُطعمك بابتسامتها قبل أن تُطعمك بيدها. الفاضل عماد أبو سلمى، بهدوئه الوقور، يستقبل ضيوفه كما يستقبل الرجل أبناءه العائدين من سفرٍ طويل. لا تكلف، لا تصنع. فقط كرمٌ صافٍ، يعرف أن رمضان ليس موسم مباهاة، بل موسم مودة.

والفاضلة أم سلمى… اليد المصرية التي تذكرك بالأمهات الراقيات، بالمعدن النفيس الذي لا يصدأ. في كل طبقٍ لمسة عاطفة، في كل تفصيلة عناية. ليست مجرد مضيفة، بل روح البيت. وصدق من  قال: “المرأة التي تُحسن ترتيب مائدة، تُحسن ترتيب عالمٍ كامل”. وأم سلمى رتّبت عالمًا صغيرًا في تلك الليلة، لكنه كان واسعًا بما يكفي ليحتضن قلوبًا كثيرة.

بعد الإفطار، قمنا إلى صلاة المغرب. صف قصير، لكنه ممتد في المعنى. حين يقف الناس جنبًا إلى جنب، تختفي الفوارق، وتبقى الإنسانية الخالصة. في الركوع والسجود، شعرت أن المائدة لم تكن إلا مقدمةً لهذه اللحظة؛ لحظة الوقوف بين يدي الله، شكرًا على نعمة الاجتماع قبل نعمة الطعام.

ثم انتقلنا إلى الشاي البني سويفي… ذاك الطعم الذي يحمل نكهة الصعيد ودفء الجنوب. ومعه الكنافة بنوعين: بالقشطة والمكسرات. خيوط ذهبية تلمع تحت الضوء، كأنها تقول إن الحلاوة ليست في السكر، بل في الصحبة. لقيمات صغيرة، لكنها تكفي لتختم المشهد بابتسامة.

وتعالت الدعوات… دعوات طيبات، صادقة، لا تخرج من اللسان فقط، بل من أعماق ممتنة. دعونا للبيت وأهله، للأبناء، للذرية، أن يجعلهم الله قرة عين، وأن يحفظ هذا السقف الذي جمعنا من كل سوء. دعونا أن يديم الله عليهم نعمة السكينة، فهي أعظم من كل زينة.

قال أحد الصالحين: “إذا دخلت بيتًا فشعرت بالطمأنينة قبل أن يُقدَّم لك شيء، فاعلم أن أهله يعرفون الله”. وفي بيت أبي سلمى، كانت الطمأنينة تسبق الأطباق، وتبقى بعد انصراف الضيوف. خرجتُ من ذلك البيت وأنا أحمل أكثر من شبعٍ جسدي. كنت أحمل يقينًا أن رمضان لا يُقاس بعدد الأطباق، بل بعدد القلوب التي تتصافح بصدق. وأن المائدة قد تكون وسيلة، لكن الغاية هي المودة. وأن بعض البيوت تُعيد إليك تعريف الوطن، ولو كنت في الدوحة بعيدًا عن مدينتك الأولى.

يا رب، احفظ بيت عماد وأم سلمى، وبارك في أبنائهم، واجعل هذا الكرم شاهدًا لهم لا عليهم. اللهم كما جمعوا الناس على مائدةٍ عامرة، فاجمعهم على موائد رحمتك في الدنيا والآخرة. واكتب لهم من كل دعوةٍ قيلت في تلك الليلة نصيبًا، ومن كل دمعة امتنانٍ رفعت إلى السماء قبولًا.

وفي ختام تلك الليلة، تذكرت قول حكيمٍ: “البيوت التي تُطعم في رمضان، لا يجوع أهلها من المعنى أبدًا”. نعم… قد نشبع من الطعام، لكننا لا نشبع من هذا النوع من اللقاءات. لقاءات تؤجج المشاعر، وتُبكي القلب لا حزنًا، بل امتنانًا. رمضان في الدوحة تلك الليلة لم يكن مجرد تاريخٍ في التقويم… كان قصة بيتٍ فتح بابه، ففتح الله له أبواب الدعاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top