|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
خرجتُ من التراويح هذه الليلة،
ولم أعد أرى المسجد كما رأيته دائمًا… كنت أراه من الداخل، من حيث لا تُرى العيون…
من حيث يعيش الصمت، ويتحدث القلب، ويهمس الله في النفس.
رأيت وجوهًا…
وجوهًا لم تبتسم على الكاميرات، ولم تُلتقط صورها، ولم تُكتب أسماؤها في أي سجل…
لكنها كانت مضاءة بنور لم تُطفئه أيام ولا سنون.
طفلٌ صامت يجلس في الصف الأخير، ويده على صدره، ودمعة خفيفة تتسلل من عينه…
رجلُ كبير في السن يرتعش، لكنه يثبت ركبته في السجود، وكأن كل ألمه يتحوّل إلى نور.
شابٌ متعب من طول النهار يرفع يده في الدعاء، وكأن السماء نفسها تقبض على قلبه وتعيده إليه صفاءً.
تذكرت قول عالمٍ مغمور لم يسمعه الناس:
“أحيانًا يكتب الله أعظم المعجزات على وجوه البشر، بينما نحن نبحث عنها في الكتب والصور.”
ليلةُ رمضان هذه لم تُعلّمني الصبر فحسب… بل علّمتني أن كل وجهٍ صادق، كل يدٍ ترفع خفية، كل دمعةٍ مخفية،
هي مَن يضيء الطريق قبل أن نرى الطريق…
هي من يجعلنا نعرف أن الله حاضر فيما لا نراه، وأن قلوب الناس أماناتٌ أكثر صدقًا من أي عهد أو وعد.
عدتُ إلى مقر الإقامة… والمدينة ساكنة،
لكن داخلي صار مضيئًا… كل وجوه صادقة تراها عيني، كل دعاءٍ صامت سمعه قلبي، وكل دمعةٍ لم تُرَ أرهفت قلبي إلى حد البكاء.
أدركت أن رمضان ليس الشهر الذي نُزينه بالصور والاحتفالات، بل الشهر الذي نصنع فيه نورًا خفيًا في قلوب من حولنا… ونترك أثرًا أبديًا لا يعرفه إلا الله ومن أحببنا في الله.
المعلّقة الخامسة لا تُقرأ…
هي تُشعر…
هي الدمعة التي تنزل بصمت، والابتسامة التي لم تُلتقط، واليد التي رفعت خفية،
والقلب الذي صار نورًا بين البشر قبل أن يُرفع إلى السماء.
اللهم اجعل هذه الليلة شاهدة لنا لا علينا… واجعل وجوهنا مضيئة كما أضاءت وجوه الصادقين، واجعل دموعنا صافية كما لو كانت مطرًا يروي الروح،
واجعلنا نرى في الناس ما لا يراه أحد، ونشعر بما لا يشعر به إلا القلوب الطيبة…
وما زال في رمضان بقية.