قيادة بالقدوة: عُمان وموسوعة الروح الإنسانية

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في صمت الصحراء، حيث تتعانق الرمال مع السماء، وعلى طول السواحل التي تهمس للبحر بأسراره، صنعت عُمان تاريخًا لا يشبه غيره من الأمم، تاريخًا لم يكتب بالحرب ولا بالغلبة، بل بالقيادة الروحية والإنسانية التي بدأت منذ سلطانها قابوس بن سعيد- رحمه الله-، واستمرت إلى هيثم بن طارق- أطال الله في عمره-، حتى وصلت إلى الأجيال، لتغرس في النفوس قيم القدوة، والوفاء، والأثر الإيجابي.

اختيار سلطنة عُمان لمحمد أبو تريكة في المناهج الدراسية ليس قرارًا عابرًا، بل هو إعلان عالمي بأن القيادة ليست مجرد منصب أو سلطة، بل قدرة على تشكيل المجتمعات بالمعنى، بالأخلاق، وبالتأثير الرمزي. تريكة، اللاعب الذي ارتدى قميص المنتخب، أصبح درسًا حقيقيًا في القيادة بالقدوة، في التضحية، في احترام الخصم، في الإخلاص للفريق، وفي التأثير الهادئ الذي يزرع قيم الصبر والعدل في النفوس الصغيرة قبل الكبيرة. هنا، تتحول الرياضة إلى مدرسة أخلاقية، والنجومية إلى منصة للإنسانية.

إن التاريخ العُماني الحديث يعلمنا أن القيادة الحقيقية هي التي تصنع المجتمعات قبل أن تصنع التاريخ. السلطان قابوس، الذي فتح الأبواب للشباب ليحلموا ويبدعوا، كان يعرف أن القائد ليس من يملي الأوامر، بل من يُلهم. لقد قال المؤرخون العمانيون إن عمان في عهد قابوس لم تكن فقط بلدًا يتقدم على خارطة التنمية، بل كانت تجربة فريدة في القيادة الإنسانية، حيث تُقاس القوة بالأثر الإيجابي، لا بالمدى العسكري أو الاقتصادي وحده.

حين نتأمل اختيار محمد أبو تريكة، نفهم أن عُمان اختارت أن تُعلّم الأجيال درسًا في القيم: كيف يكون المرء رمزًا للوطن دون أن يحمل سيفًا، كيف يكون القائد في القلوب قبل أن يكون في المناصب، وكيف يكون تأثيره حاضرًا في المجتمعات دون أن يرفع صوته. القيادة هنا تتحول إلى قصيدة حياتية، يقرأها كل طفل عماني وهو يكتب واجباته المدرسية، أو يشارك أصدقائه لعبًا في ملعب قريب، أو يرى عبر الشاشة رمزًا للخلق والأخلاق يتجسد في أفعال بسيطة، لكن ذات أثر عميق.

وهنا يظهر دور هيثم بن طارق، الذي استكمل مسيرة البناء، مؤكدًا أن القيم لا تُورث بالقوانين وحدها، بل بالرموز والأفعال اليومية. لقد أصبح للقيادة في عُمان بعدًا إنسانيًا يتجاوز السياسة والتنمية؛ بعدًا رمزيًا، حيث تصبح كل شخصية نموذجًا حيًا يُدرس، وكل نجاح يُترجم إلى درس في الوفاء، والكرم، والشجاعة الأخلاقية.

إن الروح الإنسانية التي تنبض في هذه السياسة الرمزية تجعل من عُمان مدرسة قيادية متفردة في العالم. فهي تعلم أن القيادة ليست انفرادًا بالقرار، بل مشاركة بالقيم، وأن اختيار القدوة الصحيحة أهم من فرض التعليم بالقوة. وكل مؤرخ عماني يُسجل هذا كدرس في المستقبل: أن الأمة تبنى حينما تُزرع فيها القيم، وأن الرموز البشرية، مهما كانت خلفياتهم، تصبح أعمدة المعرفة الأخلاقية إذا نُقلت عبر التعليم والممارسة.

في السرد الروائي لهذا المشهد، نتخيل طفلًا عمانيًا يجلس تحت شجرة السنط في قرية جبلية، يفتح كتابه المدرسي، ويقرأ عن محمد أبو تريكة، فيرى في قصته درسًا حيًا: الشجاعة في الدفاع عن المبادئ، الصبر أمام الصعاب، والأخلاق قبل المجد. في تلك اللحظة، تتحول الكلمات إلى نهر من القيم يغذي الروح، ويزرع فكرة القيادة بالقدوة في كل نبضة قلب. هنا، يصبح التعليم ليس مجرد تلقين، بل تجربة حياتية يلمسها الطفل في حركته وسلوكه ومبادراته الصغيرة، قبل أن يكبر ويصبح قائدًا في مجاله أو مجتمعه.

القيم الإنسانية هنا ليست شعارات على الحائط، بل فعل متجسد. السلطان قابوس أراد أن يكون الوطن مدرسة أخلاقية، ونجح، وواصل هيثم بن طارق البناء على هذه الروح. اختيار شخصيات مثل تريكة ليس مجاملة، بل استراتيجية وطنية لتعميق معنى القيادة في النفوس الصغيرة قبل الكبيرة، لتصبح الأمة كلها قيادة بالقيم، والقدوة، والرمزية، وليس بالقوة وحدها.

إن التعمق في هذا الاختيار يثير سؤالًا عالميًا: كيف يمكن للأمم أن تختار رموزها؟ كيف تصنع قادة بالقيم، لا فقط بالمناصب؟ عُمان أعطتنا إجابة: بالاستثمار في الإنسان، بالقدوة الصادقة، بالرمزية العميقة، وبالسرد الذي يحفر في الروح قبل العقل. كل درس عن تريكة، كل ذكر للقيم التي جسدها، يصبح حجر أساس في بناء مجتمع مستنير، متماسك، قادر على مواجهة التحديات بقلب راشد وعقل متفتح.

في هذا السياق، تصبح القيادة مرآة للروح الإنسانية، ليست القوة في التحكم، بل القوة في التأثير. ليس في فرض الرأي، بل في نشر الخير، وتعليم الآخرين فن الحياة القيمية. المؤرخون العمانيون يشيرون إلى أن عمان عبر تاريخها الحديث لم تعرف القيادة بالمفهوم التقليدي للسلطة، بل قيادة بالقدوة، قيادة بالعمل الصامت، قيادة بالرحمة والإنصاف، قيادة تجعل لكل فرد في المجتمع دوره ومسؤوليته تجاه الآخر والوطن.

وعندما نغلق عيوننا ونتخيل الساحة التعليمية العُمانية، نرى أن كل درس، كل نشاط، وكل رمز موضوع في المناهج الدراسية، يتحول إلى خطاب أخلاقي عالمي. اختيار أبو تريكة هنا ليس مجرد تكريم لفرد، بل إعلان عالمي عن أن القيادة الحقيقية تبدأ بالإنسان، وأن الأمة القوية هي الأمة التي تعرف كيف تختار رموزها وتعلّمهم للجيل الجديد، بوعي ورؤية واضحة، دون ضجيج، لكن بأثر دائم.

في النهاية، إن عُمان اليوم تقدم للعالم نموذجًا نادرًا: القيادة بالقدوة، الإنسانية في الصدارة، الرمزية في التعليم، والقيم أساس كل قرار. هذا النموذج لم يشهده التاريخ بهذا العمق، فهو يجمع بين الحكمة السلطانية، والوعي الوطني، والقدرة على خلق أثر عالمي من خلال رمز محلي. كل طفل يتعلم عن محمد أبو تريكة، وكل مواطن يتأمل في مسيرة السلطان قابوس وهيثم بن طارق، يصبح شريكًا في قيادة الوطن بالقيم، لا بالسلطة وحدها.

القيادة هنا ليست مجرد منصب أو رتبة، بل نهر من القيم ينساب في النفوس، ويجعل من كل عماني قائدًا في حياته، من خلال العطاء، والمبادرة، والرحمة، والقدوة. إن التاريخ العماني الحديث لم يكتب فقط بالإنجازات الاقتصادية أو السياسية، بل بهذه القدرة الفريدة على تحويل التعليم والرمزية والقدوة إلى قيادة حية تنبض في كل قلب، وتغرس في كل عقل درسًا خالدًا في الإنسانية.

وفي رحاب هذه القيم، نجد أن عمان تقدم للعالم درسًا خالدًا: القيادة ليست ما تملك، بل ما تمنحه للآخرين، ليست ما تأمر به، بل ما تلهمهم للقيام به، ليست ما تحقق لنفسك، بل ما تبنيه في نفوس الآخرين. بهذا، يصبح اختيار محمد أبو تريكة في المناهج الدراسية رسالة عالمية، تتجاوز الرياضة والشهرة، لتصبح ملحمة إنسانية، سردًا روائيًا حيًا، وقيمًا لا تموت، درسًا لكل البشرية عن القيادة الحقيقية، عن الوطن، عن الإنسان، وعن الروح التي تهز القلوب قبل العيون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top