مجلس العزّ في بني هاجر… حين يصبح الإفطار سُلَّمًا إلى السماء

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

في مساءٍ قطريٍّ ناعمِ النسيم، كانت الطريق إلى بني هاجر تشبه سُلّمًا من نورٍ يقود إلى مجلسٍ يعرف معنى العزّ قبل أن ينطق باسمه. الثلاثاء، السابع من رمضان 1447هـ، الموافق 24 فبراير 2026… موعدٌ لا يُختصر في ساعة مغرب، بل يمتدّ في الذاكرة كأذانٍ ثانٍ لا ينتهي صداه.

دخلنا مجلس العزّ، مجلس الفاضل حمد الهاجري – أبو محمد – فكان المكان أوسع من جدرانه، وأدفأ من سجادته، وأكرم من كل وصفٍ قد يُقال. هنا، لا تُقاس المجالس بمساحتها، بل بما يتسع له صدر صاحبها. وهنا، كان الصدر وطنًا.

المائدة امتدّت كقصيدة مفتوحة، لا تبدأ عند صنفٍ ولا تنتهي عند آخر. علمتُ أن طيلة شهر رمضان، كان هذا اليوم يحمل ذات الروح، ذات السخاء، ذات الالتزام بأن يكون الإفطار حدثًا إنسانيًا قبل أن يكون طعامًا. كأن العطاء عندهم نظامٌ لا استثناء، ونهجٌ لا مناسبة.

بدأت الحكاية بسلطةٍ تشبه بستانًا مصغّرًا، ألوان الخضروات تتجاور كما تتجاور القلوب: أخضر الخيار، أحمر الطماطم، أوراق النعناع، رشة الليمون… لوحةٌ تقول إن البساطة إذا أُحسن تقديمها صارت تاجًا. إلى جوارها، شوربة خضار دافئة، كأنها يد أمٍّ تربّت على كتف صائمٍ أنهكه النهار. وفي الوسط، حمص بزيت الزيتون، يلمع بصفرةٍ هادئة، كأن الزيت يقول: “من الأرض خرجنا، وبالبركة نحيا”.

ثم الأرز الأبيض، في نقائه، كصفحة قلبٍ لم تُكتب فيها إلا النوايا الطيبة. وإلى جواره أرزٌ أصفر تعلوه السمان، كأن الحكاية انتقلت من الريف إلى الفخامة دون أن تفقد أصلها. والبامية، بطبخها الهادئ، تستحضر مطابخ الجدّات، والتشريبة تُعلن أن الخبز حين يعانق المرق يصبح ذاكرةً سائلة. ودجاج بالبصل، يذوب في فمه من يأكله كما تذوب القسوة أمام الكرم. وجمبريٌّ في أوانٍ تشبه أواني بوفيهات المطاعم والفنادق، لكن الفارق أن هنا الروح تطبخ مع الطعام.

اللبن حاضر، كأنما ليقول إن الاعتدال شقيق الوفرة. وعلى مائدة الإفطار الأولى: تمرٌ يتلألأ كحبات شكرٍ صامتة، ولبنٌ بارد يعيد التوازن للجسد، وزبدةٌ بحبة البركة، كأنها تذكيرٌ بأن البركة لا تحتاج إلى كثيرٍ من الضجيج، يكفيها صدق النيّة.

وما إن صدح الأذان، حتى صمتت الأصوات إلا من دعاءٍ خافتٍ يخرج من أعماقٍ عطشى إلى القبول. لحظة الإفطار ليست لحظة أكل، بل لحظة كشف… ينكشف فيها احتياج الإنسان لربه، قبل احتياجه للطعام. أفطرنا على التمر واللبن، ثم قامت الصفوف لصلاة المغرب. كان المشهد أكبر من وصف: رجالٌ يتراصّون كالبنيان، وقلوبهم متجهة إلى قبلةٍ واحدة، كأن المجلس تحوّل من مائدة طعام إلى محراب نور.

بعد الصلاة، عادت الجلسة لكن بطعمٍ آخر. القهوة العربية دارت، برائحتها التي تشبه تاريخ الصحراء، ومعها الشاي، وحليب الإبل… ذلك الحليب الذي لا يُشرب فقط، بل يُستحضر معه معنى الأصالة. كل رشفة كانت تقول إن الكرم هنا ليس طقسًا اجتماعيًا، بل هوية.

والأجمل أن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد. فبعد التراويح، كانت هناك مائدة ثالثة، خلطة هندية باكستانية بين الفلافل والخضروات، كأن المجلس يقول إن الكرم لا يعرف جنسية، وإن المذاقات حين تلتقي تصنع جسورًا بين الشعوب. رمضان، في هذا المجلس، لم يكن شهر صومٍ فحسب، بل شهر لقاء حضارات على طبقٍ واحد.

جلستُ أراقب الوجوه. صحبٌ كرام، يتبادلون الحديث بصدقٍ لا تكلّف فيه. لا أحد يتظاهر، ولا أحد يستعرض. كل شيء يسير بعفويةٍ تشبه ماءً رقراقًا. أدركتُ أن سرّ المجلس ليس في تنوّع أصنافه، بل في ثبات عطائه. أن تكرّر الكرم ثلاثين يومًا، بنفس الحفاوة، بنفس الجودة، بنفس الروح… تلك عبادة أخرى.

يا أبا محمد، يا صاحب المجلس الذي يعلّم قبل أن يُطعم، ما أجمل أن يتحوّل البيت إلى منارة. ما أعمق أن يكون رمضان عندك مشروع حياة، لا مجرد برنامج ضيافة. لقد رأينا في مجلسك كيف يجتمع النظام مع السخاء، والبساطة مع الفخامة، والأصالة مع الانفتاح.

تعلمتُ في تلك الليلة أن الكرم ليس كثرة أصناف، بل كثرة حضور. أن يشعر ضيفك أنه في بيته، تلك أعلى درجات الضيافة. وأن يُصان المجلس بالاحترام، ويُختم بالدعاء، فذلك هو التاج.

اللهم يا واسع الفضل، يا كريم يا رحيم، بارك لأهل هذا البيت في أعمارهم وأموالهم وذرياتهم. اللهم اجعل ما يقدّمونه في ميزان حسناتهم، واجعل مجلسهم عامرًا بذكرك، محفوفًا بملائكتك، محفوظًا من كل سوء. اللهم كما أطعموا عبادك صائمين، فأطعمهم من موائد رحمتك يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون. اللهم أدم عليهم نعمة العطاء، ولا تحرمهم لذة الإخلاص، واكتب لهم من كل لقمةٍ شكرًا، ومن كل ضيفٍ دعاءً مستجابًا.

وفي ختام الليلة، خرجتُ من بني هاجر وأنا أحمل شيئًا لا يُرى… شعورًا بأن المجالس حين تُبنى على النية الصادقة تتحوّل إلى جسور بين الأرض والسماء. وأن مجلس العزّ لم يكن اسمًا، بل كان وصفًا صادقًا لرجالٍ عرفوا أن رمضان فرصةٌ ليكون الإنسان أقرب إلى إنسانيته. سلامٌ على بيتٍ أطعم، وعلى قلبٍ وسِع، وعلى دعاءٍ صعد في سماء الدوحة تلك الليلة، يحمل أسماءهم نورًا بين النجوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top