|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
في ليلةٍ دافئة من ليالي الدوحة، مساء الخميس ليلة التاسع من رمضان 1447 ه، الموافق 26 فبراير 2026، حيث تمتزج رائحة القهوة العربية بعبق التاريخ، جلستُ على هامش مجلس العزيز محمد أحمد جاسم فخرو “أبو تركي”، مجلسٍ لا تُوزَّع فيه الكلمات كما تُوزَّع المجاملات، بل تُسكب كما يُسكب السمن على الهريس، ببطءٍ، وقصدٍ، ونيةٍ طيبة.
هناك، في زاويةٍ هادئة، دار حديثٌ من القلب، لا عن تجارةٍ ولا عن منصب، بل عن أبٍ… عن سيرةٍ… عن رجلٍ كان إذا ذُكر خفَض الناس أصواتهم احترامًا، ورفعت القلوب أكفَّ الدعاء له. كان المتحدث أبو عبد الله ناصر الخال، يتكلم عن والده- رحمه الله، وطاب ثراه- وكأنه يُعيد إلينا زمنًا لا يُقاس بالساعات، بل بالقيم. قال: “كان أبي ورِعًا.” وتوقفتُ عند الكلمة.
الورع ليس خوفًا من الحرام فحسب، بل خوفٌ من أن يُظلَم أحدٌ بسببه. الورع أن تبيتَ مطمئنًا لأنك لم تُثقِل قلبًا، ولم تُكسِر خاطرًا، ولم تُؤخر حقًا. وقد قال حكيمٌ: “الورع أن تحاسب نفسك قبل أن تحاسبك المرافئ.” عبارةٌ بسيطة، لكنها تختصر حياة رجال البحر الذين يعرفون أن الموج لا يرحم، وأن السفينة لا تنجو إلا بميزانٍ مستقيم.
كان العم عبد الله الخال – رضي الله عنه وأرضاه- والد ناصر أبي عبد الله نوخذة. والنوخذة في الخليج ليس قائد مركبٍ فحسب، بل قائد ضمائر. هو الذي يعرف متى يغامر، ومتى يعود، ومتى يحتمي، ومتى يُسلم الأمر لله. قال أحد حكماء البحر: “من لا يحفظ طاقمه، لن يحفظه البحر.” وهكذا كان. بيته… لم يكن بيتًا يُغلق بابه عند المساء. كان مضيافًا، يبيت فيه الناس كما يبيت الأبناء. الضيافة عنده لم تكن عادة اجتماعية، بل عبادة يومية. في زمنٍ كانت فيه البيوت تُقفل خوفًا من الفقر، كان هو يفتح بابه خوفًا من أن يُحرم من الأجر. قال أبو عبد الله وهو يبتسم ابتسامةً يختلط فيها الفخر بالحنين: “كان الناس يشتكون منه… لأنه يوقظهم لصلاة الفجر.” ضحك المجلس، لكن الضحكة كانت مغموسةً بالاحترام. أي زمنٍ هذا الذي تُصبح فيه الشكوى شهادة؟ وأي رجلٍ هذا الذي يوقظ ضيوفه لا ليُطعمهم، بل ليُصلّوا؟ تذكرتُ قول الحكيم الأندلسي: “من أيقظك للصلاة، فقد أيقظ فيك ما هو أعظم من النوم.”
كان والده يقول له، وهو يشدّ الحبل بيدٍ توضأت قبل الفجر: “يا بني، السفينة التي لا تُرفع فيها راية الصلاة، لا تُباركها الريح. قد تمتلئ شباكها، لكنها تفرغ من السكينة. والبركة ليست في كثرة الصيد، بل في طهارة اليد.” كان يعلم أن البحر ليس ماءً فقط، بل ميزانًا. وأن الموج لا يحمل القوارب فحسب، بل يكشف معادن الرجال.
ثم جاء اليوم الذي كتب فيه البحر سطرًا ثقيلًا، كأن مداده من حديد. في عرض الخليج، بعيدًا عن ضجيج الموانئ، كان المركب الخليجي الصغير يشقّ الماء بهدوء. علمٌ أحمر يرفرف فوقه، واضحٌ في السماء، دلالة انتماء، لا دلالة استسلام. لم يكن ذاك العلم راية حرب، ولا إشارة ضعف، بل هويةٌ تُعلن نفسها بثقة. لكن السفينة الألمانية، الضخمة، ذات الجسد المعدني البارد، قرأت اللون قراءةً أخرى. ظنت الأحمر بياضًا ينبغي أن يكون، وظنت الإشارة استسلامًا لا سيادة، فكان الاصطدام. لحظةٌ واحدة… والبحر الذي كان هادئًا، انقلب شاهدًا.
تخيلت المشهد طويلًا… مركبٌ خليجي بسيط، خشبه مشبع برائحة الآباء، يحمل أحلام رجالٍ خرجوا يطلبون الرزق، لا يعرفون من السياسة إلا صدق العمل، يصطدم بحديدٍ ثقيل لا يعرف ملامح أصحابه. الخشب يئنّ، والحديد لا يسمع. الماء يتطاير، والقلوب تتماسك. لم تكن الحادثة مجرد تصادم بين جسمين، كانت تصادمًا بين بساطةٍ تعرف البحر بالاسم، وقوةٍ تعرفه بالأرقام.
لكن… العجيب لم يكن في صوت الاصطدام، بل في صمت ما بعده. دارت الأيام. وما يدور في البحر لا ينتهي عند الشاطئ. مرت السنوات، كأنها موجةٌ تبتعد ثم تعود، حتى جاءت زيارة سفير ألمانيا إلى العزيز السفير أحمد الخال. جلس الرجلان، وكلٌّ يحمل وطنه في صوته. وفي لحظةٍ صادقة، فُتح الحديث عن تلك الحادثة القديمة. لم يكن الحديث شكوى، ولا طلب تعويض، بل ذكرى موجعة تُروى كما تُروى قصص البحر… بوقار.
حين علم سفير ألمانيا بما جرى، تغيّر وجهه. لم يتحدث بلغة بروتوكول، ولا بحسابات دبلوماسية، بل بلغة إنسانٍ سمع أن خطأً وقع باسمه، ولو بعد زمن. أبدى أسفه، وحزن لما حدث، كأن البحر ما زال يُنجب رجالًا يعرفون قيمة الاعتذار، حتى إن تأخر وصوله. وهنا كانت المفاجأة… ليس في الاصطدام. ولا في سوء الفهم بين الأحمر والأبيض. بل في أن رجلاً من بلاد بعيدة، لم يشهد الحادثة، ولم يكن طرفًا فيها، شعر أن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بالسنين، وأن الاعتذار لا يسقط بالتقادم. تذكرت حينها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟” وكأن الاعتذار الصادق تحريرٌ متأخرٌ للحظةٍ ظُلمت.
كان المشهد أعمق من قصة بحر. كان درسًا في أن الأعلام قد تختلف ألوانها، لكن القيم إن صدقت، لا تختلف. وأن الخطأ حين يُعترف به، يتحول من جرحٍ إلى جسر. ذلك المركب الصغير، الذي ظنه البعض أضعف من أن يُرى، ظل في ذاكرة البحر. وذلك الاعتذار، الذي جاء بعد سنوات، لم يُصلح خشبًا مكسورًا، لكنه أصلح معنى.
أدركتُ أن الأب كان محقًا… السفينة التي تُرفع فيها راية الصلاة، قد تُصدم، قد تتأذى، قد يختلط لون علمها على العيون، لكنها لا تُكسر من الداخل. لأن البركة ليست في ألا تصطدم،
بل في أن تخرج من الاصطدام أنقى قلبًا، وأوسع أفقًا. وأن البحر، مهما بدا قاسيًا، ما زال يحتفظ في أعماقه برجالٍ يعرفون أن الكرامة لا تحتاج إلى مدافع، بل إلى كلمة: نعتذر.
وهكذا، بين مركبٍ خليجي بسيط، وسفينةٍ أوروبية عملاقة، كتب البحر درسًا لا يُدرّس في الأكاديميات، بل يُحفظ في الصدور: أن الأمم تُقاس بأخلاق رجالها، وأن الاعتذار، حين يكون صادقًا، قد يمحو أثر موجةٍ ثقيلة، ويترك بدلها أثر إنسان. هنا أدركتُ أن القيم لا تُغرقها الأمواج. النوخذة الذي رفع العلم الأحمر، رفع قبله علم الأخلاق. والسفير الذي حزن، أثبت أن الإنسانية لغة لا تحتاج إلى ترجمة. وصدق من قال: “الحادثة تُقاس بقدر الألم، لكن الرجولة تُقاس بقدر الاعتراف.”
في مجلس أبو تركي، لم يكن الحديث عن بطولةٍ بحرية، بل عن بطولةٍ أخلاقية. عن رجلٍ كان يرى أن الكرم ليس أن تُطعم الناس حتى الشبع، بل أن تُشبع قلوبهم بالأمان. كنت أستمع، وأتساءل: كيف تُصنع هذه النماذج؟ هل هي تربية بيت؟ أم مدرسة بحر؟ أم صحبة قرآن؟ ثم تذكرتُ قول حكيمٍ: “الرجل الذي يُربّي أبناءه على الفجر، لن يخاف عليهم من ظلام الدنيا.”
ولعل أعظم ما قيل في تلك الليلة لم يكن عن البحر، ولا عن الحادثة، ولا عن الضيافة… بل عن الشكوى الطريفة التي كان يسمعها: “يا فلان، دعنا ننام!” فيجيبهم بابتسامة: “النوم كثير، لكن الفجر لا ينتظر.” أي يقينٍ هذا؟ وأي إيمانٍ يجعل الرجل يُقدّم الصلاة على راحة ضيوفه، وهو الكريم الذي لا يُردُّ له طلب؟ هنا تذكرتُ قول الإمام ابن القيم: “من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.” ورأيتُ كيف أن سريرة هذا الرجل كانت صلاة، فكانت علانيته كرمًا وهيبة. في زمنٍ تتغير فيه المعايير، يبقى معيار الفجر ثابتًا. وفي زمنٍ تُقاس فيه الرجولة بعدد المشاريع، كانت تُقاس قديمًا بعدد الركعات التي يُوقظ لها الأب أبناءه وضيوفه.
مجلس أبو تركي لم يكن مجرد لقاء، بل كان مرآةً نرى فيها وجوه آبائنا، فنشعر بثقل الأمانة. فالحديث عن الآباء ليس حنينًا عابرًا، بل مراجعة حساب. قال حكيمٌ : “إذا أردت أن تعرف قدرك، فانظر إلى أثر أبيك في الناس.” وأثر هذا الرجل… كان واضحًا. ليس في عدد السفن التي قادها، ولا في حجم التجارة، بل في عدد القلوب التي باتت في بيته آمنة، وفي عدد الرجال الذين تعلموا منه أن الفجر أول الطريق.
أدركتُ أن البحر علّمه شيئًا عظيمًا: أن الأمواج لا تستقر، وأن الإنسان إن لم يربط نفسه بحبل السماء، تاه في الماء. ولعل الحادثة مع السفينة الألمانية لم تكن مجرد اصطدام، بل درسًا في أن الحياة تصدمنا أحيانًا رغم وضوح أعلامنا. قد ترفع الراية الحمراء، وقد تُعلن الحذر، ومع ذلك يأتي القدر بما لم تحسب. لكن الفارق… كيف تقف بعد الاصطدام؟هو وقف بالإيمان. والسفير وقف بالاعتذار. والتاريخ وقف شاهدًا أن الأخلاق لا تعرف جنسية. في نهاية الحديث، خيّم صمتٌ جميل. الصمت الذي لا يعني الفراغ، بل الامتلاء. شعرتُ أن المجلس كله صار مركبًا، وأننا جميعًا ركّاب في بحر القيم، نبحث عن نوخذةٍ يذكّرنا بالفجر.
يا عم عبد الله الخال… رحمك الله رحمةً تليق بقلبك، وبفجرك، وببيتك الذي كان مأوى العابرين. اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وألحقه بالصالحين، واجعل ما قدّم من كرمٍ وصلاةٍ وورعٍ نورًا يمشي به يوم القيامة. اللهم كما أيقظ الناس لصلاة الفجر، فأيقظه على بشارات الجنة، وكما أطعم الجائعين، فأطعمه من ثمار الفردوس، وكما حمل الراية الحمراء تحذيرًا في البحر، فاجعل له راية الحمد يوم العرض عليك. اللهم بارك في أبنائه وأحفاده وذويه، واجعلهم امتدادًا لخلقه، وامتدادًا لفجره، وامتدادًا لذلك البيت الذي لم يُغلق بابه.
وفي مجلس أبو تركي، أدركتُ أن الرجال لا يموتون حين تُغلق أعينهم، بل حين يُنسى أثرهم. وأثر هذا الرجل… ما زال يُوقظنا لصلاة الفجر، ولو بعد سنين. هكذا يكون الآباء. وهكذا تُكتب السيرة… لا بالحبر، بل بالقدوة.