على جمر المحبة… إفطارٌ لا يُشبه إلا أهله

محمد تهامي

محمد تهامي

في مساءٍ رمضانيٍّ من ليالي الدوحة الهادئة، الأحد 11 رمضان 1447هـ، الموافق 01 مارس 2026م، جاءت الدعوة على استحياءٍ أول الأمر، ثم على إلحاحٍ جميلٍ لا يُردّ. اتصالٌ سبق الموعد، بوساطة صديقٍ عزيزٍ يعرف كيف تُنسَج اللقاءات من خيوط المودة، وكيف تُفتح أبواب البيوت بقلوبٍ قبل المفاتيح.

كانت الدعوة من العزيز أسامة الباز – أبو صهيب – على إفطارٍ رمضاني، ورغبة المدعوين أن يكون اللقاء عقب التراويح في الدوحة، حيث يهدأ صخب النهار، وتصفو الأرواح بعد قيامٍ وركوع. قبلنا الدعوة ونحن نظن أننا ذاهبون إلى مائدةٍ عادية…
لكن بعض البيوت لا تُطعم الجسد فقط، بل تُطعم الروح، وتُعيد ترتيب الداخل، وتمنح الذاكرة شيئًا لا يذبل.

التقينا أولًا في صلاة التراويح. وكان الإمام تلك الليلة في سورة يوسف…
وما أجملها من سورة إذا قُرئت في رمضان، سورةُ الابتلاء الجميل، والصبر النبيل، والعاقبة التي تأتي ولو بعد حين. كنتُ أستمع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وكأنها تمهيدٌ لما سيأتي… فالبيوت التي تُحسن استقبال ضيوفها، لا تضيع لحظاتها عند الله، ولا تضيع في قلوب الناس.

بعد الصلاة، استقللنا معًا إلى البيت.
الهواء الرمضاني في الدوحة له مذاق خاص، ليس هواءً فحسب، بل خليطٌ من سكينةٍ وذكرٍ وضوءٍ متأخرٍ، وكأن المدينة كلها تمشي على أطراف أصابعها احترامًا للّيل.

وصلنا، ودخلنا إلى حوشٍ خلف المنزل… وهنا كانت المفاجأة.

جلسةٌ أُعدّت بعناية، كراسٍ خروجات جاهزة، ترتيبٌ بسيطٌ لكنه أنيق، لا تكلف فيه ولا ادّعاء. ثم هناك… ركن النار. الشواية في مكانها، الفحم مشتعل، قطعة بلاستيكية صغيرة تُقوّي التهوية على الجمر، وشبكة تعلو الشواية كأنها مسرحٌ صغير لعرضٍ بحريٍّ خاص.

وأبو صهيب…
يقف بطمأنينة الطاهي الذي لا يطبخ طعامًا فقط، بل ينسج لحظة.

القاروص على الشبكة،
الفلفل الحار والبصل يجاورانه،
صوت خفيف للفحم حين يلامسه الدهن،رائحة البحر حين يلتقي بالنار،
ولحظة الصمت التي تسبق أول تقليب…كان مشهدًا أقرب إلى طقسٍ جميل، لا إلى مجرد شواء.

تفرّشت المائدة تباعًا.
أطباق السلطة بألوانها،
بابا غنوج بطعم الدفء المدخّن،
الباذنجان المخلل بحدةٍ تفتح الشهية، صينية الروبيان تلمع كأنها خرجت من موجٍ قريب، طبق الأرز الأبيض وخليط مع المحمّر،
والقاروص المغلق المشوي بالردة والليمون… والخبز المحمّر المقرمش الذي يكسر الصمت أولًا قبل أن يكسره الحديث.

قال أحد الأصدقاء فجأةً، وهو يتأمل القاروص المشوي بالردة: ” لم آكل السمك المشوي بالردة منذ ثلاثة عشر عامًا!” ضحكنا…
لكنني رأيت في عينيه شيئًا أبعد من الضحك، كأن الطعم أعاد له زمنًا، أو رائحة بيتٍ قديم، أو جلسةً على بحرٍ بعيد. بعض الأطعمة لا تُشبع المعدة فقط، بل تُوقظ الذاكرة.

كان أبو صهيب يقف بيننا وبين الشواية، لا يتباهى بمهارة، ولا يطلب ثناء، لكن حركته الواثقة، وطريقته في التقليب، وضبط النار، كانت تقول إن الرجل يعرف ما يفعل.

ليست المهارة في أن تشوي سمكًا،
بل أن تعرف متى تتركه، ومتى تقلبه،
متى ترفع الجمر، ومتى تخفف النار،
ومتى تبتسم وأنت تقول: “جاهز”.
تذكرت قول أحد الحكماء: “البيوت لا تُقاس بسعتها، بل بقدرتها على إشعال نارٍ دافئة في الوقت المناسب.”

وفي تلك الليلة…
كانت النار دافئة،
والقلوب أكثر دفئًا.

جلسنا…
وأخذ كلٌّ نصيبه من البحر، ومن الخبز، ومن الأرز، لكن النصيب الأكبر كان من الحديث.

حديثٌ من أطايب الحديث. لا لغو، لا غيبة، لا تكلف. حوارٌ رمضاني قطري،
يمزج بين الذكر، والطرفة، وتبادل الذكريات، وتأملات في سورة يوسف التي لا تزال تتردد في القلب.

تحدثنا عن الصبر، عن الإخوة، عن أن الحياة لا تعطي دائمًا فورًا، لكنها لا تبخل على من يحسن الظن. قال أحدنا: “يوسف خرج من الجب إلى الملك… وكم من إنسانٍ في حياته جبٌّ صغير، ينتظر أن يصبر.”

وساد صمتٌ قصير…
ليس صمتًا ثقيلًا،
بل صمت تأمل.

الشاي حضر في وقته، والكنز – كما يسميه البعض – أطفأ حرارة الفلفل الحار، لكن حرارة القلوب لم تنطفئ.
كان في المجلس شيءٌ من صفاء المجالس القديمة؛ لا هواتف تُنافس الحديث، ولا عجلة تُنهي اللقاء.

جلوسٌ بسيط،
سماءٌ فوقنا،
فحمٌ خفّ وهجه،
ورائحة ليمونٍ لا تزال عالقة في الهواء.

في تلك الليلة، أدركت معنىً لطالما تكرر في حياتنا: أن الكرم ليس في كثرة الأطباق،بل في صدق الاستقبال.

أسامة – أبو صهيب – لم يكتفِ أن يدعو، بل أعدّ بيده،
وقف على الجمر،
وراقب التفاصيل،
وكأنه يقول لنا دون أن ينطق:
“أنتم تستحقون أن أتعب لأجلكم.”
وهذا هو المعنى الذي لا يُشترى.

أحد الحكماء قال يومًا: “إذا أردت أن تعرف مكانتك عند رجل، فانظر ماذا يفعل لأجلك حين لا يطلب منه أحد.” وفي تلك الليلة، لم يكن أحد يطلب شيئًا… لكن كل شيء كان حاضرًا.

عدنا من المجلس ونحن لا نحمل طعامًا في أيدينا، لكننا نحمل أثرًا في قلوبنا. الأثر الذي يتركه إفطارٌ بسيط،
وصحبةٌ رقيقة، وحديثٌ طيب،
وسورة يوسف في الخلفية…

الأثر الذي يجعلك تبتسم وأنت تستعيد المشهد،كما يستعيد المرء طعمًا قديمًا لم يذقه منذ ثلاثة عشر عامًا.

رمضان ليس شهر جوعٍ وعطش،
بل شهر لقاءاتٍ تعيد ترتيب القلب.
وفي بيت أبي صهيب، كانت النار مشتعلة، لكن الذي اشتعل أكثر هو المعنى.

اللهم بارك لآل أسامة، بارك لأبي صهيب في بيته وعمره وعافيته،
وأم صهيب في قلبها وحنانها وسكينتها، وصهيب وعمر ونور في أعمارهم وأخلاقهم ونور وجوههم،
واجعل بيتهم عامرًا بذكرك،ممتلئًا بالخير، مفتوحًا للصحبة الصالحة،
واجمعنا بهم دائمًا على طاعتك،
وفي الآخرة في ظل عرشك،حيث لا جمر إلا جمر الشوق إليك، ولا مائدة إلا مائدة رضوانك.

اللهم كما جمعتنا على إفطارٍ في رمضان، فاجمعنا على موائد كرمك في جناتك، وأدم بيننا المودة،
واجعل بيوتنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، واكتب لنا ولكل من حضر تلك الليلة نصيبًا من قولك: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. آمين يا رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top