مائدةٌ تُشبه الجَنّة… حين قدّم أحمد نادي قلبه قبل طعامه

محمد تهامي

محمد تهامي

لم يكن اتصالًا عابرًا، كان قدرًا لطيفًا يتخفّى في رنين هاتف. حين ظهر اسم الغالي “أبو جَنّة”، أدركت أن المساء لن يبقى كما هو. حاولت – على استحياء – أن أبحث عن جملة اعتذار مهذّبة، تأجيلٍ رشيق، أو حتى مساومة زمن، لكن صوته كان حاسمًا ببرودة العارفين: “الغد-بإذن الله- الإفطار عند جَنّة… فقط أخبرني: تُحب الإفطار عقب المغرب أم بعد التراويح؟”

سؤالٌ بدا بسيطًا، لكنه كان أشبه باختبار حب. من يُسأل عن التوقيت، يُمنح مكانة. ومن يُمنح حق الاختيار، يُحتفى به قبل أن يصل. كان ذلك في اليوم الثاني عشر من رمضان 1447هـ، الموافق الثاني من مارس 2026. يومٌ كُتب له أن يُروى لا أن يُنسى.

في الموعد المحدد، وقفتُ أمام مقر الإقامة الذي صار يعرف خُطاي كما أعرف عتباته. لم أطرق الباب طويلًا، فالمحبة لا تحتاج استئذانًا. وإذا بالوالد العزيز أحمد نادي يخرج نحوي، لا ليستقبلني فقط، بل ليُدهشني. كان يحمل “مائدة الإفطار المتنقلة” بيديه، كأنما يحمل قلبه لا الطعام.

رجلٌ في وقار السنين، لكنه في تلك اللحظة بدا شابًا يتسابق مع الوقت كي يُرضي ضيفه. أصرّ أن يكون هو من يضع الأطباق، هو من يسكب الشوربة، هو من يقتسم اللقمة، كأن الكرم عنده عبادة لا تكتمل إلا بالمباشرة. قال أحد الحكماء: “الضيف لا يأكل من يدك… بل من نيتك.” وأشهد أنني في تلك الليلة أكلتُ من نيةٍ بيضاء، قبل أن أمدّ يدي إلى الطعام.

بدأت المائدة بشوربة الذرة بالدجاج والفطر. يعلم أحمد نادي جيدًا حبي للذرة، يعرف أنني أرى فيها بساطة الأرض ودفء البيوت الأولى. لم تكن مجرد شوربة، كانت ذاكرةً مسلوقة برفق، تتصاعد منها رائحة الطمأنينة. كل ملعقة كانت تقول: “أنا أعرفك… أعرف ذائقتك… وأحفظ ما تحب.” وهنا تتجلى العظمة الصغيرة؛ أن يُحسن المرء الإصغاء لتفاصيل غيره. قال سليم الأندلسي: “من حفظ تفاصيلك، حفظك.” وأحمد نادي حفظني في الذرة قبل أن يحفظني في قلبه.

ثم حضرت “صنينة” محشي العنب والكوسة، مصطفة كجنودٍ في ميدان الجمال، يتوسطها الدجاج المحمّر بلونه الذهبي الذي يشبه غروبًا طريًا في ربيعٍ صافٍ. كان المحشي يتنفس عبق الأمهات، وتاريخ المطابخ العربية التي علّمتنا أن الصبر يُحشى كما يُحشى العنب: ورقة فوق ورقة، حتى تكتمل اللقمة. الكفتة المصرية الأصيلة جلست إلى جوارهم بثقة، كأنها تقول: “أنا النكهة التي لا تتغيّر.” وحين تذوّقتها، تذكّرت قول الكاتب المغمور حامد السروجي: ” الطعام الصادق لا يُدهشك، بل يعيدك إلى نفسك.” وقد عدتُ في تلك الليلة إلى نسخٍ مني كنتُ قد نسيتها.

طبق الأرز الأبيض كان بسيطًا في شكله، لكنه عظيمٌ في حضوره. الأبيض ليس لونًا، بل مساحة. مساحة ليحتضن كل ما حوله دون أن ينازع. هكذا هم الكبار: لا يزاحمون أحدًا، لكنهم يحملون الجميع. وبجواره، كباب الحلة، ذلك اللحم الذي استوى على مهل، كما تستوي التجارب في صدور الرجال. طعمه لم يكن قوةً فحسب، بل حكاية نارٍ هادئة تعرف متى تشتد ومتى تهدأ.

وفيما كانت المائدة تفيض، لم يكن الفيض طعامًا فقط، كان احترامًا. أحمد نادي لم يترك أحدًا يمدّ يده قبله، ولم يسمح لنفسه أن يجلس مطمئنًا قبل أن يتأكد أن الجميع شبعوا. تذكّرت قول أحد الصالحين في حلب: “لا يُقاس الكرم بكثرة ما على المائدة، بل بعدد المرات التي تنظر فيها إلى وجه ضيفك لتطمئن.” وكان وجهه يمرّ علينا كما تمرّ نسمة سحر في ليلة صيف، يسأل بعينيه قبل أن يسأل بلسانه.

ثم جاء طبق الحلو، صناعة العزيز “المعرس يوسف”. رز باللبن… لكن ليس كأي رز باللبن.
كان ناعمًا ككلمة “مبروك” تخرج من قلبٍ صادق، وكانت رائحته تحمل بشارة فرحٍ قريب.
ولقد كان من نصيب السحور، بتأجيل اللذة كي أطيل الصحبة. إدراكًا بأن الحلو ما يُؤكل في النهاية، بل ما يبقى في الذاكرة. وصدق من قال: “السكر الحقيقي ليس في الحلوى، بل في اليد التي قدّمتها.”

بعد الإفطار، لم يكن المجلس مجلس شبع، بل مجلس معنى. تحدثنا عن رمضان، عن البركة التي لا تُقاس بالأرقام، عن البيوت التي تبنى بالمودة لا بالإسمنت. شعرت أنني في حضرة مدرسة، لا مائدة. أحمد نادي لم يكن يقدّم طعامًا، كان يقدّم درسًا صامتًا في الرجولة. رجولة لا تعلو بالصوت، بل تنخفض لتخدم. رجولة ترى في الضيف أمانة، وفي الإفطار شرفًا، وفي التفاصيل رسالة. قال أحد الحكماء: “من أراد أن يعرف معدن الرجل، فليراه في بيته.” وقد رأيت المعادن خالصًة.

في تلك الليلة، فهمت معنى “جنة”. ليست اسمًا فقط، بل حالًا. جنة هي أن تُسأل عن توقيت راحتك. جنة هي أن تُحفظ تفاصيلك الصغيرة. جنة هي أن يصرّ رجل في مقام الأب أن يضع الطعام بيده. ولعلي – وقد جاوزت الثانية والستين وبدأت عامي الثالث والستين – أستطيع أن أقول إنني رأيت موائد كثيرة في حياتي، بين الكويت وقطر، بين سفرٍ وحضر، لكن مائدة أحمد نادي لم تكن مثل غيرها. كانت تختصر الرحلة كلها في لحظة امتنان.

عند السحور، أحضرت طبق الأرز باللبن، قلت في سري: “هكذا تُبنى البيوت التي لا تهزها الريح.” ولم أملك إلا أن أستحضر قول الإمام الشافعي: “إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا، جعل له قبولًا في قلوب الناس.” وقد رأيت القبول يمشي على قدمين في بيت أحمد نادي. ح، دعوت الله قائلًا“اللهم كما جمعتنا على مائدةٍ في الأرض، فاجمعنا على مائدةٍ في السماء، حيث لا فراق.” أدركت أن بعض الليالي لا تُقاس بساعاتها، بل بعمقها. وأن بعض الرجال لا يُعرفون في الصحف، لكنهم مكتوبون في صدور من عرفهم. مائدة جنة أحمد نادي لم تكن حدثًا اجتماعيًا، كانت بيانًا عمليًا يقول إن القيم ما زالت بخير، وإن الكرم لم يمت، وإن الحب حين يُترجم إلى فعل يصبح عبادة. قال أحد العارفين: “سترحل الأطباق، وتُغسل الصحون، لكن ما قُدّم بروحٍ سيبقى أثره إلى يوم تُعرض القلوب.”

وأنا أشهد أن الأثر باقٍ. تلك الليلة لم آكل فقط… بل تعلّمت. لم أشبع فقط… بل امتلأت. وإن سألني أحدهم يومًا: ما هي جنة التي دُعيت إليها في الثاني عشر من رمضان؟ سأقول: هي بيتٌ فيه رجل اسمه أحمد نادي، يعرف أن الذرة تُسعدني، ويؤمن أن الكرم لا يُؤجَّل،  ويضع الطعام بيده، كأنه يضع قلبه.

اللهم يا واسع الفضل، ويا جامع القلوب على المودة، بارك للعروسين جَنّة ويوسف، واجعل حياتهما ميثاق رحمة لا ينفصم، وبيت سكينةٍ لا تعصف به الأيام. اللهم اجعل بينهما من المودة ما يضيء دربهما، ومن الرحمة ما يلين به كل عسير، ومن البركة ما يتسع به الرزق والعمر والعمل. اللهم كما جمعت قلبيهما على الطيب، فاجعل أيامهما كلها طيبًا، وازرع في دربهما خيرًا يتكاثر، وفرحًا يتجدد، ورضًا يملأ القلوب. اللهم ارزقهما ذرية صالحة تكون قرة عينٍ لهما، وامتداد خيرٍ في الأرض. اللهم وبارك في والديهم، واجعل ما زرعوه من خُلقٍ وكرمٍ ومودة في ميزان حسناتهم، وامدد في أعمارهم على الطاعة، وأقر أعينهم برؤية ثمرة تعبهم سعادةً واستقرارًا وخيرًا لا ينقطع. اللهم احفظ هذا البيت ومن حوله، وأدم عليه نعمة الألفة والبركة، واجعل الأفراح فيه متصلة، والذكريات فيه عامرة، والقلوب فيه متآخية. إنك يا رب إذا باركت الشيء نما، وإذا حفظته دام…
فبارك لهم، واحفظهم، وأدم عليهم الفضل والسكينة إلى يوم الدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top