|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
سردٌ روائي في القيادة المؤسسية الإفريقية بين القيم والأمان
لم تكن القيادة في تلك المؤسسة الإفريقية تُقاس بعدد التقارير ولا بسمك الملفات، بل بقدرتها العجيبة على الوقوف حين تميل الأرض، وعلى الإصغاء حين يعلو الضجيج. كانت مؤسسة وُلدت في أرض أنهكها الفقر، لكنها لم تُربَّ على الشكوى، بل على معنى أعمق: أن القيادة ليست إنقاذًا عابرًا، بل بناء أمانة.
في صباحٍ إفريقيٍّ بطيء الإيقاع، حيث الشمس لا تستعجل، دخل القائد إلى مقر المؤسسة. لم يسبقه موكب، ولم تتقدمه عناوين. كان يحمل في عينيه تعب السنوات، وفي خطاه هدوء من تعلّم أن العجلة لا تُنقذ الأمم. نظر إلى الوجوه واحدًا واحدًا، لا باعتبارهم موظفين، بل شركاء في حمل عبء ثقيل. هنا تبدأ الحكاية… لا عن رجل، بل عن قيادةٍ مؤسسية تعرف أنها عابرة، وأن الأثر هو الباقي. قال ذات مرة، وهو يراجع خطة الإنقاذ الصحي لمستشفى ريفي: “نحن لا نملك رفاهية الخطأ، لأن الخطأ هنا لا يُصحَّح بتقرير، بل يُدفع ثمنه إنسانًا.” في تلك الجملة وحدها، تختصر فلسفة القيادة التي آمنت بها المؤسسة: القرار مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون إجراءً إداريًا.
القيادة حين تُختبر لا حين تُصفَّق
حين اشتدت الأزمة المالية، وتراجعت الموارد، كان الخيار الأسهل هو تقليص الخدمات أو تأجيل الالتزامات. لكن القائد، وقد تربّى على معنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لو عثرت بغلة في العراق لسُئلتُ عنها.” أدرك أن القيادة ليست إدارة العجز، بل إدارة الضمير. فدعا الفريق لاجتماعٍ لم يُرفع فيه الصوت، ولم تُرمَ فيه الاتهامات. قال بهدوءٍ أوجع الصمت: “لن نسأل: ماذا نستطيع أن نؤجل؟ بل ماذا لا يجوز لنا أن نضيّع.” هنا، تحوّلت القيم إلى قرارات، وتحوّل الصدق إلى خطة عمل. أعيد ترتيب الأولويات، قُدِّمت حياة الناس على راحة الإدارة، واستُدعيت الشفافية لا لتجميل الصورة، بل لتحمّل الحقيقة.
المؤسسية: حين لا يغيب القائد فتغيب المؤسسة
في إفريقيا، تعلّم القائد درسًا مبكرًا من مقولة نيلسون مانديلا: “القائد الحقيقي هو من يخلق قادة، لا تابعين.” فلم يكن حضوره طاغيًا، بل كان النظام هو البطل الخفي. السياسات مكتوبة، الصلاحيات واضحة، والرقابة لا تخجل من نفسها. لم يكن يوقّع وحده، ولم يكن القرار حكرًا. فحين تُبنى المؤسسة على الأشخاص تموت بذهابهم، وحين تُبنى على القيم تحيا حتى في غيابهم. كان يقول لفريقه: “إن نجحنا بوجودي وفشلنا بغيابي، فأنا فشلت قائدًا.”
سرد الألم دون المتاجرة به
زار القائد إحدى القرى التي ترعاها المؤسسة. لم تُلتقط الصور، ولم تُكتب المنشورات. جلس على الأرض، استمع لأمٍّ فقدت طفلها لغياب الرعاية الصحية في الوقت المناسب. لم يُقدّم وعودًا جوفاء، بل عاد وفي ذهنه سؤال واحد: كيف نحمي النظام من تكرار هذه الفاجعة؟ هنا تظهر القيادة الراقية: تحويل الألم إلى إصلاح، لا إلى خطاب. استحضر حينها قول الإمام علي رضي الله عنه: “قيمة كل امرئ ما يُحسن.” فأدرك أن قيمة المؤسسة ليست في حجم إنفاقها، بل في إحسانها للموارد، وللناس، وللثقة التي وُضعت في يدها.
الرقة ليست ضعفًا
في ثقافةٍ تربط الحزم بالخشونة، جاءت هذه القيادة لتكسر القاعدة. كانت الرقة حاضرة، لكن بلا تسيّب، والحزم موجود، لكن بلا قسوة. وحين أخطأ أحد مديري المشاريع، لم يُفضَح، بل عُولج الخطأ داخل الغرفة، لا على المنصة. كان القائد يستشهد بقول: “الثروة الحقيقية هي الإنسان.” فلم يُهدر إنسانًا بخطأ، ولم يُجامل إنسانًا على حساب المبدأ. تلك المعادلة الصعبة هي جوهر القيادة المؤسسية الناضجة.
القيادة بين السماء والأرض
في إحدى الليالي، وبعد يومٍ مثقل بالقرارات الصعبة، دخل القائد مكتبه وحده. لا اجتماع، لا شهود. رفع يديه، وهمس بدعاءٍ يشبه ما قاله الأقدمون: “اللهم إنك تعلم أني ما أردت منصبًا ولا سمعة، فإن أصبت فبتوفيقك، وإن أخطأت فبضعفي.” هنا تتجلى قيادة لا تُدرَّس في كتب الإدارة، لكنها تُغيّر مصير مؤسسات. قيادة تفهم أن الاستعانة بالله ليست بديلًا عن التخطيط، بل ضمانة لسلامة النية. وقد صدق من قال من الحكماء الأفارقة: “من لا يسمع صوت السماء، يضيع في ضجيج الأرض.”
حين تتكلم النتائج بلا ضجيج
مرت السنوات، وتحوّلت المؤسسة من كيانٍ هش إلى نموذج يُحتذى. ليس لأنها الأغنى، بل لأنها الأصدق. الأنظمة صمدت، الشراكات نضجت، والناس وثقوا. لم تكن هناك معجزة، بل استقامة طويلة النفس. قال أحد الشركاء الدوليين: “لم نرَ مؤسسة تتحدث عن القيم بهذا الهدوء، وتُطبّقها بهذا الصرامة.” وهنا، تُفهم القيادة الحقيقية: أن تكون القيم قابلة للتنفيذ، لا فقط للإعجاب.
قيادة تترك أثرًا لا صدى
ليست القيادة المؤسسية الإفريقية هنا حكاية نجاحٍ مثالي، بل شهادة على أن القيم إذا وُضعت في موضعها الصحيح، صارت قوة تشغيل. وأن الرقة إذا اقترنت بالمسؤولية، صنعت حزمًا راقيًا. وأن القائد الذي يعرف متى ينحني لله، يعرف متى يقف للحق. وصدق من قال: “بعد تسلّق جبل عظيم، نكتشف أن هناك جبالًا أخرى.” لكن القائد الحكيم لا يخشى الجبال، لأنه لا يصعدها وحده، ولا يصعدها بلا بوصلة. تلك هي القيادة التي لم تُكتب كثيرًا… قيادة تبني الإنسان، فتحفظ المؤسسة، فتُكرم الرسالة.