رمضان يتحدث بعد الثلث الأول: همس الزمن في قلب العباد

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

ها أنا أتيت إليكم من جديد، بعد أن مرّ عليّ الثلث الأول من عمري هذا الشهر… لم أتعب منكم، بل رأيتكم، وسمعت قلوبكم قبل أن ترفعوا أي أيدي، وفكرت فيكم أكثر مما ظننتم. مررت بليلٍ صامت، برائحة الفجر وندى الروح… ورأيت منكم من أتى إليّ شوقًا، ومنكم من جاء عادةً، ومنكم من ابتعد لضعف أو لكسل… كنت أراقبكم بصمت، بلا حقد، بلا لوم، بلا اعتراض، فقط برحمة، وانتظار، وشوق إلى أن تصدّقوا معي.

أيها القلوب، هل تعرفون؟ إن الدعاء الذي لم تجرؤوا على نطقه، والدمعة التي كتمتموها خوفًا أو حياءً… كل ذلك رأيته، وكل ذلك استشعرته، وكل ذلك أحببته. كنتُ أقف في منتصف الليل بين صلاتكم، وأنصت إلى صمتكم، وأجد فيه صدقًا يرقّق الروح، ونورًا رقراقًا يملأ القلب قبل العين.

الثلث الأول علّمكم الكثير… ألا يذهب أحدٌ بكم إلى حيث لا يعرف قلبه الطريق، وألا يُستبدل الشوق بالعادة، والنية بالرتابة. رأيت العباد يقفزون بين القوة والضعف، بين اليأس والرجاء، بين الخطأ والحرص، وبين الظاهر والباطن… وكنتُ معهم، أبتسم لهم، وأستحضر لهم كل لحظة من النور المخفي الذي لم يروه بعد.

أعلم أن بعضكم شعر أنني بعيد، وأنني مجرد أيام تمرّ، لكن أيها الأحباب، أنا أقرب إليكم مما تتصورون. أنا أعرف أسراركم، قبل أن يعرفها أي أحد… أعرف دمعتكم، قبل أن تنزل على وجناتكم… وأعرف ابتسامتكم الصافية قبل أن تشرق للآخرين… كنتُ أرى منكم من يرفع يده ويخاف أن يسمع قلبه الدعاء، ويخجل أن يطلب منّي، كأنه يجرؤ على أن يُخبر من يعرف أسرار قلبه.

فأنا أعلم… أعلم كل شيء… أعلم ما تخفيه العيون، وأعلم ما تختزنه الأرواح… وأعلم أن أكثر ما تحتاجونه ليس الإجابة، بل الوجود… وجودي معكم في كل لحظة صامتة، وجودي في دمعة مخفية، وجودي في قلب يوقن بي قبل أن يُخرج أي كلمة.

أيها الأحباب، هل رأيتم كيف يبدأ القلب بالصدق؟ ليس بالصلاة الطويلة… ولا بالعبادة المعلنة… بل بالنية الخفية، بالهمس للروح، بالخشية الحقيقية، بالحب الصامت… هذا هو ما أبحث عنه… ليس ما يُقال، بل ما يُحس… ليس ما يظهر، بل ما يبقى رقراقًا في قلبكم، لا يعرفه أحد سواي وسواكم.

الثلث الأول علّمني أيضًا أن بعض القلوب صادقة، رغم ضعفها… وأن بعض الأجساد تحاول أن تنهار، لكن الروح تصمد… وأن بعض الابتسامات هي أشد قوة من أي صلاة مكتوبة أو أفعال ظاهرة… وأن الحب لي، ليس محدودًا بوقت أو مكان، بل بالصدق الذي يحمل الإنسان في صمته…

كم منكم جلس في منتصف الليل… يراقب نفسه… يتساءل: هل يكفيني ما فعلت؟ هل وصل قلبي إليك؟ وكم منكم بكا بلا صوت، ورفع يداه بلا كلمات، وأحسستُ أنني هناك معهم، أبكي معهم، وأفرح معهم، وأُثني على نواياهم قبل أعمالهم…

أيها الأحباب، في هذا الثلث، لا تبحثوا عن النصر في المظاهر، ولا عن الهدوء في الكلمات… ابحثوا عن صدق القلب، عن رقراق الروح، عن حضور خفي… فهذه هي اللحظة التي أراها… أرى النور قبل أن يراه أحد…وأستجيب قبل أن يُسأل… وأملأ القلوب قبل أن تُرفع الأيدي.

لقد رأيت منكم صبرًا… منكم شوقًا… منكم ضعفًا… لكني أحببت كل ذلك… أحببت كل لحظة، كل دمعة، كل ابتسامة مخفية… وأريدكم أن تعرفوا أن البقية أمامكم… وأن كل دقيقة، كل لحظة، كل صلاة لم تكتمل بعد… هي فرصة للقلوب لتتطهر أكثر… للروح لتشرق رقراقًا… للدعاء ليصبح حيًا قبل أن يُقال…

أحبكم… لا لأنكم كملتم، بل لأنكم صادقون… وأنا أبحث عن صدقكم قبل أي فعل، عن رقراق قلوبكم قبل أي كلمة… وأريدكم أن تستمروا في المشي معي، في الصمت، في الهمس، في الحب الخفي…فأنا هنا، أقف معكم، أبتسم لكم، وأنتظر أن تصدّقوا معي، قبل أن يزول الشهر… قبل أن يغلق باب أيامكم… قبل أن أرحل مؤقتًا عنكم.

الثلث الأول قد مضى، وأرى ما في قلوبكم، وأعرف ما لم يُرى… والبقية، أيها الأحباب، هي فرصٌ لكل قلبٍ رقراق، لكل دمعةٍ صافية، لكل دعاءٍ حيّ قبل أن يُقال. ما زال في رمضان بقية… فاستمروا في الصدق… استمروا في الحب… استمروا في الحياء… واعلموا أنني هنا، أرى كل ما فيكم… أحبكم فيه… وأدعوا لكم فيه. اللهم اجعل قلوبنا رقراقة، وأرواحنا حيّة بالحب والصدق، ودعائنا حيًّا قبل أن يُرفع، واجعل رمضان هذا مرآةً لنا… ومرشدًا لنا… ونورًا رقراقًا لكل ما تبقى منا. آمين يا رب العالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top