|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
في مساءٍ من أمسيات رمضان التي تتوشّح بالسكينة، وتتلألأ فيها القلوب قبل المصابيح، جاء اتصالٌ كريمٌ من الفاضل ناصر الخال أبو عبد الله، عصر الخميس الخامس عشر من رمضان لعام 1447هـ، الموافق الخامس من مارس 2026م. لم يكن الاتصال مجرد دعوة عابرة، بل كان يحمل في نبرته حرارة المودة، وفي استعجاله لطف الإخوة، وكأن الكلمات تقول: نحن بانتظاركم… فلتصلوا سريعًا قبل أن تبرد كراسي الشوق.
قالها بصدقٍ جميل: “بانتظاركم عقب التراويح”. بمجلس العزيز محمد أحمد جاسم فخرو ” أبو تركي” وفي بعض الدعوات تشعر أن الطريق إليها أقصر من المسافة، لأن القلوب سبقت الأقدام. أغلقنا الهاتف، لكن صدى الدعوة ظل يرنّ في القلب. وما إن فرغنا من صلاة التراويح حتى تحركنا نحو الموعد الذي لا يشبه الموائد فقط، بل يشبه اللقاءات التي تُروى بعدها الحكايات.
حين وصلنا، كان في استقبالنا “أبو تركي”، بابتسامةٍ صادقة، وترحيبٍ يحمل تلك الروح الخليجية التي لا تُتعلَّم في الكتب، بل تُورَّث في البيوت. كانت الابتسامة أول الضيافة، وكان الوقوف مرحِّبًا على الباب رسالةً بليغة تقول: أنتم أهل الدار قبل أن تكونوا ضيوفها. في المجلس، امتزج عبق القهوة العربية بنكهة المكان، وكان المجلس هادئًا كوقار رمضان، دافئًا كقلوب أصحابه.
جلسنا، ومع أول فنجانٍ من القهوة العربية بدأت الأحاديث تسري برفقٍ كما يسري النسيم بين نخيل الخليج. كان إلى جانبنا أبو عبد الله ناصر الخال، رجلٌ إذا تحدّث عن العمل الخيري لا يتناوله بوصفه مشروعًا أو رقمًا في سجل، بل روحًا تسري في الوجدان، ومسؤوليةً يحملها القلب قبل اليد. وفي ثنايا الحديث مرّ أبي عبد الرحمن عبد اللطيف الهاجري – رحمه الله – مرور الدعاء على اللسان، ذكرٌ هادئ يستحضر أثر الرجال الذين يتركون في مجالس الخير ظلالًا من الوفاء لا تغيب.
وتداولنا جوانب متعددة من مسارات العمل الخيري، حتى وقف الحديث عند بصمات آل الخال، تلك البصمات التي لا تُرفع لها الرايات، ولا يُكثر أصحابها من الحديث عنها، لأنها اعتادت أن تُنجز في هدوء، وأن تمضي إلى أهلها دون ضجيج. وفي مثل تلك اللحظات يكتشف المرء معنى عجيبًا:
أن بعض أعمال الخير قد تسبق أصحابها إلى أبواب السماء، قبل أن يعلم بها كثيرٌ من الناس… وربما قبل أن يعلم بها أصحابها أنفسهم. فقد ذُكر أن تبرعًا كريمًا لمشروع خيري تم دون أن يعلم به أبو عبد الله نفسه. وهي من اللحظات التي تذكّرنا بقول أحد الحكماء المغمورين”: ” أصدق الصدقات تلك التي تخرج من يدك قبل أن يسمع بها لسانك.” فابتسم الحضور، لأن الخير حين يخفى يكبر.
وتوقف الحديث قليلًا عند سيرة والدهم رحمه الله التي تحمل من المعاني ما يستحق أن يُكتب عنه مقالٌ مستقل، فهناك رجالٌ يربّون أبناءهم على أن يكونوا امتدادًا لأعمالهم لا مجرد أسماءٍ بعدها. وقد قال أحد العارفين قولًا بقي في ذاكرة من سمعه: ” الأب الذي يترك لأولاده المال قد أغناهم عامًا، أما الذي يترك لهم خُلُق العطاء فقد أغناهم عمرًا.”
كان المجلس حيًّا بتفاصيله الصغيرة. فالقهوة العربية كانت تتنقل بين الأيدي، والشاي يطل برائحته الدافئة، أما شاي الكرك فقد جاء كعادته ضيفًا محبوبًا في المجالس الخليجية. وعلى الطاولة الصغيرة ظهرت السمبوسة الذهبية، وكأنها تذكّرنا أن رمضان لا يكتمل دونها. لكن جمال المجلس لم يكن في الطعام وحده، بل في ذلك التواضع الذي يسكن الوجوه. فهناك رجالٌ كلما زاد قدرهم زاد لطفهم. وقد قال أحد الصالحين المغمورين: “إن أردت أن تعرف معادن الرجال، فانظر كيف يستقبلون ضيوفهم، لا كيف يتحدثون عن أنفسهم.”
وبين حديثٍ وآخر، جاء موعد المائدة الذهبية. كانت مائدةً تليق بكرم رمضان القطري، مائدة تحمل في تفاصيلها روح الكرم لا مجرد تنوع الأطباق. في صدرها صينية الأرز الأصفر، يعلوها الهامور المقلي بلونه الذهبي، وكأن البحر أرسل تحيته إلى المائدة. وحولها تناثرت الأطباق كأنها نجوم تحيط بقمرها: سلطاتٌ متنوعة، وتبولة خضراء منعشة، وشوربة السي فود بالفطر التي حملت نكهة البحر في دفئها. أما بعد الطعام فكان ختام المائدة لطيفًا: الجلي بألوانه الشفافة، وكريم كراميل بنكهته الهادئة، وكيك الشوكولاتة الذي يعلن دائمًا أن الضيافة لم تنته بعد. وقلنا كما يقول أهل القلوب حين يرون هذا الكرم: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. إنه الكرم القطري الرمضاني الذي لا يُقاس بحجم الطعام، بل بحجم القلب الذي يقدمه. وقد قال رجل من أهل البادية – لم يعرفه الناس – قولًا بديعًا: ” الضيف لا يشبع من الطعام، بل يشبع من الوجه البشوش.” وكانت الوجوه في ذلك المجلس كفيلة بأن تجعل الضيف ينسى أنه ضيف.
وبعد الطعام بقليل، انضم إلى المجلس العزيز عبد الرحمن الخال أبو عبد الله، وقد عاد لتوه من العمرة. كان في وجهه ذلك الصفاء الذي يتركه الحرم في العيون. جلس بيننا، وأخذ يحدثنا عن رحلة العودة في ظل الأحداث الجارية، فقد كانت الرحلة مليئة بالتحديات، لكنه كان مطمئنًا. قالها بهدوء: لقد عدنا ومعي تسعة عشر من الأهل… من النساء. ثم تذكر موقفًا قديمًا في أيام الحصار حين كان أيضًا على سفر، ومعه أحد عشر من الأهل من النساء. وهنا تجلّت معاني الرجولة الهادئة. فالرجل لا يُقاس بما يقوله، بل بما يتحمله. وقد قال أحد الحكماء: ” الرجال الحقيقيون لا يرفعون أصواتهم… بل يرفعون من معهم.” وكان حديث أبي عبدالله عبدالرحمن يحمل تلك الطمأنينة التي تمنح من حولها ثقة.
ومع مرور الوقت، بدأ الليل يقترب من سكونه الأخير. وفي المجالس الجميلة، لا نشعر بمرور الوقت. فالحديث حين يكون صادقًا، يصبح الزمن خفيفًا. وقبل المغادرة، وقف محمد فخرو أبو تركي يودّعنا بنفس اللطف الذي استقبلنا به. هناك رجالٌ لا يسمحون للضيف أن يغادر دون أن يشعر أنه يترك جزءًا من الود خلفه. كانت كلمات الوداع بسيطة، لكنها صادقة، والابتسامة ذاتها التي استقبلتنا عند الباب كانت حاضرة وهي تودعنا. وقد قال أحد العارفين: “أجمل المجالس تلك التي يرافقك أصحابها إلى الباب، كأنهم يقولون: الطريق بعدنا ليس بعيدًا.” خرجنا من المجلس، لكن دفء تلك الليلة بقي في القلب.
عدنا ونحن نفكر في معنى تلك الغبقة الرمضانية. لم تكن مجرد مائدة. بل كانت لوحة من القيم: كرمٌ قطري أصيل، تواضعٌ جميل، حديث عن الخير، قلوب تحب أن تعطي دون أن تُعلن. وكانت أيضًا درسًا صغيرًا في الحياة: أن الخير الحقيقي لا يصدر ضجيجًا، وأن البيوت التي تربّي أبناءها على العطاء، تظل آثارها ممتدة في الناس.
وفي ختام تلك الليلة، لم نجد أجمل من دعاءٍ صادق يليق بأهل هذا الكرم. اللهم يا واسع الفضل والمنة، بارك في آل فخرو وآل الخال، وأدم عليهم نعمة العطاء، واجعل بيوتهم عامرة بالخير كما عمرت قلوب ضيوفهم بالمودة. اللهم اجعل ما يقدمونه من إحسانٍ في ميزان حسناتهم، واغفر لآبائهم وأمهاتهم، وارفع درجات من سبق منهم إليك. اللهم كما جمعهم على موائد الكرم في الدنيا،
فاجمعهم على موائد الرحمة في الآخرة. واجعل بيوتهم مفاتيح خير، ومجالسهم منابر محبة،
وأيامهم ممتدة ببركة العطاء. اللهم احفظهم بحفظك الذي لا يضيع، وأدم بينهم الألفة والود، واجعلهم من الذين قال فيهم أحد الصالحين المغمورين:”هناك بيوت إذا دخلتها شعرت أن الخير يسكن جدرانها.” وحقًا… كانت تلك الليلة من تلك البيوت.