|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
في بعض المجالس الرمضانية، لا يكون الطعام هو أجمل ما فيها، بل ما يُقال بعده.
فحين تهدأ الأصوات قليلًا، وتستقر القلوب في سكينة الليل، تبدأ الحكايات التي تشبه الضوء القديم… الضوء الذي تركه الآباء في حياة الأبناء. في تلك الليلة، وعلى هامش الغبقة الرمضانية في مجلس محمد فخرو أبو تركي، جلسنا نستمع إلى حديثٍ خرج من القلب قبل اللسان. كان المتحدث ناصر الخال أبو عبد الله، وحين يتحدث الابن عن أبيه، يتغير إيقاع الكلمات. فالكلام هنا ليس رواية تاريخ، بل وفاء روح.
وحين جاء ذكر الوالد عبد الله الخال – أبو أحمد – رحمه الله، بدا أن المجلس قد دخل لحظة من السكون الجميل، كأن نسائم الرحمة تمر بين الجالسين. قالها أبو عبد الله بصوتٍ فيه امتنان: لقد اشتهر الوالد بالكرم… وبالعدل. لم يقلها بوصفٍ عابر، بل وكأنها عنوان حياةٍ كاملة. فالكرم – كما يرويه الأبناء – لم يكن عنده عادة اجتماعية، بل طبيعة إنسانية. أما العدل فكان ميزانًا لا يميل. وقد قال أحد الحكماء: “الكرم يفتح أبواب القلوب، لكن العدل هو الذي يسكن فيها.” وكان أبو أحمد – كما وصفه ابنه – يجمع بين الاثنين.
توقف الحديث قليلًا عند أيام البحر… أيام الغوص. ذلك العالم الذي صنع رجال الخليج، وربّى فيهم الصبر قبل الغنى. قال أبو عبد الله: كان الوالد يمضي شهورًا طويلة في البحر. وهكذا كان حال الرجال في ذلك الزمن، البحر مدرسة قاسية، لكنها عادلة. فيها يتعلم الإنسان أن الرزق لا يأتي بلا تعب، وأن الموج يختبر قوة القلب قبل قوة الجسد. وقد قال أحد بحارة الخليج قديمًا:
“من عرف البحر، عرف أن الرزق ليس مالًا فقط… بل رجولة.” وكان أبو أحمد من أولئك الرجال الذين خرجوا من البحر بقلبٍ أوسع من الموج.
ورغم ما فتح الله عليه من خير، بقيت روحه متواضعة. قال أبو عبد الله: كان الوالد ميسور الحال… ومن لم يجد عملًا في الحكومة، كان يأتي ليعمل عنده. لم يكن العمل عنده مجرد وظيفة، بل باب رزق كريم. فالرجال الكبار لا يقيسون نجاحهم بما جمعوا، بل بما فتحوا من أبواب للناس. وقد قال حكيم بسيط عبارة تختصر ذلك: “المال الحقيقي ليس ما تملكه… بل كم إنسانًا يعيش بسببه.”وهكذا كان أثر أبي أحمد فيمن حوله.
ثم انتقل الحديث إلى جذور الأسرة. قال أبو عبد الله: كان جدّي – والد الوالدة – على حالٍ بسيط. ومع بساطة الحال، جاءت تلك الزيجة التي كانت بداية بيتٍ سيكبر لاحقًا في الخير. تزوج الوالد الوالدة وهي صغيرة في السن. وهكذا كانت الحياة في تلك الأزمنة، زيجات بسيطة، لكنها تبني بيوتًا عميقة. لم تكن الحياة مملوءة بالكماليات، لكنها كانت غنية بالمعاني. وقد قال أحد الحكماء:
“الأسر التي تُبنى على القناعة، تكبر فيها البركة أكثر من المال.”
ثم جاء الحديث إلى جانبٍ إنساني جميل من شخصية أبي أحمد. قال أبو عبدالله مبتسمًا: كان الوالد أحيانًا ينسى. وكان في هذا النسيان شيء من طيبة القلب. لكن ما بقي في ذاكرة الأبناء أكثر من أي شيء، هو عدله. فقد تزوج الوالد زوجةً ثانية، واشتهر بين الناس بالعدل والتقوى. وكان الناس يذكرون عنه تلك الصفة كثيرًا: عادل… تقي. وفي المجالس القديمة، كان العدل بين الزوجات مقياس رجولة. ولعل القصة التي رواها أبو عبد الله كانت أبلغ شاهد. قال: ذات مرة كان الوالد يتوضأ في بيت الوالدة. فقالت له بهدوء: اليوم دورك عند الزوجة الثانية. لم يقل شيئًا كثيرًا. لم يجادل. لم يبحث عن عذر. بل توقف… ولم يُكمل وضوءه. ثم انطلق مباشرة إلى بيتها.
سكت المجلس لحظة. فهذه القصة الصغيرة تحمل معنى كبيرًا. العدل لا يظهر في الخطب… بل في المواقف. وقد قال أحد الصالحين: ” العدل الحقيقي هو أن تتذكر الحق حتى حين تنساه نفسك.” وكان أبو أحمد – رحمه الله – من أولئك الذين جعلوا العدل عادةً لا استثناء.
ثم أخذ الحديث منحنى أكثر روحانية. جاء ذكر الشقيقة مريم – رحمها الله- قال أبو عبدالله: كانت مخلصة في العبادة… لا تُبارى. وكان في صوته تقدير واضح. فالناس قد يذكرون نجاح الإنسان في التجارة أو العمل، لكن ما يترك أثرًا أعمق هو صلاح القلب. وقال: لقد رأت الوالد في المنام… ورأته في مقامٍ عالٍ، لا يصل إليه أحد. كانت تلك الرؤيا حديث المجلس، لكن من يعرف مريم لم يستغربها. فهي – كما قال – مشهود لها بالورع والتقوى. كانت من أوائل من بدأوا أعمال الخير. ولم تكن تحب الظهور. وكانت ترى أن الصدقة الحقيقية هي التي لا يعرفها الناس. وقد قال أحد العارفين قولًا جميلًا: الخير إذا أُخفي… صار نورًا.” وكانت مريم من أهل هذا النور.
ثم جاءت القصة التي هزّت القلوب قليلًا. قال أبو عبد الله: بعد وفاتها… بحثنا في حسابها. فلم نجد فيه شيئًا. لم يكن ذلك فقرًا، بل عطاء. فالمال الذي مر في حياتها كان يعبر منها إلى المحتاجين. وكأنها كانت صندوق صدقةٍ مفتوحًا لا يعرفه أحد. وهنا قال أحد الحكماء عبارة بقيت في الذاكرة: “بعض الناس حين يموتون يتركون أموالًا… وبعضهم يتركون أبوابًا من الخير لا تُغلق.” وكانت مريم من الصنف الثاني.
عاد المجلس إلى سكونه الجميل. وكان واضحًا أن الحديث عن أبي أحمد لم يكن مجرد استذكار سيرة، بل استحضار روح. فهناك رجال يرحلون، لكن حياتهم تبقى دروسًا لأبنائهم. وقد قال أحد الشيوخ في الخليج قديمًا: “الأب الحقيقي هو الذي يعيش في أخلاق أولاده بعد موته.” وكان من الواضح أن أثر عبدالله الخال – أبو أحمد – رحمه الله ما زال حيًا في أبنائه. في تواضعهم، وفي حبهم للخير، وفي احترامهم للناس.
كانت تلك الحلقة من الحديث أشبه بوقفة تأمل. ففي مجلسٍ رمضاني بسيط، وبين فنجان قهوة وذكرى طيبة، انفتحت نافذة على زمنٍ جميل. زمنٍ كان الرجال فيه يقاسون بالعدل، وتُعرف البيوت فيه بكرمها، وتُحفظ فيه القيم قبل الأموال. وقد قال حكيم من أهل البادية: ” إذا أردت أن تعرف قيمة بيت، فانظر ماذا يقول الناس عن أبيه.” وكان الحديث عن أبي أحمد – رحمه الله – شهادة وفاء.
وحين انتهى الكلام، شعرنا أن المجلس لم يعد مجرد غبقة رمضانية. بل أصبح مجلس ذكرى…
ومجلس دعاء. فرفعنا أكفّ القلوب قبل الأيدي: اللهم اغفر لعبدك عبدالله الخال – أبو أحمد،
وارفع درجته في عليين، واجعل ما تركه من عدلٍ وكرمٍ في ميزان حسناته. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وألحقه بالصالحين. اللهم واجزِ مريم خير الجزاء على إخلاصها وصدقاتها، وأبدلها دارًا خيرًا من دارها، واجعل صدقاتها نورًا يضيء قبرها. اللهم بارك في آل الخال، وأدم فيهم خُلق العطاء، واجعلهم امتدادًا طيبًا لآبائهم. اللهم كما جمعتنا على ذكرهم في مجلسٍ عامر بالمودة، فاجمعنا بهم في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر. فبعض السير… لا تُقرأ في الكتب. بل تُروى في المجالس، وتعيش في القلوب.