مائدةٌ تمشي على قدمَي محبة… حين يصبح الكرم طريقًا إلى السماء

محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

في ظهيرة يومٍ هادئٍ من أيام الدوحة- قطر…، وبعد أن انفضَّت جموع المصلين من مسجد الإمام محمد بن عبد الوهاب، وتهادت الأرواح في سكينة ما بعد صلاة الجمعة، كان للصمت معنى آخر… صمتٌ يُنصت فيه القلب لما لا يُقال، ويتهيأ فيه لاستقبال ما لا يُخطط له.

رنّ الهاتف… ولم يكن اتصالًا عابرًا، بل كان نداءً من طرازٍ خاص، يحمل في نبراته حرارة الأخوّة، وصدق الود، وبساطة النفوس التي لا تعرف التكلّف. كان المتصل هو العزيز أسامة الباز، أبو صهيب… رجلٌ إذا ذُكر الكرم، حضر اسمه دون استدعاء، وإذا سُئل عن الوفاء، كان الجواب صوته قبل كلماته. دعوةٌ على الغداء… سمكٌ مشوي، قالها ببساطة، لكنها كانت تختزن وراءها حكاية قلبٍ يعرف كيف يقدّم، لا ما يملك فقط، بل ما يشعر به.

اعتذرتُ برفق… فاليوم من أيام الصيام، تتمةً لنفحات الأيام البيض، حيث الروح تُربّي نفسها على الخفّة، وعلى أن تتخفف من ثقل الدنيا لتسمو. وكان الاعتذار أيضًا مساحةً لأسرة أبي صهيب أن تجتمع دون حرج، أن يلتفوا حول مائدتهم بطمأنينة كاملة، بلا ضيفٍ يقيّد عفويتهم. لكن… الكرم الحقيقي لا يعرف الاعتذارات. قالها بثقة المحب: “خيرًا بإذن الله… سأتصل بكم قبل المغرب، وأحضر لكم فطوركم.” مزحتُه، كمن يختبر دفءَ العلاقة: “سنرى من الذي سيرد على هاتفك حينها!” ابتسم في صوته، وقال ما لا يُقال عادةً إلا من أهل الصدق: ” أنا أعرف مكان إقامتكم… وسأصل.” لم يكن وعدًا… كان عهدًا.

وقبيل المغرب، حين تبدأ الأرواح في التهيؤ لاستقبال لحظة الإفطار، لحظة الامتنان الأولى بعد نهار الصبر، كان اللقاء. لم يأتِ أسامة وحده… بل جاء محمولًا على كتف النُبل، وعلى يديه مائدةٌ لا تُحمل، بل تُروى. حقيبةٌ بدت للوهلة الأولى عادية… لكنها حين فُتحت، انفتحت معها أبواب الدهشة، كان أول ما لامس الروح… طبق الأرز. ليس أرزًا يُؤكل… بل أرزٌ يُحكى. من يد الفاضلة أم صهيب، تلك اليد التي لا تطهو الطعام فحسب، بل تنفخ فيه من روحها، وتسكب فيه من حبها ما يجعله أقرب إلى رسالةٍ منه إلى وجبة. الأرز المصري… بين الأبيض والمحمر، كأنهما حكاية توازن بين البساطة والفخامة، بين النقاء والعمق. كل حبةٍ فيه تشهد أن الطهي ليس مهارة فقط، بل ذوقٌ، وذاكرة، وحنين. ثم جاءت السلطة… لكنها لم تكن طبقًا، بل بستانًا. ألوانٌ تتناغم كما لو أن الطبيعة اجتمعت في لحظة رضا، لتقدّم نفسها قربانًا لجمال الخلق. البنجر، بلونه الذي يشبه نبض الحياة، كان لوحةً قائمة بذاتها، لا تُؤكل قبل أن تُتأمل. وإلى جوارها، كان الباذنجان… “بابا غنوج”، لكنه في هذا المقام لم يكن مجرد طبق، بل كان قصيدةً من الدخان الخفيف، والنكهة العميقة، والحنين إلى مواقد البيوت الأولى.

أما السمك… فهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. الدنيس المشوي، بيد أبي صهيب… لم يكن طعامًا، بل شهادة. شهادة أن الإتقان عبادة، وأن من أحب شيئًا، أبدع فيه حتى يُدهش نفسه قبل الآخرين.
الشواء على الفحم… ليس مجرد تقنية، بل علاقة بين النار والصبر، بين التوقيت والدقة، بين العفوية والانضباط.

البصل المشوي… والفلفل الذي اكتسب من النار حكمةً لا تُدرّس، كانا شاهدين على أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الكمال. والجرجير… كأنه قُطف للتو من بستانٍ لم تلمسه يد السوق، كان أخضرًا بما يكفي ليُذكّرنا أن البساطة حين تُحفظ، تبقى جميلة. حتى الملاعق… لم تُنسَ. وكأن الرسالة كانت واضحة: “الكرم ليس في أن تُعطي… بل في أن لا تترك شيئًا ناقصًا.”

في تلك اللحظة، لم يكن الإفطار مجرد كسرٍ للصيام… بل كان اكتمالًا لمعنى الإنسانية. تذكّرتُ قول ابن القيم الجوزية: “الكرم بذل ما ينبغي لمن ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.” فوجدتُ أن ما حدث كان ترجمةً حيةً لهذا المعنى. وتردّد في القلب صدى قول الإمام الشافعي: “إذا المرء لا يرعاك إلا تكلّفًا… فدعه ولا تُكثر عليه التأسّفا.” لكن هنا، لم يكن في الأمر تكلّف… بل كان فيضًا، وعفوية، وصدقًا لا يُصطنع. وفي لحظة تأمل، بدا أن هذه المائدة لم تكن مائدة طعام… بل كانت مائدة أخلاق. مائدة تُعلّم أن الكرم لا يُقاس بما يُقدّم، بل بما يُشعر. أن أعظم ما يُهدى للإنسان… هو أن يشعر أنه في قلب أحدهم.

يا أسامة الباز… يا أبا صهيب، إن ما فعلتَ لم يكن مجرد إحسانٍ عابر، بل كان درسًا بليغًا في زمنٍ يحتاج إلى من يُذكّر الناس أن القيم لا تزال حيّة. ويا أم صهيب… يا من صنعتِ من الأرز والسلطة والباذنجان” بابا غنوج” ونظافة الجرجير وجماله رسالة، ومن الطعام دعاءً صامتًا، لقد أثبتِّ أن المرأة حين تُخلص، يصبح مطبخها محرابًا، وتصبح أطباقها جسورًا تصل القلوب. ويا صهيب وإخوانه… أنتم تنشأون في بيتٍ يُعلّمكم دون أن يتكلم، أن الرجولة كرم، وأن الأنوثة عطاء، وأن الأسرة حين تجتمع على الخير، تُصبح نواةً لخيرٍ أكبر.

اللهم يا واسع الفضل… كما جمعتم على مائدةٍ من حب، فاجمعهم على موائد رحمتك في الدنيا والآخرة. اللهم بارك في أسامة الباز، في رزقه، وفي وقته، وفي قلبه، واجعل ما يقدّمه في ميزان حسناته يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون. اللهم أدم على أم صهيب نعمة العطاء، وبارك في صحتها، واجعل كل لقمةٍ أعدّتها نورًا في صحيفتها. اللهم احفظ أبناءهم، واجعلهم قرة عين، وامتدادًا لهذا الخير الذي لا يُشترى. اللهم ارزقنا قلوبًا إذا أُعطيت شكرت، وإذا أُحبّت أخلصت، وإذا وعدت أوفت.

وفي ختام الحكاية… أدركت أن بعض الموائد لا تُنسى، ليس لطعمها، بل لما تركته في الروح. وأن بعض الناس… لا يمرّون في حياتنا مرورًا، بل يتركون فيها أثرًا يشبه الدعاء… هادئًا، عميقًا، ممتدًا… لا ينتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top