
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
حين تُحفظ القلوب قبل المواعيد… ويعلو الودّ فوق المجاملات
في عالمٍ تتكاثر فيه الرسائل وتبهت فيه المعاني، تظل بعض الكلمات وكأنها خُلقت لتعيد ترتيب الإنسان من داخله… لا لأنها فصيحة، بل لأنها صادقة. كانت رسالته، تلك التي وصلتني عبر الواتساب، تحمل من الأدب ما يفوق حروفها، ومن الحياء ما يجعلها أقرب إلى الدعاء منها إلى الدعوة: “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… استأذن حضرتك نصلي العصر الغد -بإذن الله- 04 أبريل 2026 مع بعض وفقًا لظروفك، الساعة 3 أكون عند الفندق نتقابل لو تكرمت علينا.”
وقبل أن تستقر الكلمات في القلب، جاء الصوت… اتصالٌ هاتفي لا يطلب موعدًا بقدر ما يطمئن على مساحة الودّ، كأن صاحبه يخشى أن يُثقِل، وهو الذي لا يأتي إلا خفيفًا كنسمة. تلك اللحظة لم تكن مجرد ترتيب لقاء… بل كانت امتحانًا رقيقًا للعلاقة: هل نحن في دائرة المجاملة؟ أم أننا تجاوزناها إلى حيث يُفهم الصمت، ويُحترم الاعتذار، وتُحفظ القلوب قبل المواعيد؟
قلت له، بصدقٍ لا يحتاج إلى تزيين: “نحن يا أبا بركات بلغنا من الودّ منزلةً لا تُفسدها دعوة، ولا يُربكها اعتذار… علاقتنا أكبر من أن تُقاس بموعد، وأعمق من أن تُختصر في لقاء.” فأجاب بصوتٍ هادئ، يشبه البيوت العامرة: ” الآن… سأبيت سعيدًا، لأن المعنى وصل.” وهنا تذكّرت قول الرافعي: “الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب.” ولم تكن تلك الكلمات حديثًا… بل كانت تأسيسًا لمعنى.
اللقاء الذي لا يترك بابًا للاعتذار
وفي اليوم التالي، لم يترك لي أبو بركات مساحةً للتراجع… بل ترك لي مساحةً للذهاب إليه. أرسلْتُ له الموقع، فجاء بنفسه… لا بسيارته فقط، بل بحضوره الذي يحمل دفءَ البيوت القديمة، تلك التي كانت تُفتح أبوابها قبل أن يُطرق الباب. في الطريق، لم يكن الحديث عن تفاصيل عابرة… بل كان عن نعم الله، عن فضلٍ لا يُعد، وعن شكرٍ لا ينبغي أن ينقطع. كان حديثًا يُشبه الطريق إلى البيوت الطيبة… مستقيمًا، هادئًا، ومليئًا بالطمأنينة.
بيتٌ إذا دخلته… تذكّرت أمك
دخلتُ بيت السيد بركات… ولم أشعر أنني زائر. ذلك الشعور الذي لا يُصطنع… حين تشعر أن الجدران تعرفك، وأن المكان يرحب بك دون أن يتكلم. هناك بيوت، كما قال حكيم: “لا تسكنها الأجساد… بل تسكنها الأرواح.” وكان هذا البيت واحدًا منها.
مائدة أم بركات… ليست مائدة طعام، بل ذاكرة.
ذاكرةٌ أعادتني إلى أمي، رحمها الله، حين كنا نعود من المدارس، ثم من الجامعة، فنقرأ الطعام قبل أن نأكله… نشمّه، نستشعره، نعرفه. وهنا… تكرر المشهد. كانت الملوخية الجافة “الناشفة” تُعلن حضورها قبل أن تُرى، كأنها تقول: “هنا بيتٌ يعرف معنى الأصالة.”
هندسة المائدة… حين يصبح الطعام فنًا
جلسنا إلى المائدة… فإذا بها ليست ترتيب أطباق، بل هندسة. تنسيقٌ يُشبه مخططًا معماريًا دقيقًا، حيث لكل طبق مكان، ولكل لون رسالة. البلطي المقلي… بخلطةٍ سرية من أم بركات، لم تكن مجرد خلطة، بل كانت خلاصة أقاليم وسواحل، امتزجت فيها خبرة السنين بذوقٍ نادر.
كنت أتساءل: هل تأكل السمك؟ أم تأكل الخلطة؟ بل وتكاد تُقسم أنك لن تفرّط في الشوك من شدّة ما امتزج الطعم بالروح. وبجواره… السنجاري القاروص، كأنه فصلٌ آخر من نفس الرواية، يختلف في الأسلوب، ويتفق في الإبداع.
ثم يأتي الأرز الصيادية بالجمبري… ويا للعجب، كل ملعقةٍ أجمل من سابقتها، كأنك تصعد سلّمًا من اللذة، لا تعرف فيه نهاية. والملوخية بالجمبري… والبابا غنوج… ذلك الذي لا يتغير عبر الأوطان، لأنه يحمل توقيع الأمهات، لا وصفات المطابخ. السلطة… بستان. الفلفل الأخضر… روح.
الخيار… بساطة. الجبنة القديمة “المِش” … أصالة مصرية خالصة. الخبز اللبناني… قرمشة تُكمل المعنى. والمخلل… حكاية لا تُروى. كانت المائدة تقول بصمت: “نحن لا نقدّم طعامًا… نحن نقدّم بيتًا.”
المائدة التي لا تريد أن تغادرها
وقليلٌ من الموائد تلك التي تتمنى ألا تقوم منها… ليس فقط لجمال الطعام، بل لأن الحديث حولها يصبح امتدادًا لها. تحدثنا عن الأمهات… عن الآباء… عن الأعمام والخالات… عن زمنٍ لم يكن فيه كل هذا التعقيد، لكن كان فيه كل هذا الصفاء. تذكّرت قول ابن خلدون: ” الإنسان ابنُ بيئته… فإذا صلحت بيئته، صلح قلبه.” وأدركت أن هذه المائدة بيئة… تُصلح ما أفسدته الأيام.
مائدة الروح… حين تتحدث القلوب الصغيرة
وبينما كنت في طريقي لغسل يدي… كانت هناك مائدة أخرى، لكن بلا أطباق. لقاءٌ عابر مع الابنة شيماء… حديثٌ خفيف عن دراستها، عن طموحها الهندسي البرمجي، عن مستقبلٍ تراه بعينٍ واثقة. كانت واقفة ببسمةٍ تقول دون أن تنطق: “شرفتنا يا عمو.” فدعوت لها… لا لأن الدعاء واجب، بل لأنه خرج دون استئذان.
المائدة الثالثة… حين يكتمل المشهد
ثم جاءت الفاكهة… تفاح، برتقال أبو صرّة، موز، يوسف أفندي، تمر… ومكسرات وحلويات، كأنها خاتمة سيمفونية. الشاي… والقهوة التركية… وقدمت أم بركات لحظات، لا لتُكمل واجب الضيافة، بل لتُكمل معنى الحضور. قالت ببساطةٍ عظيمة: ” البيت بيتك… في أي وقت.” وهنا… فقط، يكتمل الكرم.
اللمسة التي لا تُنسى
وقبل الذهاب إلى المسجد… جاء أحمد، بتوصية من والده، يحمل نعلًا جديدًا، بابتسامةٍ خجولة:
“عمو… شبشب – لانج- جديد لك تذهب به للمسجد “يا لها من عبارة… صغيرة في حجمها، عظيمة في معناها. تذكّرت قول الحسن البصري: “ما زال الناس بخير ما تعاطفوا وتراحموا.” وكان هذا واحدًا من أجمل صور التراحم.
الخاتمة… حين تصبح المائدة مدرسة
لم تكن مائدة السيد بركات مجرد طعام… بل كانت درسًا في الأخلاق، في التربية، في العلاقات، في الذوق، في الإنسانية. مائدةٌ تُعلّمك أن الكرم ليس فيما يُقدّم، بل في كيف يُقدّم. وأن البيوت لا تُقاس بمساحتها… بل بقلوب ساكنيها.
دعاء من القلب… لأهل المائدة
اللهم يا واسع الفضل… بارك لأبي بركات في عمره، ورزقه، وذريته، واجعل بيته عامرًا بذكرك، ممتلئًا بنورك. اللهم أدم على أم بركات نعمة العطاء، واجعل كل ما قدّمته في ميزان حسناتها، واجعل بيتها مأوى للخير، ومنبعًا للسكينة. اللهم احفظ أبناءهم: بركات، وحفصة في غربتهما، ويسّر لهما طريق العلم، واجعلهما من النافعين لأمتهما. وشيماء، حقق لها طموحها، واجعل مستقبلها أجمل مما تتمنى. وروضة، وأنبتها نباتًا حسنًا، واجعلها من الصالحات. وأحمد، ذلك القلب الصغير الكبير، بارك فيه، واجعله امتدادًا لهذا الكرم. اللهم اجعل هذه البيوت التي تُكرم عبادك… من البيوت التي تُكرمها في الدنيا والآخرة، واجعلنا ممن إذا ذُكر الكرم، تذكّرهم، وإذا ذُكر الوفاء، دُعينا لهم.
وفي النهاية… بعض الموائد لا تُنسى… لأنها لم تُقدَّم لك، بل قُدِّمت لك فيها نفسك… كما يجب أن تكون.