
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
في مساءٍ دافئ من أمسيات الأحد، الخامس من أبريل 2026، في الدوحة- قطر… لم يكن الهاتف مجرد وسيلة تواصل، بل كان رسولًا خفيًا يحمل في صوته نبرة مودةٍ صادقة، ودفء قلوبٍ تعرف طريقها دون استئذان.
رنّ الهاتف… وإذا بالصوت العذب، صوت “أبو مازن”، يسأل بكل بساطةٍ واهتمام: “هل أنتم موجودون في مقر الإقامة؟” أجبته مرحبًا، لا بصفتي مستضيفًا، بل بفرح من وجد في صوته سكينة: “أهلًا وسهلًا… تشرفنا، تعال نشرب كوب شاي معًا.”
لكنّ ما كان في قلب أبي مازن لم يكن شايًا… بل حكاية كاملة،اختُصرت في جملة صادقة: “حقيقةً عملنا محشي… ولم نطعمه، إلا أن تتذوقوا منه شيئًا بسيطًا… نحضره لكم، فنحن نعلم مشاغلكم.”
حاولت الاعتذار، لا ردًا للجميل، ولكن حياءً من كرمٍ يفيض… فأبى إلا الإصرار… وكأن الإصرار هنا ليس على الطعام، بل على أن تبقى روابط الود أقوى من اعتذارات الانشغال.
وما هي إلا لحظات… حتى حضر “أبو مازن” برفقة ابنه “رائد”… يحملان بين أيديهما ما ظننته طعامًا، فإذا به لوحة… وإذا به مشهد… وإذا به درس. لم يكن طبق “محشي”… بل كان مائدة تمشي على قدمين.
طبقٌ يجمع بين الكرنب والعنب، والفلفل والباذنجان، والمنبار… تتجاور فيه الألوان كما تتجاور القلوب، وتتداخل فيه النكهات كما تتداخل الأرواح في لحظات الصفاء.
ويعلوه السمان… ويزهو بجانبه دجاجٌ محمّر، وكأن المائدة تقول: “نحن لا نقدم طعامًا… نحن نقدم فرحًا.”
ومع ذلك… كان هناك تفصيل صغير، لكنه عظيم الدلالة… باكتٌ من التمر.
التمر… الذي لا يأتي آخرًا، بل يأتي شاهدًا… أن في هذا البيت جذورًا تعرف البركة، وأن في هذه المائدة روحًا تعرف أن الكرم ليس في الكثرة، بل في النية.
جلستُ أمام هذا الطبق… لا كآكل، بل كمتأمل. فهذا ليس عشاءً عابرًا… بل هو عشاءٌ امتد إلى سحور… ثم إلى إفطار يوم الاثنين. وكأن البركة قررت أن تسكن هذا الطبق، فلا تغادره.
وهنا تذكرت قول الحكماء: “ليست العطايا بما تُعطيه اليد، بل بما يفيض من القلب.” وتذكرت أيضًا أن بعض الناس يطهون الطعام… وبعضهم يطهون المعاني. وأم ريم… كانت تطهو المعنى قبل أن تطهو المحشي.
ففي كل ورقة عنب… كان هناك صبر.
وفي كل لفّة كرنب… كان هناك عناية. وفي كل حبة أرز… كان هناك دعاءٌ خفي. وهذا هو السر… أن الطعام الذي يُطبخ بالمحبة… لا يُؤكل فقط، بل يُحسّ.
أما “رائد”… ذلك الابن الذي لم يكن مجرد مرافق، بل كان امتدادًا لروح أبيه… يحمل الطبق لا بيديه فقط، بل بأدبٍ تعلمه، وبقيمةٍ ورثها. فالأب الذي يزرع الكرم… لا يحصده وحده، بل يراه يمشي في أبنائه.
وفي تلك اللحظة… أدركت أن بعض الزيارات لا تُقاس بزمنها، بل بأثرها.
وأن بعض الموائد لا تُنسى، لأنها لم تُقدّم للطعام… بل قُدّمت للإنسان.
قال أحد الحكماء:“البيوت التي يخرج منها الطعام محمّلًا بالحب… لا تعرف الفقر، ولو قلّ فيها المال.”
وأبو مازن وأم ريم… لم يقدّما طعامًا فحسب، بل قدّما درسًا في معنى “أن تكون إنسانًا”. أن تشعر بالآخر… قبل أن يطلب. وأن تبادر… قبل أن تُدعى.
وأن تُصرّ على الخير… وكأنك تخاف أن يفوتك أجره.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية… أنها لم تُخطط، ولم تُرتب…بل جاءت عفوية… كما تأتي أجمل الأشياء في الحياة.فالمحبة لا تُجدول… والكرم لا يُؤجل… والقلوب الصادقة… لا تحتاج إلى موعد.
وفي نهاية هذا المشهد… لم يبقَ في الذاكرة طعم المحشي فقط… بل بقي طعم الوفاء. وبقيت صورة إنسانٍ اتصل… ليعطي. وإنسانةٍ أعدّت… لتُسعد. وابنٍ حمل… ليُكمل الرسالة.
اللهم يا واسع الكرم، ويا من جعلت العطاء صفةً من صفات أوليائك…
نسألك أن تبارك في أبي مازن، وأن تزيده من فضلك، وأن تجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، نورًا في دنياه وآخرته. اللهم وبارك في أم ريم، واجعل يدها التي أعدّت هذا الخير يدًا مباركة، لا تمسّها إلا السكينة، ولا يحيط بها إلا الرضا.
اللهم واحفظ ريم ورزان، واجعلهما قرة عينٍ لوالديهما، وازرع في قلبيهما جمال الخلق، وطيب الأصل، ونبل العطاء.اللهم وبارك في رائد، واجعله امتداد خير، وسند عز، ورجلًا يحمل من اسمِه نصيبًا، فيرود ميادين الحياة بالخير والفضل.
اللهم اجعل هذا البيت عامرًا بالمحبة، معمورًا بالبركة، لا يدخله همّ، ولا يعرف طريقه الحزن…
وأدم بينهم الودّ ما دامت السماوات والأرض. فإن كانت هناك موائد تُشبِع الجسد… فهذه المائدة… أشبعت الروح.