مائدة لا تُروى… بل تُعاش: حين يصبح الكرم سيرة وطن، في بيت هيثم الفرعي – أبو مازن.

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

في الحياة لقاءاتٌ تمضي، وأخرى تمكث في الروح كأنها لم تُخلق إلا لتُكتب في سجلّ القلب، لا في صفحات الورق. وما كان مساء ذلك الخميس في مسقط 9 أبريل 2026، إلا من تلك اللحظات التي تتجاوز حدود الضيافة لتدخل في باب القيم، وتترجم معنى الإنسان حين يكون إنسانًا قبل كل شيء. بدأت الحكاية برسالة… لكنها لم تكن رسالة عابرة، بل كانت نبضًا يحمل عبق الأرض العمانية، تلك الأرض التي قال عنها الحكماء: “من لم يُكرم الضيف، فقد جهل نفسه قبل أن يجهل ضيفه.” وهي حكمة تُروى عن بعض شيوخ البادية في عمان، حيث كان الكرم ليس خيارًا، بل هوية.

حين علم العزيز أبو مازن بوجودنا في مسقط، لم يسأل عن تعب السفر، ولا عن تفاصيل البرنامج، بل سأل سؤال العارفين بقيمة اللقاء: متى نراكم؟ وكأن اللقاء عنده عبادة، لا موعدًا عابرًا. ورغم محاولتنا أن نختصر اللقاء في فنجان قهوة، إلا أن الكرم إذا تحرك في قلب أصيل، لا يعرف الاختصار… بل يعرف الاكتمال.

الاستقبال…حين تتكلم العيون قبل الكلمات

جاء الموعد…ولم نكن ندرك أن الطريق إلى البيت هو طريق إلى معنى. عند باب المنزل، كان أبو مازن واقفًا… لا يستقبل ضيوفًا، بل يستقبل أحبة. تقرأ في وجهه فرحًا لا يُصطنع، وفي عينيه بريقًا لا يُشترى، وفي خطواته لهفة لا تُخفى. المصافحة لم تكن مجرد تحية، بل كانت لغة كاملة من الحنان، تُذكّرك بقول أحد حكماء عمان: “اليد التي تصافحك بصدق، تسبق لسانها في الترحيب.”

وفي الخلف، كانت الوجوه الطيبة تتراءى… أبناءٌ كأنهم امتداد للنور ذاته، ذرية بعضها من بعض، هدوء في الحضور، وبسمة فيها طمأنينة، كأنهم تربّوا على أن الكرم ليس فعلاً يُمارس، بل روحٌ تُورّث.مازن وإخوته… حضورهم كان رسالة بحد ذاته:
أن البيت الذي يُبنى على القيم، يُنجب قلوبًا لا تعرف إلا الصفاء.

صينية العصير… حين يتكلم البستان

قبل أن تبدأ المائدة، جاءت التحية الأولى… صينية من العصير الطبيعي، لكنها لم تكن مجرد مشروب، بل كانت ترجمة لبستان كامل. ألوانها كأنها لوحة رسمها فجرٌ عُمانيّ: برتقالي كالشروق، أحمر كنبض الحياة، وأخضر كطمأنينة الأرض.لم يكن العصير يُشرب فقط… بل يُتذوق كحكاية، وكأن كل كأس يقول: “هذا من تعب الأرض، ومن عرق من سقاها، ومن حب من قدّمها.”

المائدة…هندسة الكرم حين يبلغ ذروته

ثم جاءت المائدة…وهنا، تعجز اللغة، ويتلعثم الوصف. صينية عظيمة، يحملها اثنان، وكأنها تحمل تاريخًا لا طعامًا. في قلبها، ذبيحة مُهندسة بعناية، تعلو الأرز الأبيض الذي تزينه لمسات من الأصفر، كأنها شمسٌ أشرقت فوق سحابٍ ناصع. حولها… أطباق شوربة الشعرية والخضروات، وكأنها حراسة للجمال، وأطباق الليمون المتقطع، تنثر نكهة الحياة،
والجرجير والطماطم، بألوانها التي تُشبه الأرض حين تفرح، والخيار المقشّر مع دوائر البصل، في ترتيب يُشبه الدقة التي لا تُرى إلا في البيوت التي تحب.

ثم جاءت “الدقوس”… بأنواعه، وبهاراته، وفلفله الأخضر، وخلطاته التي لا تُكتب في وصفة، بل تُحفظ في الذاكرة. وهنا، تذكرت قول أحد الحكماء العمانيين: “الكرم ليس في كثرة الطعام، بل في أن تشعر أن كل لقمة قُدمت لك بمحبة.” وكانت كل لقمة… كذلك.

أبو مازن…حين يتحول المضيف إلى قصة

لم يكن أبو مازن جالسًا… بل كان حاضرًا في كل تفصيلة. يقطع اللحم بيده، ويضعه في الأطباق دون أن ينتظر سؤالًا أو رأيًا، وكأنه يقول بلغة الفعل: “الضيف يُكرم قبل أن يطلب.” لم يكن ذلك تصرفًا، بل طبيعة. ولم يكن جهدًا، بل سجيّة. وفي حديثه، كانت الروح تتدفق…
كلمات تُكتب بماء القلب، لا بحبر اللسان، وحوارات تُشبه تلك المجالس التي قال عنها الحكماء:
“إذا صفا المجلس، صار حديثه عبادة.”

الصحبة…وجوه إذا نظرت إليها اطمأن قلبك

لم نكن وحدنا…بل كانت هناك ثلة من الرجال الذين يُسعدك أن ترى وجوههم قبل أن تسمع كلماتهم.
وجوه فيها سكينة، وحديث فيها رقي، وابتسامة فيها صدق. العزيزان أبو لؤي وأم لؤي… كان حضورهما إضافة لا تُوصف، بهجة تتسلل بهدوء، وحديث رقيق يُشبه النسيم.

ومع الشاي…ذلك الشاي الذي لا يُشرب، بل يُحتفى به، بدأت حكايات الأسفار، وذكريات تُروى، وضحكات تُولد من تفاصيل صغيرة. ومن بين تلك الحكايات… كانت “التفاحة” التي بلغت قيمتها 400 دولار! لكنها لم تكن تفاحة بقدر ما كانت رمزًا لرحلة، وذكرى، وموقف يُحكى ليُضحك، ويُتأمل.

وحضر كذلك الأعزاء: أبو خالد -وليد السعدي-، وأبو عمار شقيق أبي مازن… فازداد المجلس ثراءً، وتكاملت اللوحة.

الإصرار الجميل…حين يصبح الكرم إلحاحًا محببًا

ولم يكن الكرم ليقف عند هذا الحد…بل كان هناك إصرارٌ من أبي لؤي وأم لؤي على أن يكون الغد امتدادًا لهذا اللقاء، بغداء يجمعنا مرة أخرى. وكان الاعتذار صعبًا…
لأنك لا تعتذر عن كرم، بل تعتذر عن تقصير في استقباله.

اتصال يربط القلوب…حضور الغائبين

وفي خضم هذا الدفء، تم اتصالٌ مع العزيز د. مجدي أبو عبدالرحمن… لم يكن اتصالًا عابرًا، بل كان امتدادًا للروح ذاتها، حيث لا تُقاس المسافات بالأميال، بل بالقرب في القلوب.

حين تتحول المائدة إلى درس

في تلك الليلة، لم نتناول طعامًا فقط…بل تعلّمنا. تعلّمنا أن الكرم ليس مائدة، بل موقف. وأن الضيافة ليست واجبًا، بل رسالة.وأن الإنسان يمكن أن يكون وطنًا… إذا امتلأ قلبه بالقيم. وتذكرت قولًا يُنسب لبعض حكماء عمان: “البيوت تُعرف بأبوابها، والرجال تُعرف بمواقفها.”وكان بيت أبي مازن… بابًا مفتوحًا على المعنى،
وكان هو… موقفًا يُحتذى.

خاتمة..دعاء يليق بمقام اللقاء

اللهم يا واسع الفضل، يا من بيدك مفاتيح القلوب قبل الأبواب…
نسألك أن تحفظ عمان دار أمنٍ وأمان، وأن تظل أرضها عامرة بالإيمان، مطمئنة بالإحسان، مزدانة برجالها ونسائها الذين جعلوا من الكرم دينًا، ومن الأخلاق عنوانًا. اللهم بارك في أبي مازن وأهله وذريته، واجعل بيته عامرًا بالسكينة، ممتلئًا بالبركة، متصلًا بنورك الذي لا ينطفئ، وارزقه صحةً لا تزول، وعمرًا في طاعتك موصول.اللهم كما جمعنا على مائدةٍ امتلأت بالمحبة، فاجمعنا على موائد رحمتك في الدنيا والآخرة، واجعل لقاءنا شاهدًا لنا لاعلينا.اللهم احفظ الحاضرين والغائبين، ومن أحبونا فيك، ومن أحببناهم فيك، وبارك في أعمارهم وأرزاقهم، وألبسهم لباس العافية.

اللهم احفظ بلاد المسلمين كافة، واربط على قلوب أهلها، واجعلها ديار أمنٍ وسلام، وارفع عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن.اللهم اجعلنا من الذين إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا، واكتب لنا من هذا اللقاء أثرًا لا يُمحى، ونورًا لا ينطفئ. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top