لم يكن اتصالًا عابرًا… بل كان نداءَ قلبٍ يعرف الطريق قبل أن تُرسم له الخرائط.

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

في مساء الأحد، الثاني عشر من أبريل 2026، هنا في الدوحة، حيث تتشابه الوجوه وتختلف النوايا، جاءني اتصال من محمد عبدالرحمن… لم يكن في صوته ما يلفت الانتباه بقدر ما كان فيه ما يطمئن القلب. كلمات قليلة، لكنها محمّلة بما لا يُقال: “نمرّ عليك… نطمئن… ونشرب فنجان قهوة.”
أغلقت الهاتف، وبقيت الجملة مفتوحة في داخلي… تتردد كدعاء خفي، أو كخبر سعيد تأخر وصوله.

في داخلي تمنّيت أمنية بسيطة جدًا، لكنها بدت وكأنها ثقيلة: أن يأتي… بلا شيء يحمله سوى قلبه وصفائه.
فقط حضوره، فقط وجهه، فقط تلك الطمأنينة التي تسير معه حيثما ذهب.

لكننا – يا صديقي – في عالمٍ لا يُحسن استقبال الحب إلا إذا جاء محمولًا… ولو على استحياء. جاء على الموعد… وهذا في ذاته خُلق نادر، كما قال أحد الحكماء: “من احترم الوقت، فقد احترم قلب من ينتظره.”

طرق الباب… ولم يكن الطارق أبو مازن محمد وحده. كان الطارق معه قلب أم، ودفء بيت، وكرم لا يُعلَّم بل يُورث. دخل، وبيده حقيبة،
وهنا، ابتسمت في داخلي ابتسامة من يعرف أنه خسر معركة لطيفة مع الحياء. فتحت الحقيبة، فإذا بها ليست طعامًا… بل رسالة حب مكتوبة بلغة المطبخ، وموقّعة باسم “أم ريم”.

طبق مكرونة بتتبيلة الدجاج… ليس مجرد طعام، بل حكاية بيت يعرف كيف يطعم من يحب. والدجاج المُحمَّر… ليس لونًا ذهبيًا فقط، بل أثر يدٍ تقول: “نحن معك، حتى لو لم تطلب.” أما طبق الخضار المشكّل… فليس بستانًا، بل وطنًا صغيرًا اجتمعت فيه كل الألوان لتقول: “الحياة أجمل حين نتقاسمها.” ولم تكن الكمية عادية… بل كانت كأنها تقول: “نحن لا نزور أفرادًا… نحن نزور قلوبًا، ونكفي من حولها.”

تأملت المشهد طويلًا… ووجدتني أمام درس لا يُدرّس في الجامعات، ولا يُكتب في كتب الإدارة أو العلاقات العامة. درس اسمه: “كيف تكون إنسانًا… دون أن تتكلّف.”

قال أحد الحكماء: “الكرم الحقيقي هو أن تعطي قبل أن يُطلب منك، وأن تشعر بما لم يُقال لك.”وهذا ما فعلته أم ريم…لم تسمع أمنيتي بأن يأتوا بلا شيء، لكنها سمعت ما هو أعمق: أن القلب يحتاج إلى حضورٍ يُترجم، لا إلى كلماتٍ تُقال.وما أجمل أن يكون في الحياة أناسٌ… إذا حضروا، حضر معهم معنى الطمأنينة، وإذا غابوا، بقي أثرهم كدعاء مستجاب.

جلسنا… وتحدثنا… وشربنا القهوة…
لكن الحقيقة أن القهوة كانت مجرد شاهد، أما الحكاية فكانت تُكتب في صمت النظرات، وفي دفء التفاصيل. محمد عبدالرحمن لم يأتِ وحده… بل جاء ممثلًا لبيتٍ اسمه “أبو مازن”، بيتٌ لا يُقاس بما فيه، بل بما يفيض منه.أبو مازن… ذلك الاسم الذي لا يُذكر إلا ويأتي معه معنى السند، وأم ريم… التي تثبت أن الأمومة ليست فقط في الأبناء، بل في كل من يمر بحياتها،
وريم… ورزان… ورائد… أسماء لا تُنطق، بل تُحس.

في تلك اللحظة، تذكرت قول حكيمٍ آخر، لم يعرفه الناس لكنه عرف الحياة: ” ليست العائلة من تسكن معك، بل من تسكن فيك.”

وهذا ما حدث…دخلوا بيتي… لكنهم في الحقيقة دخلوا قلبي. ولعلي أدركت أن بعض الزيارات لا تُقاس بمدتها، بل بما تتركه من أثرٍ لا يزول.
غادروا… لكنهم لم يرحلوا.

بقيت الحقيبة…وبقي الطعام…
وبقيت الرائحة…لكن الأهم… بقي ذلك الشعور الذي لا يُوصف. شعور أنك لست وحدك…أن هناك من يتذكرك دون مناسبة، ويأتيك دون حاجة، ويعطيك دون حساب. وهنا، فقط، تفهم معنى قول أحدهم:
“بعض الناس، إذا حضروا، اعتدل ميزان الحياة.”

جلست بعدهم طويلًا…أعيد ترتيب المشهد في داخلي، وأدرك أن الله إذا أحب عبدًا، أرسل له من يذكّره بهذا الحب… دون أن يقول كلمة واحدة.

يا رب…
كما جمعتنا على هذه اللحظة الطيبة، فاجمعنا دائمًا على ما يرضيك، وأدم بيننا الود الذي لا تغيّره الأيام، ولا تُضعفه المسافات.

اللهم احفظ هذه الأسرة الكريمة…
أبا مازن، واجعل في وجهه نور السكينة، وفي خطاه بركة السند.
اللهم بارك في أم ريم، واجعل كل ما صنعت من حبٍ وطعامٍ في ميزان حسناتها، واجعل قلبها مأوى للرحمة التي لا تنضب. اللهم احفظ ريم، واجعلها زهرة لا يذبل عطرها، وحقق لها من الخير ما يليق بنقاء قلبها.
اللهم احفظ رزان، واملأ أيامها طمأنينة، واكتب لها سعادة لا تنقطع.
اللهم احفظ رائد، واجعله سندًا وعزًا، واكتب له طريقًا من نورٍ لا ينطفئ.

اللهم اجعل هذا البيت بيت بركة،
لا يدخله همّ إلا خرج، ولا ضيق إلا انفرج، ولا حاجة إلا قُضيت.اللهم كما أطعموا من غير سؤال،فأطعمهم من خيرك بلا حساب،وكما أسعدوا قلبًا،فأسعد قلوبهم أضعافًا مضاعفة.

وفي الختام…أدركت أن بعض المقالات لا تُكتب بالحبر… بل تُكتب بالمواقف. وهذا الموقف…لن يكتبه أحد كما كُتب في قلبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top