|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
هناك لحظاتٌ لا تُروى لأنها حدثت، بل لأنها لامست شيئًا عميقًا فينا لم نكن نعرفه… لحظاتٌ تبدو قصيرة في حساب الزمن، لكنها تمتد في وجداننا كأنها عمرٌ كامل. وما جرى في مسقط يوم الجمعة 10 أبريل 2026، لم تكن زيارةً عابرة، ولا قهوةً على عجل، بل كان درسًا مكتمل الأركان في معنى الضيافة، وامتحانًا رقيقًا للقلوب: هل ما زالت تعرف كيف تُحِب؟ وكيف تُكرم؟ وكيف تُصِرّ على الخير حتى يتحقق؟
بين الاعتذار والإصرار… تُولد الحكايات التي لا تُنسى
كانت البداية عادية… اعتذارٌ مهذب، وضيق وقت، وارتباط بموعدٍ لا يحتمل التأجيل. عودةٌ من وداع صديقٍ في المطار، والساعة تمضي كأنها تُسرع بنا نحو الالتزامات أكثر مما تسمح لنا باللقاءات. لكن هناك من لا يرى في الوقت عائقًا إذا كان اللقاء يحمل معنى… هناك من يؤمن أن بعض الزيارات ليست رفاهية، بل ضرورة للروح. هكذا كانت أم لؤي… إصرارٌ لا يشبه الإلحاح، بل يشبه الحُب حين يطرق الباب بأدبٍ ويقول: “لن أطيل… عشر دقائق فقط”. وكأنها تعلم، بيقين القلب، أن بعض العشر دقائق قادرة أن تغيّر أشياء كثيرة.
وحين قيل: “لا تردني”… لم تكن جملةً عابرة، بل كانت مفتاحًا لقصةٍ كاملة. فكما قال أحد الحكماء:
“ليست القلوب التي تُقنع بالكلام، بل تلك التي تُستجاب لندائها دون تفسير.” وكان الرد: “لبيك أختاه”… كلمةٌ قصيرة، لكنها تحمل في طياتها كل الاستجابة، وكل التسليم، وكل الانفتاح على ما سيأتي.
البيت الذي لم يكن بيتًا… بل ميثاق كرم
حين وصلنا، لم نستقبلنا جدران، بل استقبلتنا أرواح. لم يكن هناك بابٌ يُفتح، بل قلبٌ يُفتح على مصراعيه.
أبو لؤي في المقدمة… هيبةُ المضيف الذي لا يتصنّع الكرم، بل يعيشه. وإلى جواره أم لؤي… تلك التي تدير المشهد لا كواجب، بل كفنٍّ راقٍ، حيث التفاصيل الصغيرة تتحول إلى رسائل حب صامتة.
وحولهم الأبناء: طارق ولؤي،والشقيق هيثم، وأحفادٌ كأنهم قطع من نور: الوليد والهيثم، وحفيدةٌ تحمل اسمها دلالتها: شمس… وكأن الاسم اختير ليصف حضورها. لم يكن المشهد ترتيبًا عائليًا فحسب… بل كان لوحةً مكتملة من الانسجام، حيث كل فردٍ يؤدي دوره دون أن يشعر أنه يؤدي دورًا.
مائدة… أم بستانٌ يُقدَّم في صمت؟
لم تكن مائدة… بل بستانٌ فُرِش أمامنا. العنب بألوانه، كأن عناقيده تروي قصة صبر الأرض. البرقوق… المانجو… الشمام… البطيخ… والبرتقال… كل طبقٍ لم يكن مجرد فاكهة، بل لوحةً فنية تُقدّم بعينٍ تعرف الجمال قبل أن تعرف الكرم.
ثم جاءت الحلوى العمانية… والبسبوسة… والتمر الذي حمل لمسات أبو لؤي، وكأن كل حبةٍ فيه تقول: “هذا صُنع بمحبة”. القهوة العربية… الشاي… الأزهار التي لم تكن للزينة فقط، بل كانت جزءًا من المشهد العام… وكأن المكان كله يُهمس: “هنا… لا يُقدَّم الشيء، بل يُقدَّم الشعور”. كما قال أحد الحكماء: “الكرم ليس فيما يُقدَّم، بل في الطريقة التي يُشعِر بها من يُقدَّم له.” وهنا… كان الشعور هو العطاء الحقيقي.
حديث لا يُسمع… بل يُحَسّ
لم يكن الحوار مجرد كلمات… بل كان امتدادًا لذاكرة. حديثٌ عن الأجداد… عن الأصالة… عن تلك القيم التي لا تُدرَّس، بل تُورَّث في السلوك. كانت البسمات تتكلم… والنظرات تُكمل ما تعجز عنه العبارات. وكان واضحًا أن هذا البيت لا يحتفي بالضيف، بل يحتفي بالمعنى الذي يحمله الضيف. وهنا تتجلى إحدى أعظم حقائق العلاقات الإنسانية: “نحن لا ننجذب إلى من يُشبهنا في الشكل، بل إلى من يُشبهنا في الجوهر.”
عشر دقائق… أم عمرٌ من الأثر؟
قيل إنها عشر دقائق… لكنها كانت كفيلة أن تعيد ترتيب أشياء كثيرة في الداخل. كيف يمكن للزمن أن يُخدع بهذا الشكل؟ كيف يمكن للحظةٍ قصيرة أن تترك هذا الامتداد الطويل في الذاكرة؟ الحقيقة… أن الزمن لا يُقاس بالدقائق، بل بما يحدث فيها.
وما حدث هناك، لم يكن زيارة… بل كان تذكيرًا بأن الخير ما زال حيًا، وأن الكرم لم يصبح قصة تُحكى عن الماضي، بل واقع يُعاش.
الهدايا… حين تُصبح امتدادًا للقلوب
لم نغادر كما دخلنا…حملنا معنا هدايا، نعم… لكنها لم تكن أشياء، بل كانت رسائل. كل هدية كانت تقول: “لم ننتهِ بعد… نحن معكم”. وكأن الكرم الحقيقي لا يقف عند باب البيت، بل يرافق الضيف حتى بعد الرحيل.
وداعٌ لا يُغلق الباب… بل يفتحه
حين حان الوداع، لم يكن وداعًا… بل وعدًا بلقاءٍ قادم. القلوب بقيت معلقة… كأن جزءًا منها لم يغادر المكان. وهنا نفهم معنى قول أحد الحكماء: “البيوت التي تُبنى بالمحبة، لا تُغادرها الأرواح بسهولة.”
عُمان… حين تُختصر في بيت
في تلك اللحظة، لم تكن التجربة تخص بيت أبو لؤي وأم لؤي فقط…
بل كانت صورةً مصغّرة عن عُمان كلها. بلدٌ لا يُعرّف بجغرافيته فقط، بل بأهله… بأخلاقهم… بكرمهم… بذلك الصفاء الذي لا يُصطنع.
الدعاء… حين يكون أقل من الشعور
اللهم كما جمعتنا على خير، فاجمعنا دائمًا على ما تحب وترضى،واحفظ أم لؤي وأبو لؤي، وطارق ولؤي وهيثم، وأحفادهم الوليد والهيثم وشمس،
واحفظ أهلهم وذويهم، وبارك في أعمارهم، واجعل بيوتهم عامرةً بالحب، وقلوبهم مطمئنةً بذكرك.
اللهم احفظ عُمان وأهلها، واجعلها دار أمنٍ وأمانٍ وإيمان، وأدم عليها نعمة الاستقرار، وزدها من فضلك وكرمك.
الخاتمة… بعض القصص لا تُكتب بالحبر
ما حدث لم يكن زيارة… بل كان درسًا في الإنسانية، وكان تذكيرًا بأن القيم، حين تُعاش بصدق، تصبح أجمل من أي وصف. لذلك… بعض القصص لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالنور…
وتُحفظ في القلب، لا في الأوراق.