حين يأتي الكرمُ ماشيًا على قدمين

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

حكاية “أبو مازن” والمائدة التي صعدت إلى القلب قبل الطابق

في مساء الأحد، السادس والعشرين من أبريل 2026، كانت الدوحة تميل إلى هدوئها المعتاد بعد المغرب، حين جاءني اتصال الفاضل محمد عبد الرحمن “أبو مازن”، بصوته الذي يحمل دائمًا شيئًا من الطمأنينة القديمة، وقال ببساطةٍ تشبه أخلاقه: “أستاذ… نمر عليكم بإذن الله عقب المغرب، نشرب شاي.” وكانت الجملة في ظاهرها خفيفة، لكنها في داخلي أثارت ذلك الشعور الجميل الممزوج بالحياء، لأنني أعرف “أبا مازن” جيدًا…وأعرف أن الشاي عنده لا يأتي وحده أبدًا، بل يأتي محمولًا على ظهر المودة، مصحوبًا بمائدة متنقلة، كأن الرجل لا يعرف أن يزور أحدًا إلا وقلبه ممتلئ بالرغبة في العطاء. استحييت أن أقول له: “أرجوك… لا تتعب نفسك.” فالكرم حين يصبح طبعًا، يصعب على صاحبه أن يتخفف منه.

حين يصبح الطريق أقصر من المحبة

اتصل مرة أخرى يسأل عن موقع الإقامة، فأخبرته أنني سأنزل لاستقباله. نزلت… فإذا بي أراه يحمل حقيبة كبيرة بكلتا يديه، يصعد بها وكأنه يحمل شيئًا أثمن من الطعام نفسه. خرجت مني الكلمة من القلب قبل التفكير: “ليه كده يا أبا مازن؟ أرجوك… كفى كرمًا، لقد أحرجتمونا.” حاولت أن آخذ الحقيبة منه، لكنه أصرّ أن يحملها بنفسه، وكأن الرجل لا يريد أن يُسلّم أحدًا تعب المحبة التي أعدّها بيده وروحه. وفي تلك اللحظة، فهمت شيئًا عميقًا… بعض الناس لا يُقدّمون الطعام فقط، بل يُقدّمون أنفسهم داخله. وقد قال أحد الحكماء: “الهدية الحقيقية ليست ما يُحمل باليد… بل ما يُحمل بالقلب.”

جلسةٌ تشبه الزمن الجميل

دخل “أبو مازن”، وجلسنا جلسة لا تشبه اللقاءات العابرة. حديث عن الذكريات… عن الوفاء… عن الزمن الجميل حين كانت العلاقات الاجتماعية تُبنى على السؤال لا المصالح، وعلى المحبة لا المواعيد. كان الكلام يمشي بهدوء، وكأننا لا نتحدث عن الماضي، بل نستعيده حيًا أمامنا. وتحدثنا عن الناس الذين كانوا يتركون أثرًا لا صورة، وعن المجالس التي كانت تُعمر بالصدق لا بالتكلف. وفي حضرة تلك الأحاديث، شعرت أن بعض البشر لا يزورونك ليقضوا وقتًا… بل ليعيدوا ترتيب الطمأنينة داخلك.

المفاجأة التي خرجت من قلب “أم ريم

ثم جاءت اللحظة التي فتحت الحقيبة… وإذا بالمشهد الذي لا يُنسى. إناء كبير من الكشري… لكن أي كشري؟ ليس طبقًا عاديًا، بل “كشري هندسي” كما لو أن المكونات اجتمعت بتخطيط عاشق يعرف كيف يصنع من الطعام ذاكرة. هنا حضرت “أم ريم”، حتى وهي غير موجودة في المكان، لأن بصمتها كانت واضحة في كل تفصيلة. الكشري المصري التاريخي، التليد، الذي يشبه القاهرة حين تُختصر في طبق. أنواع متعددة من المكرونة، تزيد عن أربعة أنواع، وكأن مصانع المكرونة كلها اجتمعت في تلك الصينية لتعلن ولاءها للمذاق المصري الأصيل. والأرز… والعدس أبو جبة… والحمص… وكل مكوّن موضوع بميزان ذوق لا بميزان كمية. ثم جاءت الإضافات المهنية التي تُحوّل الكشري من وجبة إلى فن.

الصلصة… آه من تلك الصلصة. حين تذوقها “محمود” قال جملته التي اختصرت المشهد كله: “هذه الصلصة من عمق عربات الكشري في مصر.” وكان صادقًا… تسبيكة لا تُوصف، وبهارات تحمل روح الشارع المصري القديم، وكأن القاهرة نفسها أرسلت سلامها في ذلك الطبق. ثم طبق البصل المقلي، الذهبي اللون، المقرمش، كأنه زينة الطبق وتاجه. وعلبة “الدقة” … ذلك السر الذي لا يفهمه إلا عشاق الكشري الحقيقيون، حيث الحموضة والحرارة والعمق يلتقون في رشفة واحدة. وقد قال أحد الحكماء: “بعض الأطعمة لا تُؤكل بالجوع… بل بالحنين.” وهذا ما كان تمامًا.

القهوة التي جاءت بملامح البيت

ولأن “أبو مازن” لا يعرف الاكتمال الناقص، جاء أيضًا بـ “بدلة القهوة العربية”، وكأن اللقاء لا يجوز أن ينتهي دون عبق البن وصوت الفناجين. ثم علبة من الكيك بالشوكولاتة والفانيلا… لكن الأجمل أن كل ذلك كان من صناعة “أم ريم”. وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للبيت… فالبيت ليس جدرانًا، بل روح امرأة تعرف كيف تجعل الطعام يحمل ملامح العائلة كلها. كانت الكعكات ناعمة كأنها صُنعت من لطف، وفيها من الإتقان ما يجعل الإنسان يدرك أن الحب حين يدخل المطبخ… يتحول الطعام إلى رسالة.

ما بين الكشري والوفاء

الغريب أن المائدة لم تكن أكثر ما أثر فيّ… بل تلك الروح التي جاءت بها. أن يحمل رجل حقيبة ثقيلة بكلتا يديه ليصعد بها بنفسه، رغم إصرارك أن تساعده… فهذه ليست عادة كرم فقط، بل أخلاق رجل يرى أن المحبة لا تُرسل، بل تُحمل بنفسه. وأن تُعدّ “أم ريم” هذا كله بذوقٍ وعناية، وكأنها تُطعم أهل بيتها لا ضيفًا… فهذه ليست مهارة مطبخ، بل نقاء روح. وقد قال أحد الحكماء: “البيوت الطيبة لا تُعرف بفخامتها… بل بما تتركه في النفس بعد مغادرتها.” لكن بيت “أبو مازن” تجاوز ذلك… فهو يترك أثره حتى قبل أن تغادره.

دعاء يشبه تلك الليلة

اللهم احفظ “أبا مازن”، ذلك الرجل الذي يحمل المحبة كما يحمل الناس أبناءهم، برفقٍ وصدقٍ وإخلاص. اللهم بارك له في عمره، وصحته، وأيامه، واجعل كرمه شاهدًا له لا عليه، واجعل كل خطوة خطاها وهو يحمل تلك الحقيبة نورًا في ميزان حسناته. اللهم بارك في “أم ريم”، صاحبة اللمسة التي تحوّل الطعام إلى ذاكرة، واجعل بيتها عامرًا بالسكينة كما عمرت موائدها بالحب. اللهم احفظ “ريم”، وبارك في “رزان”، واجعل لهما من أسمائهما نصيبًا من الجمال والرقة والطمأنينة. اللهم بارك في “رائد”… أو كما أعلنها بفخرٍ طفولي جميل: “أبو علي”، واجعل له شأنًا طيبًا، وقلبًا رحيمًا، ومستقبلًا يليق بروحٍ بدأت مبكرًا في حب المعاني. اللهم أدم بينهم الألفة، واجعل بيتهم من البيوت التي إذا ذُكرت، ذُكر معها الخير.

الختام… حين يصبح الكرم ذاكرة

في تلك الليلة، لم يكن “الكشري” مجرد طعام… بل كان حكاية وفاء. وكانت الحقيبة التي حملها “أبو مازن” بين يديه أكبر من مجرد حقيبة… كانت قلبًا يمشي. وهناك أدركت أن بعض الناس لا يزورونك ليقولوا: “نحبكم” … بل يطبخونها، ويحملونها، ويصعدون بها إليك بأنفسهم، حتى تشعر أن الدنيا، رغم كل شيء، لا تزال مليئة بالقلوب النبيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top