|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
حكاية “أبو تركي” حين يصبح الكرمُ أسلوبَ حياة
في بعض الليالي، لا يذهب الإنسان إلى مجلس… بل يذهب إلى معنى. وفي مساء الخميس، الثالث والعشرين من أبريل 2026، جاءتني مكالمة العزيز ناصر الخال “أبو عبد الله”، بصوته الذي يحمل طيبةً لا تحتاج مقدمات، يدعوني إلى مجلس الكرم، مجلس “أبو تركي” محمد فخرو. اعتذرت يومها، إذ كان موعد إفطارٍ سابق قد سبق الدعوة، لكن بعض الدعوات لا تنتهي بانتهاء المكالمة، لأنها تُلقى من القلب فتظل عالقة فيه.
مرت الأيام، ثم عاد الاتصال في خميسٍ آخر، بصوتٍ يفيض مودةً وصدقًا: “تهامي… اليوم الخميس، يارب ما تكون معزومًا على الإفطار.” وكان في السؤال من اللطف ما يجعل الاعتذار صعبًا، بل مستحيلًا. قلت له: “عساه خير يا أبا عبد الله؟” فقال ببساطة الكبار: “ندعوكم إلى مجلس أبو تركي بعد المغرب… المجلس مفتوح، نستقبل رواده.” لم يكن حديث دعوة، بل حديث بيتٍ يعرف أن المجالس لا تُبنى بالجدران، بل بالوجوه التي تأنس بها الأرواح.
طلبنا “اللوكيشن”، لكن الأمر لم يقف عند إرسال الموقع، بل تبعه اهتمامٌ ومتابعة، واتصالٌ بعد المغرب، وتأكيدٌ للحضور، وكأن الرجل لا يدعو ضيفًا، بل يطمئن على أخٍ تأخر عن أهله. وفي زحام الدوحة، حيث تختلط الأضواء بالطرق الطويلة، صلينا العشاء في الطريق، ومضينا نحو مجلسٍ لم نكن نعلم أننا سنخرج منه بذاكرةٍ أثقل من الكلمات.
حين يكون الهدوء جزءًا من الضيافة
وصلنا مع بداية افتتاح العَشاء. لا صخب، ولا تكلف، ولا ضجيج استعراض… بل هدوءٌ يشبه البيوت القديمة حين كانت الطمأنينة تُقدَّم قبل الطعام. استقبلنا “أبو عبد الله” بوجهٍ مطمئن، وسؤالٍ يحمل روح الأخ الكبير:
“عساه خير؟ تأخرتم…” ثم جاءت الجملة التي تختصر أخلاق العرب حين تبقى نقية: “تفضلوا العشاء.” وكانت الدعوة تُقال وكأنها دعاء.
مائدة تُسجل في تاريخ الذوق
هناك… أدركت أن بعض الموائد لا تُوصف باعتبارها طعامًا، بل باعتبارها ثقافة روح. صينية كبيرة من الأرز الأصفر، بلونٍ يشبه دفء المجالس الخليجية، يعلوها دجاجٌ كأنما خرج من صفحات الولائم الراقية، في طعمه جمال، وفي منظره وقار. وحولها أطباق البوفيه المفتوح، كأنها خريطة حبٍّ تتوزع على الطاولة: الجريش… ذلك الطبق الذي لا يأكله الإنسان فقط، بل يشعر معه بتاريخ البيوت. والهريس، بطابعه الوقور، كأن الزمن الخليجي القديم جلس في طبق. والسمبوسة الهندية بالخضروات المقلية، وكأن الثقافات تصافحت على المائدة دون أن تفقد هويتها. أما السلطة الخضراء، فكانت بستانًا مصغرًا، يفيض بالألوان والحياة.
والتبولة كأنها نسمة شامية مرت على الخليج فتركته أكثر رقة. وسلطة البنجر والذرة والكريمة والنخي والباجيلا… كانت درسًا آخر في أن التنوع حين يجتمع بذوق، يصبح فنًا لا خليطًا. وقد قال أحد الحكماء القطريين: “البيت الذي يُحسن استقبال الاختلاف… يُحسن استقبال الناس.”
ركن الفاكهة… حيث تتكلم الطبيعة بلغة الكرم
ثم كان ركن الفاكهة، وكأنه مساحة سلام مستقلة داخل المجلس. سلطة فواكه لا تُوصف، والبطيخ، والبابايا، والأناناس، والشمام… كأن الأرض كلها قررت أن تُهدي ثمارها لتلك الليلة. ثم ركن المشروبات الطبيعية: جوافة، وليمون، وجزر… وكأن الصحة نفسها حضرت ضيفةً على المائدة. أما الحلويات، فكانت حديثًا آخر من الجمال: مهلبية بالزعفران، يختلط فيها عبق الخليج بحنان البيوت. وجيلي بألوانه الطفولية البريئة. وركن الكيك بالفانيليا والشوكولاتة، كأن الختام أراد أن يقول: “حتى الحلاوة هنا لها ذوقها الخاص.”
أبو تركي… الرجل الذي يمشي بين ضيوفه بقلبه
لكن أجمل ما في الليلة لم يكن الطعام وحده… بل “أبو تركي” نفسه. كان يمر على الصحب واحدًا واحدًا، يطمئن، يبتسم، يرحب، وكأنه لا يرى في المجلس ضيوفًا، بل أهلًا. في ابتسامته هدوء، وفي صوته طمأنينة، وفي حضوره شيء من الأدب القديم الذي لا يُدرَّس، بل يُورث.
أما عن المجلس وتاريخه في حوار هادئ مع ناصر الخال “أبو عبد الله” تحدث: كيف بدأ غرفةً صغيرة في أواخر التسعينات، حين لم يكن أحد في المنطقة تقريبًا، وكيف تحوّل منذ ما يقارب عشر سنوات إلى هذا المقام العامر بالصحبة والذكرى. كان يتحدث عن الماضي لا بحنين الحزن، بل بوفاء الذين يعرفون قيمة البدايات. حقًا، صدق من قال : “الرجال لا يُقاسون بما بنوا… بل بمن بقي يحب الجلوس معهم بعد كل هذه السنين.”وهنا فهمت سر المجلس… لم يكن سرّه في الطعام، ولا في المكان، بل في الروح التي تديره.
السؤال الذي بقي في القلب
ثم جاء صديق “أبو تركي”، يطمئن علينا وكأنه يعرفنا منذ أعوام، وقال بابتسامة صادقة: “لماذا لا تأتون كل خميس؟” وكان السؤال في ظاهره بسيطًا… لكنه في عمقه اعتراف بأن المكان فتح قلبه لك قبل بابه. بعض المجالس تُزار مرة، وبعضها يترك فيك شعورًا بأن لك كرسيًا ينتظرك ولو غبت.
المجالس التي تُربي الروح
ليست كل المجالس أماكن جلوس… بعضها يُعيد للإنسان شيئًا فقده وسط صخب الحياة: الطمأنينة. في مجلس “أبو تركي”، شعرت أن الكرم ليس مائدة فقط، بل أخلاق تمشي على الأرض. وأن التواضع ليس كلمات، بل طريقة نظر، وطريقة سؤال، وطريقة ترحيب. هناك، لا تشعر أنك ضيف… بل تشعر أنك تأخرت في الحضور فقط.
دعاءٌ يشبه تلك الليلة
اللهم احفظ “أبا تركي” محمد فخرو، وبارك له في عمره وأهله وصحبه ومجلسه، واجعل هذا المجلس شاهدًا له لا عليه، ومكانًا تُكتب فيه المودة كما تُكتب الحسنات. اللهم بارك في “أبي عبدالله” ناصر الخال، ذلك الرجل الذي يحمل في صوته دفءَ الأخوة، وفي متابعته صدق المحبة. اللهم اجعل بيوتَهم عامرةً بالسكينة، لا يدخلها همّ، ولا يغادرها فضل. وأدم بينهم الصحبة الطيبة التي إذا حضر أصحابها شعر الإنسان أن الدنيا لا تزال بخير. اللهم احفظ رواد هذا المجلس، المعروفين منهم والمغمورين، أولئك الذين لا تكتب الصحف أسماءهم، لكن تكتبهم السماء في دفاتر الطيبين.
ختامٌ لا يشبه النهايات
خرجنا من المجلس… لكن الحقيقة أن شيئًا منا بقي هناك. بقي في تلك الابتسامات الهادئة، وفي الأرز الأصفر، وفي سؤال “عساه خير؟”، وفي عبارة “لماذا لا تأتون كل خميس؟” وهناك أدركت أن بعض الأماكن لا تُبنى بالإسمنت… بل تُبنى بالأخلاق. وأن بعض الرجال، مهما حاولت اللغة وصفهم، يبقى فيهم من الجمال ما لا تقدر عليه الكلمات.