حين أعادت العشر الأُوَل من ذي الحجة تعريف القيادة… سقطت الأقنعة وبقي الإنسان

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

العالم لا يعاني من نقص القادة… بل من ندرة الأرواح الكبيرة

في صباحٍ مزدحمٍ بالشاشات والاجتماعات والقرارات والتقارير… كان أحد المديرين يجلس في الطابق الأخير من برجٍ شاهق. أرقامٌ تتصاعد. مشاريع تُوقَّع. رسائل لا تنتهي. وجوه تدخل وأخرى تخرج. تصفيقٌ كثير… لكن شيئًا داخله كان ينهار بهدوء. نظر من نافذته الطويلة نحو المدينة… فرأى البشر يركضون كما أن الحياة سباقٌ بلا خط نهاية. وفجأة… ارتفع صوت التكبير من مسجدٍ بعيد: “الله أكبر… الله أكبر… لا إله إلا الله…” توقّف للحظة. لا لأنه سمع التكبير لأول مرة… بل لأنه شعر لأول مرة أن التكبير لا يُقال للأعياد فقط… بل ليُعاد ترتيب حجم الإنسان أمام الله. في تلك اللحظة… بدأت العشر الأُوَل من ذي الحجة عملها الحقيقي. ليس في المساجد فقط… بل في تفكيك أوهام القيادة داخل النفوس. فالعالم اليوم لا يعاني من قلة المدراء… بل من قلة القادة الذين لم تبتلعهم الأنا.

القائد الذي ظن أن الكرسي يصنع العظمة

أكبر مأساة في القيادة الحديثة… أن كثيرًا من الناس دخلوا المؤسسات بقلوب البشر… ثم خرجوا منها ببرودة الآلات. تعلموا كيف يديرون الوقت… لكنهم نسوا كيف يداوون الإنسان. أتقنوا صناعة الأرباح… لكنهم فشلوا في صناعة الرحمة. يعرفون كيف يرفعون أصواتهم في الاجتماعات… لكنهم لا يعرفون كيف يخفضونها أمام أمٍّ مكسورة، أو موظفٍ متعب، أو عاملٍ أنهكه الصمت. وهنا تأتي العشر الأُوَل من ذي الحجة لتقول للقائد: “قبل أن تدير مؤسسة… تعلّم أن تدير نفسك.” فالقائد الذي لا ينتصر على غروره… لن يصنع عدلًا مهما امتلك من الشهادات. والقائد الذي لا يعرف معنى الوقوف بين يدي الله… سيبحث دائمًا عمّن يقف له. ولهذا لم يكن التكبير في هذه الأيام مجرد ذكر… بل عملية تحرير داخلية من عبودية الصورة والمنصب والسلطة. “الله أكبر…” أي: أكبر من كرسيك. أكبر من نفوذك. أكبر من خوفك على صورتك. وأكبر من وهمك أنك مركز الكون.

عرفة… حين تتساوى الأكتاف وتسقط الألقاب

في يوم عرفة… لا أحد يسأل: من المدير؟ ومن الوزير؟ ومن الغفير؟ ومن المليونير؟ الجميع يرتدي البياض نفسه… ويقف تحت الشمس نفسها… ويرفع يديه بالحاجة نفسها. وهنا تحديدًا تُولد أعظم دروس القيادة. لأن القائد الحقيقي ليس الذي يعلو فوق الناس… بل الذي يعرف أنه مثلهم أمام الله. وقد فهم عمر بن الخطاب هذا المعنى حين قال: “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها.” لم يكن يتحدث كحاكم… بل كإنسان يحمل أمانة ترتجف لها الروح. وهذا هو الفرق بين: من يرى القيادة امتيازًا… ومن يراها حسابًا ثقيلًا أمام الله. في عرفة… تنهار الطبقات المصطنعة. وهناك فقط يفهم القائد الناضج أن أعظم الهيبة ليست في أن يخافك الناس… بل في أن يأمنوا بك.

الأضحية… حين يصبح البذل لغة القائد

العالم يتحدث كثيرًا عن القائد “الذكي” … لكن العشر الأُوَل من ذي الحجة تتحدث عن القائد “المُضحّي”. فالقيادة الحقيقية ليست قدرة على جمع المكاسب فقط… بل قدرة على التنازل حين يكون التنازل شرفًا. ولهذا لم تكن الأضحية مجرد شعيرة… بل إعلانًا ربانيًا أن الأشياء العظيمة لا تُبنى بلا بذل. القائد العظيم لا يسأل دائمًا: “ماذا سأكسب؟” بل يسأل: “ما الذي يجب أن أقدمه وإن أتعبني؟” إن أخطر ما يقتل المؤسسات ليس ضعف الإمكانات… بل قادة يريدون الحصاد دون أن يدفعوا ثمن الزرع. أما القائد الذي ربّته مواسم الإيمان… فهو يفهم أن بعض النجاحات تُبنى بالصبر، وبعضها بالإنصاف، وبعضها بالتضحية الصامتة التي لا يراها أحد إلا الله.

الإحرام… الزيّ الذي هزم الغرور

ما أعظم الإحرام… قطعتان بسيطتان من القماش… لكنّهما هزمتا تاريخًا طويلًا من التفاخر البشري. في الإحرام… لا تستطيع المناصب أن تتكلم. ولا العلامات التجارية أن تنقذ صاحبها. ولا المكاتب الفاخرة أن تمنح أحدًا قيمة إضافية. وهنا تتجلى رسالة مذهلة للقادة: كل ما ترتديه الدنيا مؤقت… أما ما ترتديه روحك أمام الله فهو الحقيقة. كم من قائدٍ ظن أن الناس تحبه… بينما كانوا يخافون فقط من سلطته. وكم من إنسان بسيط… دخل القلوب لأنه كان صادقًا وعادلًا ورحيمًا. لقد فهم علي بن أبي طالب المعنى العميق للقيادة حين قال: “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.” هذه العبارة وحدها تُسقط آلاف النظريات الإدارية الباردة. لأن القيادة قبل أن تكون إدارة موارد… هي إدارة كرامة إنسان.

القائد الذي يبكي وحده

العالم يحب صورة القائد الصلب… الذي لا يهتز… ولا يتراجع… ولا يضعف. لكن العشر الأُوَل من ذي الحجة تكشف سرًا آخر: أعظم القادة هم الذين يخافون من الظلم أكثر من خوفهم من الفشل. القائد الحقيقي قد يبكي… لكن ليس خوفًا على صورته… بل خوفًا من أن يحمل يوم القيامة قلبًا كسره، أو حقًا ضيّعه، أو إنسانًا خذله. وفي التاريخ… لم يكن أعظم الرجال أكثرهم صراخًا… بل أكثرهم خشية. كان أبو بكر الصديق يقول:
“وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن.” أي روحٍ هذه؟ وأي قيادة هذه التي كلما ارتفعت مكانتها… ازداد تواضعها؟ لهذا فإن أخطر لحظة على القائد ليست حين يفشل… بل حين يظن أنه لا يُخطئ.

التكبير… العلاج الذي تحتاجه المؤسسات قبل الأفراد

“الله أكبر…” ليست جملة تُقال فقط بعد الصلاة. إنها فلسفة نجاة كاملة. حين تدخل هذه الكلمة إلى قلب القائد… يتغيّر كل شيء. فيصبح: العدل أكبر من المصالح. والرحمة أكبر من القسوة. والأمانة أكبر من المكاسب السريعة. والضمير أكبر من الاستعراض. فالمؤسسات لا تنهار دائمًا بسبب نقص المال… بل أحيانًا بسبب تضخم الأنا. مدير يريد المجد وحده. ومسؤول يريد التصفيق وحده. وقائد يخشى ظهور الناجحين حوله. لكن التكبير الحقيقي يهدم هذا المرض من الداخل. لأنه يعيد الإنسان إلى حجمه الطبيعي.

القيادة التي تصعد إلى السماء

في آخر النهار… كان ذلك المدير ما يزال ينظر من نافذته. لكن المدينة لم تعد كما كانت. أدرك فجأة أن النجاح ليس أن يراك الناس في الأعلى فقط… بل أن يراك الله صادقًا وأنت هناك. وأدرك أن أعظم القادة ليسوا الذين يملكون أعلى المكاتب… بل الذين يتركون أعمق الأثر. تذكّر موظفًا كسرته كلمة قاسية. وتذكّر عاملًا مرّ بجانبه دون أن يسأله عن حاله. وتذكّر كم مرة انتصر لرأيه… وخسر إنسانًا. ثم سمع التكبير مرة أخرى… لكن هذه المرة لم يكن الصوت خارج النافذة فقط… بل داخل قلبه. فبكى. ليس لأن العشر الأُوَل من ذي الحجة موسم عظيم فحسب… بل لأنها أعادت تعريف القيادة أمامه. فهم أخيرًا… أن القيادة ليست أن تمشي أمام الناس… بل أن تحملهم معك دون أن تُسقط أحدًا. وليست أن يصفقوا لك حين تدخل… بل أن يدعوا لك حين ترحل. وليست أن تكون الأقوى… بل أن تكون الأعدل. ثم أغمض عينيه طويلًا… وكأن روحه اكتشفت أخيرًا الحقيقة التي أرهقتها سنوات طويلة: أن أعظم القادة… هم الذين كلما ارتفعوا بين الناس…
ازدادوا انكسارًا بين يدي الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top