|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم يكن الفجر عاديًا…كان الكون كلّه يبدو كما أنه يستعد لحدثٍ أكبر من اللغة، وأعمق من أن تحتويه الكتب. الأرض هادئة بطريقة غريبة… والسماء قريبة على نحوٍ لم تعهده الأرواح. حتى الريح… كانت تمرّ بخفّة من يعرف أن هذه الأيام ليست ككل الأيام. وفي مكانٍ بين الغيب والنور… حدث اللقاء الذي لم يشهده التاريخ.
رفعت الأرض رأسها نحو السماء لأول مرة منذ آلاف السنين… وقالت بصوتٍ متعب يشبه أنين البشرية: “يا سماء… لقد أثقلني الإنسان.” ساد صمتٌ مهيب… ثم اقترب الضوء قليلًا.
وقالت السماء برفق: “أثقلتك ذنوبه؟”
أجابت الأرض: “ليس هذا وحده… بل أثقلتني قسوته، وضجيجه، وغفلته، وحروبه، وكبرياؤه.” ثم تنهدت طويلًا وأضافت: “كم حملت فوق ظهري بشرًا يركضون خلف كل شيء… إلا أنفسهم.” ارتجف الهواء. وكان الزمن يُصغي كما لو أنه يسمع اعترافًا كونيًا لأول مرة.
قالت الأرض: “رأيت مدنًا تزدحم بالبشر… لكن القلوب فيها أكثر وحدة من الصحاري. ورأيت وجوهًا تضحك أمام الناس… ثم تبكي وحيدة في آخر الليل.” ثم خفضت صوتها وقالت: “يا سماء… لقد تعب الإنسان.”
اقترب نور السماء أكثر… وقالت: “لكنه رغم كل شيء… ما زال يعود.”
سألت الأرض بدهشة: “بعد كل هذا السقوط؟”
قالت السماء: “نعم… ولهذا أحبّه الله.”
في تلك اللحظة… مرّت تكبيرات العشر الأُوَل من ذي الحجة بينهما، كأنها أمواج نور تعبر الكون: “الله أكبر… الله أكبر… لا إله إلا الله…” فاهتزّت الأرض. وقالت: “كل عام أسمع هذه الكلمات… لكنني أشعر في هذه الأيام أن شيئًا داخل البشر يتحرك.”
فأجابتها السماء: “لأن هذه الأيام ليست وقتًا عابرًا… بل نداء عودة.” ثم أضافت: ” في هذه الأيام…
يتذكّر الإنسان حجمه الحقيقي.” وفي أقصى الأرض… كانت الجموع تتحرك نحو مكة. خطوات متعبة…
لكنها مليئة بالشوق. دموع مخفية تحت الإحرام. وقلوب جاءت من آخر الدنيا تحمل أوجاع أعمار كاملة.
قالت الأرض: “يا سماء… هؤلاء الذين يمشون فوقي الآن مختلفون.”
قالت السماء: “لأنهم تركوا خلفهم أسماءهم وألقابهم ومناصبهم… وجاؤوا بأرواحهم فقط.” ثم سكتت قليلًا وأضافت: “في العشر الأُوَل من ذي الحجة… يسقط التمثيل.”
كانت الملائكة تمرّ بين الحجيج… ترى رجلًا بكى لأن قلبه تأخر طويلًا عن الله. وترى امرأة تدعو لأبنائها كما أنها تحمل العالم في قلبها. وترى شيخًا أرهقه العمر لكنه جاء يفتش عن لحظة صفاء أخيرة قبل الرحيل.
فقالت الأرض: “يا سماء… كم يحمل الإنسان داخله من وجع لا يراه أحد.”
فقالت السماء: “ولهذا فُتحت له هذه المواسم… كي لا يموت من الداخل.”
ثم جاء يوم عرفة… وهنا تغيّر كل شيء. حتى الكون بدا وكأنه يتنفس بطريقة مختلفة. الشمس عظيمة…
لكن الرحمة كانت أعظم. ملايين الأكف ارتفعت دفعة واحدة. دعوات بلغات مختلفة… لكن الدموع كانت اللغة الوحيدة المفهومة لدى الجميع.
قالت الأرض بصوت مرتجف: “ما الذي يحدث اليوم؟ أشعر أن البشر أخفّ وزنًا فوقي.”
ابتسمت السماء وقالت: “لأن أرواحهم ترتفع.” ثم أضافت: “اليوم يقف الإنسان مجردًا من كل شيء…
إلا حاجته إلى الله.”
كانت الملائكة تنظر بدهشة. من هؤلاء الذين يخطئون ثم يبكون بهذا الصدق؟ من هؤلاء الذين يبتعدون طويلًا… ثم يعودون وكأن قلوبهم لم تعرف بابًا غير الله؟ وهنا سألت إحدى الملائكة: يا رب… كيف تحب هذا الإنسان رغم كل ضعفه؟” فجاء الجواب في المعنى الذي ملأ السماوات نورًا: “لأنه كلما ضاع… عرف طريق العودة إليّ.” فبكت الملائكة. وبكت الأرض. وبكى الزمن.
قالت الأرض: “يا سماء… “رأيت اليوم رجلًا كان قويًا أمام العالم كله… لكنه انهار في الدعاء كطفل.”
فقالت السماء: “وهناك فقط يبدأ الإنسان الحقيقي.”
ثم قالت الأرض: ورأيت فقيرًا لا يملك شيئًا… لكنه كان أغنى الناس باليقين.”
قالت السماء: “لأن القرب من الله… يعيد ترتيب معنى الغنى والفقر.”
ثم مرّت لحظة صمت… لكنها لم تكن فراغًا. كانت امتلاءً هائلًا بالرحمة. وفي تلك اللحظة… ارتفعت تكبيرة واحدة من قلب صادق: “الله أكبر…” فشعرت الأرض أن الجبال تردّدها معها. وشعرت السماء أن أبواب الرحمة تُفتح على اتساعها.
قالت الأرض: “ما سر هذه الكلمة؟ لماذا تهزّني هكذا؟”
قالت السماء: “لأن الإنسان حين يقول: الله أكبر… يتحرر للحظة من كل ما أخافه وأتعبه وأذلّه.” ثم أضافت:
“الله أكبر من حزنه… وأكبر من ذنوبه… وأكبر من خوفه… وأكبر من هذا العالم الذي ظن يومًا أنه نهاية الطريق.”
وفي مكان بعيد… كان طفل صغير يرفع يديه بالدعاء لأول مرة. وكانت أمّ تدعو لابنها الغائب منذ سنوات. وكان رجل أنهكته الحياة يهمس: “يا رب… لقد تعبت.”
فقالت الأرض: “يا سماء… كم يحمل البشر من كسور خفية.”
قالت السماء: “ولهذا لا يفتح الله لهم موسمًا واحدًا للنجاة… بل أبوابًا متكررة من الرحمة.”
ثم اقتربت السماء من الأرض أكثر… حتى بدا الكون كله كما لو أنه سجدة عظيمة. وقالت السماء:
“أتدرين ما أكثر شيء يدهشني في الإنسان؟”
قالت الأرض: “ما هو؟”
قالت: “أنه رغم كل ما يراه من موت وفقد وخيبات… ما يزال قلبه يبحث عن الأمل.” ثم أضافت: “ولهذا خُلق الدعاء.”
وفي آخر لحظات عرفة… حين بدأت الشمس تميل نحو الرحيل… كان البكاء فوق الأرض يشبه المطر.
هنا قالت الأرض: “يا سماء… أشعر أن البشر يعودون إليك اليوم كما أنهم يعودون إلى أنفسهم.”
فقالت السماء: “بل يعودون إلى حقيقتهم.”
ثم ساد الصمت الأخير… صمت يشبه الطمأنينة بعد بكاء طويل. وقالت الأرض بصوت خافت: “الآن فهمت…
العشر الأُوَل من ذي الحجة لم تأتِ ليزداد عدد العابدين فقط…” “بل ليعود الإنسان إنسانًا.” فأضاءت السماء كلها… وقالت: “ولهذا… كانت هذه الأيام أعظم أيام الدنيا.”