عيدٌ جاء ماشيًا على هيئة أسرة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

حين تتحول المعايدة إلى وطنٍ صغير من المحبة

في الحياة أعياد كثيرة… لكن قليلًا منها فقط يبقى في القلب كأنه لم ينتهِ بعد. وهناك زيارات لا تُسجل في الذاكرة بوصفها “معايدة”، بل بوصفها لحظة إنسانية نادرة، تشعر بعدها أن العلاقات الجميلة ليست مجاملة اجتماعية، بل رزقٌ من الله.

بدأت الحكاية باتصال رقيق من العزيز محمد عبد الرحمن “أبو مازن”، قبل يوم عرفة، بصوته الذي يحمل من الطيبة ما يكفي ليجعل الدعوة نفسها عيدًا قبل موعدها. قال بمحبةٍ صادقة: “أستاذ… تمنّ علينا بإفطار معنا يوم عرفة… نسعد.” وكان في كلماته ذلك الإلحاح الجميل الذي لا يضغط على القلب، بل يربّت عليه. اعتذرت ممتنًا، لكن شيئًا داخلي كان يعلم أن النفوس الكبيرة لا تتوقف عند اعتذارٍ عابر، لأن العلاقات التي تُبنى على الصفاء لا تقف عند حدود المواعيد.

اتصال العيد… حين تكون المعايدة أكبر من الكلمات

وجاء يوم العيد… ثم جاء الاتصال. لم يكن اتصال معايدة تقليديًا، بل سؤال يحمل دفء البيوت القديمة: “حضرتك موجود عقب العشاء؟ نمر عليكم.” وهنا فقط شعرت بالحرج الجميل… ذلك الحرج الذي يصيبك حين تعرف أن الطرف الآخر لا يأتي أبدًا بيدٍ فارغة. استحييت أن أقول له: “أرجوك لا تُحضر شيئًا…” لأن بعض الناس إذا منعتهم من الكرم، كأنك تمنع عنهم جزءًا من شخصياتهم.

“أنا وبرفقتي أم كرم” … والجملة التي فتحت أبواب السعادة

بعد العشاء عدت إلى المنزل، فوجدته متصلًا. أجبت سريعًا: “أهلًا أبا مازن…” فقال بابتسامته التي تكاد تُسمع عبر الهاتف: “موجود أستاذنا؟ أنا وبرفقتي أم كرم… رزان.” يا الله… ما أجمل بعض الجمل حين تأتي محمّلة بالأسرة كلها. في تلك اللحظة، تهللت الأسارير قبل أن تُفتح الأبواب.

المفاجأة السعيدة… حين يدخل العيد إلى البيت مرة أخرى

وإذا بالمفاجأة الأجمل… الأسرة الكريمة:

                • أم ريم… “أسماء طه”، تلك السيدة التي تحمل ملامح البيوت الأصيلة.

                • ريم ” أم القاسم”… بهدوئها الجميل

                • رائد… “أبو علي”، بحضوره الطفولي الذي يملأ المكان حياة

                • ورزان… “أم كرم”، التي دخلت وكأنها قطعة فرح صغيرة تمشي على الأرض

لم يكن اللقاء زيارة… بل كان العيد نفسه يدخل البيت من جديد.

أحاديث لا تشبه الأحاديث العادية

جلسنا… وكان الحوار رقيقًا بطريقة لا يمكن صناعتها. حديث عن ذكريات العيد، عن تفاصيله القديمة، عن الضحكات التي كانت تُولد من أشياء بسيطة. ثم انتقل الحديث إلى مقال الصباح: “أسماء غريب… في مثل هذا اليوم.” وإذا بالذكريات تفتح أبوابها واحدةً تلو الأخرى. حديث عن إفطار صبيحة عيد الأضحى في الكويت، عن المعايدات، عن رائحة البيوت، عن الأيام التي كانت أكثر بطئًا… وأكثر دفئًا. ثم جاء ذكر “أسماء طه” في قطر، وكأن الأسماء نفسها تحمل تاريخًا من المودة.

صناعة القادة تبدأ من المطبخ أحيانًا

ومن أجمل ما دار في الحوار… الحديث عن “الأجواء الصحية داخل البيوت”، وكيف تصنع الأسر المتوازنة أبناءً مختلفين. كان حديثًا عميقًا دون تكلف. كيف يُربّى الطفل على الاحترام؟ كيف تصنع الأم الطمأنينة؟ كيف يتحول البيت إلى مدرسة غير معلنة لصناعة القادة؟ وقد قال أحد الحكماء: “القادة الحقيقيون لا تصنعهم المنصات… بل تصنعهم البيوت الهادئة.” وفي تلك الليلة، كان واضحًا أن هذا البيت يعرف جيدًا كيف يزرع القيم دون خطب طويلة.

الوقت الذي مرّ بطريقة غير عادية

الغريب… أن الوقت مرّ وكأنه فقد قدرته المعتادة على الحساب. كانت الساعات تمضي بخفة، وكأن الأرواح حين ترتاح لا تشعر بالزمن. وقد قال حكيم: “إذا أحببت الجلسة… اختفى الوقت خجلًا.” وهذا ما حدث بالضبط.

المفاجأة الأخيرة… حقيبة العيد التي حملت روح البيوت القديمة

وبعد المغادرة… وجدت الحقيبة. وهنا فقط بدأت الحكاية الثانية. لم تكن مجرد “سفرة عيد” … بل كانت قطعة من تاريخ البيوت العربية الأصيلة. طبق من اللحم… لكن ليس أي لحم. كان يحمل نكهة “البيوت القديمة”، تلك النكهة التي لا تُشترى من المطاعم مهما ارتفع ثمنها. ثم صينية الثريد… يا الله على الثريد حين يُصنع بحب. والأجمل… طبق “الصوص” الخاص به، وكأن أم ريم تعرف أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الكمال. ثم سلطانية شوربة لسان العصفور بالخضار… دفءٌ سائل، كأنه وصفة لراحة القلب قبل المعدة.

الباذنجان الذي يحمل شخصية مطبخ كامل

ثم جاء طبق الباذنجان المخلل… لكن الحقيقة أنه لم يكن “طبقًا” فقط، بل حكاية مطبخ متكامل. تعلوه قطع الفلفل الحار الأحمر والأصفر، في مشهدٍ يجمع بين الجرأة والجمال. وكان الطعم يقول بوضوح: “هذا الطعام صُنع في بيت يعرف الذوق.”

السلطة… حين تتحول الخضروات إلى فن

أما السلطة الخضراء… فكانت “هندسة” فعلًا. خليط أوروبي عربي، بترتيب لا يبالغ في الفخامة لكنه يُتقنها. وكأن الطبق يقول إن الذوق ليس في كثرة المكونات… بل في انسجامها.

الخبز المصري… الحنين الذي يُؤكل

ومن شدة الدقة والرقة… لم تخلُ المائدة من الخبز المصري، الذي أطالته تحميصة خفيفة. وكانت تلك اللمسة وحدها كافية لتعيد للذاكرة رائحة الأفران القديمة، وصوت الأمهات في الصباحات الهادئة.

الحلويات… حين تختتم أم ريم المشهد بعبق لا يُنسى

ثم جاءت الحلويات… طبق بلح الشام، وقطعة “التمرية” التي لا تتكرر إلا من “أسماء طه – أم ريم”. وهنا فقط فهمت أن بعض النساء لا يطبخن الطعام فقط… بل يطبخن الحنين. وقد قال أحد الحكماء: “المرأة التي تُتقن تفاصيل الضيافة… تُصلح العالم دون أن تدري.”

أبو مازن… الرجل الذي لا يعرف أنصاف المشاعر

أما “أبو مازن” … فهو من أولئك الرجال الذين إذا أحبوا، أحبوا بكامل قلوبهم. لا يعرف العلاقات الباردة، ولا الزيارات الرسمية. كل شيء عنده يحمل حرارة المودة القديمة. حتى حضوره… تشعر أنه جاء ليطمئن عليك لا ليزورك فقط.

دعاء يليق بهذا البيت الجميل

اللهم بارك لأبي مازن، واجعل قلبه عامرًا بالسكينة كما يعمّر قلوب الآخرين بالمحبة. اللهم بارك في “أم ريم – أسماء طه”، تلك السيدة التي جعلت من الطعام رسالة حب، ومن البيت وطنًا صغيرًا للطمأنينة. اللهم احفظ “ريم- أم القاسم”، ورائد – أبو علي”، ورزان – أم كرم”، واجعلهم من الأبناء الصالحين المباركين، وافتح لهم أبواب الخير والنور والنجاح. اللهم أدم على هذا البيت الألفة، والرضا، والستر، والبركة، واجعل كل ما يقدمونه للناس شاهدًا لهم لا عليهم.

ختام… لماذا لم تكن هذه مجرد معايدة؟

لأن بعض الزيارات… لا تأتي لتقول “كل عام وأنتم بخير” فقط. بل تأتي لتقول: “ما زالت الحياة بخير… ما دام فيها بشرٌ يحملون العيد في قلوبهم، ثم يوزعونه على من يحبون.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top