حين تحدّثت الشجرة… حوارٌ لم يشهده التاريخ بين قائدين على طريق بناء الإنسان

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

لم تكن القاعة مزدحمة يومها بالناس بقدر ما كانت مزدحمة بالأفكار. في نهاية ورشة “البناء الفكري”، وبعد ساعات من الحديث عن المعرفة والقدرات والمهارات والقيم والأثر، خيّم على المكان صمتٌ غريب. لم يكن صمت التعب، بل صمت العقول وهي تعيد ترتيب ما سمعته. في زاوية القاعة وقفت شجرة مرسومة على لوحة كبيرة. جذورٌ عميقة. جذعٌ راسخ. أغصانٌ ممتدة. ثمارٌ ناضجة. وظلٌّ يفيض على من حوله. اقترب منها قائدان.

الأول تجاوزت خبرته عقودًا طويلة. قاد مؤسسات، وأدار مشاريع، ووقّع آلاف القرارات.

أما الثاني فكان أقل سنواتٍ في القيادة، لكنه أكثر انشغالًا بسؤالٍ واحد: كيف يُبنى الإنسان؟

تأمل الأول الشجرة طويلًا ثم قال: “أعترف أنني طوال حياتي كنت أبحث عن الثمار.”

ابتسم الثاني وقال: “وأنا كنت أبحث عن الجذور.”

نظر إليه الأول متعجبًا: “ولماذا الجذور؟ الناس لا تراها.”

فأجاب: “ولهذا تحديدًا هي الأخطر.”

سكت قليلاً ثم أضاف: “الثمار يصفق لها الناس، أما الجذور فهي التي تقرر مصير الشجرة حين تأتي العواصف.”

ظل القائد الأول ينظر إلى الشجرة. ثم قال: ” أمضيت سنوات طويلة أقيس نجاح المؤسسات بحجم المشاريع.”

فقال الآخر: “وأنا تعلمت أن المشاريع العظيمة تبدأ بأفكار عظيمة، والأفكار العظيمة تبدأ بعقولٍ واعية.”

قال الأول: ” إذن فالبناء الفكري ليس ترفًا؟”

قال الثاني: ” بل هو أول استثمار حقيقي.” ثم أشار إلى الجذور المرسومة أسفل الشجرة.

وقال: ” هنا تبدأ الحكاية.”

“المعرفة.”

 ” فكل شجرة محرومة من الماء تموت، وكل عقل محروم من المعرفة يذبل.”

” لكن المعرفة وحدها لا تكفي.” ” فكم من إنسان يحمل آلاف المعلومات ولا يملك رؤية واحدة.”

هنا تنهد الأول قائلًا: “إذن المشكلة ليست في كمية ما نعرف.”

أجاب الآخر: ” بل في نوعية ما نبني به وعينا.” ثم انتقل ببصره إلى الجذع.

 وقال: ” وهنا القدرات.” “فالناس جميعًا يملكون بذورًا مختلفة.” ” لكن الفرق ليس في امتلاك القدرة.” ” الفرق في اكتشافها، ثم صقلها، ثم توظيفها.”

قال الأول: ” كم من الطاقات دفنتها المؤسسات لأنها لم ترها.”

فقال الثاني: ” وكم من المواهب ماتت لأنها لم تجد من يؤمن بها.” ثم أشار إلى الأغصان.

وقال: ” هذه هي المهارات.” ” فالقدرة هبة، أما المهارة فصناعة.”

“القدرة تولد مع الإنسان أحيانًا، لكن المهارة تولد مع التدريب.” ” ولهذا لا يكفي أن نعرف، بل يجب أن نتقن.”

هز الأول رأسه موافقًا. وقال: ” الآن أفهم لماذا تتقدم بعض الأمم.” ” إنها لا تكتفي بالمعرفة، بل تحوّلها إلى مهارات.”

ابتسم الآخر. وقال: ” بل وتحوّل المهارات إلى ثقافة.” ثم رفع يده نحو الثمار.

وقال: “وهنا تأتي القيم.”

استغرب الأول: ” القيم ثمار؟”

فأجاب: ” نعم.” ” لأن الناس لا ترى ما في داخلك.” ” إنها ترى سلوكك.” ” وترى صدقك.” ” وترى أمانتك.” ” وترى عدلك.” ” وترى احترامك للإنسان.” ” هذه هي الثمار الحقيقية.” ثم أضاف: “وكل قيمة لا تتحول إلى سلوك، تبقى مجرد شعار.”

ساد الصمت للحظات. وكأن الشجرة نفسها بدأت تتكلم.

ثم قال الأول: ” وماذا عن الأثر؟”

رفع الثاني نظره نحو الظل الممتد حول الشجرة. وقال: “الأثر هو هذا الظل.” ” الشجرة لا تأكل ثمارها.” ” بل تمنحها لغيرها.” “ولا تستظل بظلها.” ” بل يستظل به الآخرون.”

“وكذلك الإنسان.” “حين يعيش لنفسه فقط يبقى محدودًا.” “وحين يعيش لفكرةٍ أكبر منه يبدأ أثره الحقيقي.”

ظل القائد الأول صامتًا. ثم قال بصوتٍ خافت: ” أظن أنني كنت أبني مؤسسات.”

أجابه الآخر: ” وهذا جميل.” قال: “لكنني اليوم أدرك أن بناء المؤسسة ليس البداية.”

قال الآخر: “صحيح.”  “البداية هي بناء الإنسان.”

“فالإنسان الواعي يصنع الفكرة” … “والفكرة تصنع المشروع.”.. “والمشروع يصنع المؤسسة”… ” والمؤسسة تصنع الأثر.”

ثم نظر إليه قائلًا: لكن السلسلة كلها تبدأ من إنسان.”

في تلك اللحظة شعر الأول أن سنوات طويلة من الخبرة تعيد تعريف نفسها. فقال: “إذن كل ما ناقشناه اليوم عن المعرفة والقدرات والمهارات والقيم والأثر لم تكن محاور متفرقة.”

قال الآخر: بل كانت أجزاء شجرة واحدة.”.. “إذا ضعفت الجذور اختنق الجذع.”.. ” وإذا ضعف الجذع انكسرت الأغصان.” “وإذا جفت الأغصان غابت الثمار.”.. “وإذا غابت الثمار اختفى الظل.”

ثم أردف: “ولهذا لا توجد قيادة عظيمة بلا بناء فكري.”.. “ولا يوجد بناء فكري بلا وعي.”.. “ولا يوجد وعي بلا سؤال.”

ابتسم الأول. وقال: “وما السؤال الذي يجب أن نحمله معنا بعد هذه الورشة؟”

نظر الثاني إلى الشجرة للمرة الأخيرة. ثم قال: “ليس السؤال: ماذا تعلمنا اليوم؟” “وليس السؤال: ماذا سننجز غدًا؟”

 ” بل السؤال الأهم:” “أي إنسان نبني في داخلنا؟”

ثم عمّ الصمت. صمتٌ يشبه لحظة غرس بذرة جديدة. وغادر الجميع القاعة. لكن أحدًا لم يغادر الشجرة. فقد بقيت في الذاكرة. تذكّرهم كل يوم أن البناء الحقيقي لا يبدأ من المشاريع، ولا من الميزانيات، ولا من الهياكل التنظيمية.  إنه يبدأ من فكرة… والفكرة تبدأ من عقل… والعقل يبنيه وعي… والوعي إذا نما صار شجرة… وإذا صارت الشجرة مثمرةً، انتفع بها الناس… وإذا انتفع بها الناس، أصبح الإنسان أثرًا. وما أعظم أن يغادر المرء الدنيا وقد تحوّل من عابر طريق… إلى شجرة يستظل بها الآخرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top