الاستبانة التي لم تكن استبانة

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

في مساء هادئ سبق انطلاق ورشة “صناعة الأثر… القيادة”، كانت الهواتف تؤدي مهمة اعتيادية. رابط إلكتروني. رسالة قصيرة. استبانة تمهيدية. لا شيء استثنائي في الظاهر.

وصلت الاستبانة إلى المشاركين، وكان من بين حقولها: الاسم… والوظيفة. وبعد دقائق قليلة، تلقت المديرة رسالة من إحدى المرشحات. رسالة مهذبة، رقيقة، مهنية. جاء فيها: “أرى أن يكون الاسم اختياريًا، لأن ذلك يمنح المشاركين أريحية أكبر في الإجابة.” قرأت المديرة الرسالة. وجدتها منطقية. فحولتها مباشرة إلى المدرب. ولم تكن تعلم أن تلك الرسالة الصغيرة ستصبح أول درس في الورشة قبل أن تبدأ الورشة نفسها.

وصلت الرسالة. قرأها المدرب. فابتسم. لم يفاجأ. بل كان ينتظرها. وكان يعلم أن السؤال سيولد قبل أن تولد الإجابة. وأن الحوار سيبدأ قبل أن تضاء شاشة العرض. أعاد قراءة الرسالة مرة أخرى. ولم يفكر في الاسم. بل فكر في الإنسان. ولم يفكر في الاستبانة. بل فكر في القائد الذي جاءت الورشة لتوقظه من داخله.

كانت الرسالة تتحدث عن الأريحية. أما هو فكان يفكر في المسؤولية. كانت تتحدث عن النموذج. أما هو فكان يفكر في الشخصية. كانت تتحدث عن الإجابة. أما هو فكان يفكر في الإنسان الذي سيجيب. فكتب ردًا مختصرًا: “الأمر بسيط…” ثم أغلق هاتفه. بينما ظل باب التأمل مفتوحًا في داخله.

وقال في نفسه: ” ليست القضية اسمًا يُكتب أو يُحذف. فالاسم لا يصنع قائدًا. كما أن غيابه لا يمنع القيادة. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: كيف نبني إنسانًا يستطيع أن يقول رأيه بأدب؟ كيف نبني إنسانًا يجمع بين الصراحة والاحترام؟ كيف نبني إنسانًا يرى النقد وسيلة للبناء لا أداة للانتصار؟ كيف نبني إنسانًا يضيف إلى المؤسسة قبل أن يطالبها بما يريد؟”

وفي صباح اليوم التالي… وقف أمام المشاركين. نظر إلى الوجوه التي جاءت لتتعلم. ثم قال: ” قبل أن نبدأ… أود أن أخبركم أن الورشة بدأت بالأمس. نعم… بدأت قبل أن ندخل هذه القاعة. وقبل أن تظهر أول شريحة. وقبل أن أقول أول كلمة.”

ساد الصمت. فأكمل: ” وصلتني رسالة تقترح أن يكون الاسم اختياريًا في الاستبانة. وقد وافقت فورًا. ليس لأن القضية كانت الاسم. بل لأن القضية كانت أعمق من ذلك بكثير. لقد أدركت أننا أمام فرصة للحديث عن الفرق بين التنفيذ والقيادة.

  • فالمنفذ يبحث عن التعليمات.                                أما القائد فيبحث عن المعنى.
  • المنفذ يتعامل مع المهمة.                                         أما القائد فيتعامل مع الإنسان.
  • المنفذ يسأل: ماذا أفعل؟                                         أما القائد فيسأل: من أكون؟”

ثم توقف قليلًا. وكأن الكلمات تبحث عن مكانها في القلوب قبل الآذان. وأضاف: ” ولهذا لم نجتمع هنا لنتعلم مهارة جديدة فقط. بل جئنا لنبني أربعة أركان إذا استقامت استقام معها الأثر كله:

  • فكرًا يرى ما وراء الأحداث.
  • وثقافةً ترى ما وراء المصالح الفردية.
  • وشخصيةً ترى ما وراء المناصب.
  • ومستقبلًا يرى ما وراء اللحظة الراهنة.
  • فالفكر يصنع الرؤية.
  • والثقافة تصنع السلوك.
  • والشخصية تصنع الثقة.
  • والمستقبل تصنعه العقول التي تؤمن أن رسالتها أكبر من وظائفها.”

ثم رفع نظره إلى الحضور وقال: ” إن أكبر خطأ تقع فيه المؤسسات أنها تظن أن صناعة الأثر تبدأ بالمشروعات.

  • والحقيقة أنها تبدأ بالإنسان.
  • فإذا صلحت العقول تحسنت القرارات.
  • وإذا تحسنت القرارات ارتقت الثقافة.
  • وإذا ارتقت الثقافة وُلدت الشخصيات القادرة على صناعة المستقبل.”

وفي تلك اللحظة لم تعد الاستبانة استبانة. ولم تعد الرسالة رسالة.

بل أصبحت مرآة. مرآة كشفت سؤالًا لا يخص الورشة وحدها، بل يخص الحياة كلها:

  • هل نريد أن نكون مجرد منفذين جيدين؟
  • أم قادة يتركون أثرًا بعد أن يغادروا المكان؟

ثم ابتسم المدرب وقال كلمته الأخيرة: ” تذكروا دائمًا… إن الإنسان لا يُقاس بما ينجزه أثناء وجوده فقط. بل بما يبقى من أثره بعد رحيله. ولهذا لم نأتِ اليوم لنتعلم كيف ننجز الأعمال. بل جئنا لنتعلم كيف نصنع أثرًا. فالأعمال تنتهي. والمناصب تتغير. والتقارير تُؤرشف. أما الأثر الصادق… فهو الشيء الوحيد الذي يواصل العمل بعد أن نصمت.”

وعندها فقط… فهم الجميع أن الاستبانة لم تكن استبانة. بل كانت أول درس في القيادة. وأول خطوة في رحلة التحرر من التنفيذ إلى صناعة الأثر. وأول مرآة وُضعت أمام القائد الذي ينتظر أن يولد من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top