الغائبون الذين يصنعون حياتنا

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

يمضي الإنسان في حياته وهو يظن أنه يعرف أسباب ما وصل إليه. يعزو نجاحه إلى اجتهاده. ويربط نجاته بحسن قراره. وينسب بعض أفراحه إلى مهارته أو خبرته أو حسن تدبيره. لكن العمر، كلما تقدم بصاحبه، كشف له حقيقة أكثر تواضعًا وأعمق أثرًا: أننا لا نعيش بما نصنعه وحدنا. بل نعيش أيضًا بما يصنعه لنا آخرون من حيث لا نشعر.

هناك عالم كامل يتحرك حولنا في صمت. عالم لا تلتقطه العيون، ولا تسجله الكاميرات، ولا تتحدث عنه نشرات الأخبار. لكنه موجود. موجود في أمٍ رفعت يديها قبيل الفجر وذكرت اسم ابنها. وفي أبٍ أخفى دمعته داخل سجدة طويلة وهو يسأل الله أن يحفظ أبناءه. وفي صديقٍ استيقظ على خاطرٍ عابر، فوجد اسمك يمر في قلبه، فدعا لك. وفي معلمٍ شارف على نهاية عمره، وما زال يذكر بعض تلاميذه واحدًا واحدًا في دعواته. وفي إنسانٍ ربما لم يرك منذ سنوات، لكنه ما زال يحمل لك في قلبه مكانًا لا يعرف أحدٌ سواه.

يا الله… كم من إنسانٍ يظن أنه نجا بذكائه… وإن كُشف له الغيب، لرأى أن وراء نجاته دعواتٍ لا يعلم عددها إلا الله. وكم من بابٍ انفتح. وكم من كربةٍ انزاحت. وكم من حزنٍ مرَّ خفيفًا. وكم من مصيبةٍ انعطفت بعيدًا عن طريقه. ثم مضى الإنسان يظن أن الأمر مجرد مصادفة. وما أكثر ما نُسمي لطف الله مصادفة. الحقيقة التي يكتشفها الناضجون متأخرًا… أن الحياة ليست شبكة مصالح كما يتصور البعض. إنها شبكة دعوات. شبكة محبة. شبكة قلوب تتبادل الخير في الخفاء. وأن أعظم ما يملكه الإنسان ليس رصيده في البنك، ولا مكانته بين الناس، ولا عدد من يعرفونه. بل عدد القلوب التي تذكره عند الله.

تأمل ذلك جيدًا. فقد يملك المرء آلاف المعارف، ثم لا يجد من يفتقده إذا غاب. وقد يعيش آخر حياة بسيطة، لكنه يسكن في دعوات عشرات القلوب كل يوم. فأي الرجلين أغنى؟ وأيهما أبقى أثرًا؟ قال أحد الحكماء: “إذا أحبك الناس لدنياك تركوك حين تذهب، وإذا أحبوك لله دعوا لك وأنت غائب.” ولعل هذا من أجمل أسرار الحياة. أن بعض الناس يرافقونك بأجسادهم. وبعضهم يرافقونك بدعائهم. أما الصنف الثاني… فهو أبعد أثرًا وأطول عمرًا. لأن الجسد يفارقه السفر. وتقطعه المسافات. وتمنعه الظروف. أما الدعاء فلا تمنعه الحدود. ولا توقفه المطارات. ولا تحجبه البحار. ولا يعرف معنى الغياب.

ولهذا كان أجمل ما يُرزق به الإنسان بعد الإيمان… قلبًا صادقًا يحمله إلى السماء. ليس قلبًا يصفق له. ولا قلبًا يمدحه. ولا قلبًا يبالغ في الثناء عليه. بل قلبًا يذكره بينه وبين الله. في ساعة لا يراه فيها أحد. وفي لحظة لا ينتظر منها شكرًا. وفي دعوة لا يعلم بها صاحبها أصلًا. وحين ينظر الإنسان إلى عمره من هذه الزاوية… يكتشف أن كثيرًا من الخير الذي ناله لم يكن ثمرة جهده وحده. بل كان ثمرة محبةٍ أودعها الله له في قلوب عباده. وثمرة دعواتٍ رفعتها أكفٌّ صادقة وهو لا يدري. وربما يأتي يوم يلقى فيه ربه… فيجد من النعم والرحمات واللطف ما لا يتذكر له سببًا. فيقال له: هذا أثر دعوة أمك. وهذا أثر دعاء أبيك. وهذا مناجاة صديقك. وهذا دعاء إنسانٍ أحبك في الله. وهنا فقط… سيفهم الإنسان سرَّ قوله تعالى إن الله لا يضيع أجر المحسنين.

فالمحسن لا يترك أثره في الأرض فقط. بل يتركه في السماء أيضًا. وما أعظم الفرق بين من يترك خلفه أموالًا تُقسم… ومن يترك خلفه دعواتٍ تُرفع. الأول قد يُذكر زمنًا. أما الثاني… فيبقى حيًا في القلوب حتى بعد أن يغيب. لأن بعض الناس لا يرحلون حين يرحلون. بل يبقون في هيئة دعاء. وفي هيئة ذكرٍ جميل. وفي هيئة طمأنينةٍ لا يعرف أصحابها من أين جاءت. وهناك… فقط هنالك. تبدأ الحياة التي لا يوقفها الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top