
محمد تهامي
هناك لقاءات تُكتب في جدول المواعيد، وهناك لقاءات يكتبها الله في صفحات الذاكرة فلا تغادرها أبدًا. وفي مساء السبت الموافق 20 يونيو 2026، كان الموعد المحدد مسبقًا مع الفاضل أحمد نادي، عقب صلاة العشاء في مصلى الفندق. لقاء عمل في ظاهره، لكنه تحول إلى درس إنساني عميق في معاني المودة والوفاء والكرم الذي لا يحتاج إلى إعلان.
أُقيمت الصلاة، وانقضت دقائق المناجاة التي يعود فيها الإنسان إلى نفسه أكثر نقاءً وصفاءً، ثم خرجنا من المصلى نتبادل حديثًا هادئًا في طريقنا إلى مكان الاجتماع. وفي اللحظة التي ظننت أن المشهد انتهى عند حدود الصلاة والعمل، رأيت أبا جنة يتجه نحو سيارته ثم يعود حاملًا حقيبة. توقفت أمام المشهد مستغربًا، وقلت ممازحًا: “ليه الكرم هذا؟ كفانا حضوركم الذي أسعدنا.” فابتسم تلك الابتسامة التي لا يجيدها إلا أصحاب القلوب البيضاء وقال: “هذه وجبة من إعداد جنة… هدية لعمها أبو طارق.” توقفت الكلمات في مكانها. فبعض العبارات لا تُسمع بالأذن فقط، بل تُستقبل بالقلب. ولأن الهدايا في ظاهرها أشياء، لكنها في حقيقتها رسائل، أدركت أن ما تحمله الحقيبة ليس طعامًا فحسب، بل يحمل بين جنباته معنى أعمق من الطعام نفسه.
صعدنا إلى مقر الإقامة، وطلب مني أبو جنة أن أبدأ بتناول الطعام، موضحًا أنه تناوله مع أسرته قبل حضوره. لكنني اعتذرت وقلت: “ما دام هذا من يد العزيزة جنة، فهو يستحق جلسة خاصة بعد الاجتماع.” لأن بعض الأشياء لا تؤخذ على عجل. وبعض الهدايا لا تُفتح إلا حين يكون القلب حاضرًا بكل تفاصيل الامتنان.
انتهى الاجتماع. وانتهت أوراق العمل. وأغلقت أجهزة الحاسب. وبقيت الحقيبة وحدها تنتظر موعدها. وحين جاء الوقت، فتحتها. وهنا كانت المفاجأة الجميلة. صينية ثريد… أو فتة كما يسميها البعض. لكنها لم تكن مجرد فتة. كانت لوحة متكاملة التفاصيل. وكانت رائحة البيت الصادق تخرج منها قبل أن تُرى بالعين. وكانت الصلصة تتحدث عن يد تعرف كيف تضع الحب بين المكونات قبل أن تضع التوابل. وكان طبق اللحم يروي قصة عناية لا تُشترى ولا تُطلب. وكان الخضار المشكل يضيف ألوانًا للحكاية. وكان طبق الملوخية يقف إلى جوارها كما يقف الوفاء إلى جوار الكرم.
في تلك اللحظة تذكرت عبارة قديمة سمعتها من أحد الحكماء: “ليست قيمة الطعام فيما يُقدَّم، بل فيما يُرافقه من نية.” وقال حكيم آخر: “قد يطعمك ألف شخص حتى تشبع معدتك، لكن شخصًا واحدًا فقط يستطيع أن يطعم روحك حتى تمتلئ بالامتنان.” وأحسب أن هذه العبارة وُلدت لتوصف مثل هذه المواقف. فالناس جميعًا يستطيعون شراء المكونات. لكن ليس كل الناس يستطيعون إضافة المودة إليها. وقد قيل: “إذا دخل الحب المطبخ خرج الطعام مختلفًا.” ولعل السر الحقيقي في أجمل الوجبات ليس في الوصفة، بل في القلب الذي أعدها. ولذلك ظل الإنسان عبر العصور يتذكر من أطعمه بمحبة أكثر مما يتذكر نوع الطعام نفسه. فالخبز الذي يُعطى بمحبة يساوي مائدة كاملة بلا روح. وكوب الماء الذي يقدَّم بصدق يساوي نهرًا من المجاملات الباردة.
وفي حياتنا تمر علينا آلاف اللقاءات. نصافح وجوهًا كثيرة. نجلس إلى موائد متعددة. لكن القليل فقط منها يترك أثرًا طويلًا في القلب. لأن الأثر لا تصنعه الأشياء. بل يصنعه البشر. ويصنعه الصدق. ويصنعه ذلك الشعور النبيل الذي يجعل إنسانًا يفكر في إنسان آخر وهو بعيد عنه. وهذا بالتحديد ما فعلته جنة. فهي لم تكن حاضرة في الاجتماع. لكن حضورها كان أكبر من كثير من الحاضرين. كانت حاضرة في التفاصيل. في العناية. في الإعداد. في الرسالة التي حملها الطعام. وفي المعنى الذي سبق المذاق.
وقد قال أحد الحكماء: “إذا أردت أن تعرف معدن البيوت فانظر إلى أبنائها، فإن الأبناء رسائل مختصرة من آبائهم.” وما أجمل الرسائل حين تكون بحجم جنة. فمن أعد هذه الهدية بهذا الذوق لا بد أنه تربى في بيت يعرف معنى الكرم. ومن فكر في إسعاد الآخرين بهذه الصورة لا بد أنه نشأ بين والدين غرسا في قلبه قيمة العطاء قبل قيمة الأخذ. ولذلك لم يكن الطعام وحده هو الذي استحق الشكر. بل كانت المنظومة الجميلة كلها تستحق الامتنان. البيت الذي ربّى. والأب الذي حمل. والأم التي غرست. والابنة التي أبدعت. والأسرة التي جعلت من الكرم أسلوب حياة لا مناسبة عابرة.
وكلما تذكرت تلك الليلة تذكرت حكمة جميلة: “الأرزاق ليست ما نملكه فقط، بل من يشاركنا إياه.” فكم من أناس يملكون الكثير ولا يتركون أثرًا. وكم من أناس يملكون القليل لكنهم يملؤون القلوب غنى. وفي نهاية المطاف لا تبقى صور الأطباق. ولا تبقى أسماء المكونات. بل تبقى المشاعر. ويبقى أصحاب الفضل. ويبقى الدعاء.
فاللهم يا واسع الفضل والإحسان، اجزِ العزيزة جنة خير الجزاء، وأكرمها كما أكرمت، وأسعد قلبها كما أسعدت غيرها، وافتح لها أبواب التوفيق والسعادة والبركة، واجعل أيامها عامرة بالخير والرضا والنجاح. اللهم بارك في والدها الكريم أبي جنة، وأدم عليه الصحة والعافية وراحة البال، واجعل ما يقدمه من خير وإحسان في ميزان حسناته، وبارك له في أهله وماله وعمره.
اللهم وبارك في الكريمة أم جنة، تلك المدرسة الصامتة التي تُخرج للأمة أبناءً وبنات يحملون أخلاقها دون أن تتحدث كثيرًا عن نفسها، واجعل لها من كل معروف نصيبًا ومن كل دعوة صالحة أوفر الحظ. اللهم احفظ نادي وحفصة وعبيدة وخديجة، واملأ قلوبهم نورًا، وأيامهم سرورًا، وأعمارهم بركة، وارزقهم من الخير فوق ما يتمنون، واصرف عنهم كل سوء ومكروه، واجعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر. اللهم اجمع هذه الأسرة الكريمة دائمًا على المحبة والطاعة والبركة، واجعل بيتهم عامرًا بالإيمان، وموائدهم عامرة بالخير، وقلوبهم عامرة بالسكينة، وأعنهم على فعل المعروف كما اعتادوا، وأدم عليهم نعمك الظاهرة والباطنة.
ويبقى القول الأخير: ليست كل الهدايا تُحمل باليد… فبعض الهدايا تحملها القلوب. وليست كل الموائد تُنسى بعد انتهائها… فبعض الموائد تتحول إلى ذكرى جميلة، ثم إلى دعاء، ثم إلى محبة مستقرة في القلب لا تغادره أبدًا.