
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في مساء الأربعاء، الخامس والعشرين من مارس 2026، لم يكن الاتصال مجرد تواصلٍ عابر، بل كان خيطًا من نورٍ يصل قلبًا بقلب، ويختصر مسافاتٍ لا تُقاس بالأماكن، بل بالمشاعر. كنتُ في مقر الإقامة، حين جاءني اتصال العزيز أبي جنة أحمد نادي، بصوته الذي يحمل طمأنينة السؤال وصدق الود: هل أنتم بخير؟ وكان برفقته ابنه العزيز عبيدة، الذي عاد لتوّه من المركز الصحي، بعد أن اطمأن على قدمه إثر اصطدامٍ عابر… لكنه علّمنا أن العناية الإلهية قد تختبئ في أبسط التفاصيل.
لم يكن الاتصال نهاية الموقف… بل بدايته. فما هي إلا لحظات، حتى تحوّل السؤال إلى زيارة، وتحول الاطمئنان إلى حضور، وجاء أبو جنة، بعد أيامٍ أربعةٍ من وعكةٍ صحية ألمّت به، خرج منها بحمد الله معافى… وكأن أولى خطوات عافيته لم تكن نحو راحته، بل نحو من يحب. وهنا، يسكت الكلام قليلًا… ليُفسح المجال لمعنى كبير: أن بعض البشر، لا تُقاس صحتهم بخلوّ أجسادهم من الألم، بل بقدرتهم على العطاء رغم التعب.
جلسنا… لا لنتبادل أطراف الحديث، بل لنتبادل ما هو أعمق من ذلك. بدأنا بتهنئة العيد، لكنها لم تكن تهنئة تقليدية، بل كانت بوابةً لحديثٍ عن بركات رمضان، وعن تلك الأيام التي تصقل الأرواح وتعيد ترتيب الداخل. تحدثنا عن العشر الأواخر… عن لحظات الصفاء التي يُراجع فيها الإنسان نفسه، لا ليلومها، بل ليقودها برفق نحو الله. وكأن الزمن في تلك الأيام لا يُقاس بالساعات، بل بصدق الدعاء.
ثم انتقل الحديث إلى شكر النعمة… ذاك المفهوم الذي يختبئ في التفاصيل الصغيرة. قال حكيم: “إذا رأيت النعمة فاشكر، وإذا غابت فاصبر، ففي الحالتين أنت في حضرة فضلٍ لا ينقطع.” وتأملنا في صبر الصابرين… ذاك الصبر الذي لا يُعلن عن نفسه، لكنه يظهر في سكينة الوجوه، وفي رضا القلوب. وقد قيل: “الصبر أن تُحسن الظن بالله، حتى وأنت لا تفهم ما يجري.” وفي ثنايا الحديث، مرّت على الخاطر حكايةٌ تختصر المعنى دون أن تتكلّف الشرح… حكاية أحد المعلّمين، الذي اعتاد في غرفة المدرسين أن يشكو يوميًّا من ضيق حاله وتعب أيامه، حتى أصبح صوته مرآةً دائمة للشكوى.
ومرّ وقتٌ طويل…إلى أن اقترب منه أحد زملائه يومًا، وأخذه جانبًا برفقٍ لا يجرح، وقال له بهدوء: “يا صديقي… بيننا من يحمل من البلاء ما إن وُزّع على القلوب لأثقلها، ومع ذلك لا يُسمع له شكوى.” ثم أشار إلى نفسه دون استعراض، وأخبره أن أحد أبنائه يعاني منذ سنوات من نوبات صرع، لا يكاد يهدأ منها بيت، صراخٌ يمتد، وسهرٌ لا ينقطع، وحياةٌ تُدار على إيقاع الألم… ومع ذلك، لم يكن ذلك حديثه للناس، ولا عنوان يومه. ثم قال كلمته التي بقيت: “ما علينا إلا الصبر… فبعض الأقدار لا تُحكى، بل تُحتسب.” وفي تلك اللحظات، أدركت أن بعض الزيارات لا تُسجّل في الذاكرة فقط… بل تُكتب في ميزان القيم. وأن الإنسان لا يُعرف بكثرة ما يقول، بل بصدق ما يفعل، وبخطوةٍ يخطوها نحو غيره وهو أحوج للراحة.
وقبل أن يغادر، ترك في المكان دعاءً يشبهه… رقيقًا، صادقًا، عميقًا: اللهم يا من جمعتنا على ودّك، فلا تحرمنا دوام هذا الجمع، وأدم علينا نعمة العافية، وارزقنا شكرها كما ينبغي، وألّف بين قلوبنا على الخير، واجعلنا مفاتيح للرحمة، مغاليق للهمّ، وارزقنا من الرضا ما يطمئن به القلب، ومن العطاء ما نلقى به وجهك الكريم. ثم مضى… لكن بقيت الزيارة، وبقي معناها يهمس في الداخل: أن الوفاء لا يُقال… بل يُزار.