وصية أمي… حين كتب الله للمعروف أن يعود بعد أربعة عشر عامًا

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

الافتتاحية

ليست كل القصص تستحق أن تُروى، ولكن بعض القصص تستحق أن تُورَّث، لأنها لا تحفظ أسماء أصحابها فحسب، بل تحفظ للإنسان إيمانه بأن الله لا ينسى خيرًا صُنِع ابتغاء وجهه. وهذه واحدةٌ منها. ما سأكتبه ليس سيرةً أبحث بها عن إعجاب قارئ، ولا ذكرى أستحضر بها زمنًا مضى، وإنما شهادة أرجو أن ألقى الله بها، شهادة على أن المعروف إذا خرج من قلبٍ صادق، لا يسقط في زحام الأيام، ولا تبتلعه السنون، ولا تضيع آثاره مهما طال الزمن. إنه يرتفع إلى السماء أمانةً عند الكريم، حتى إذا جاء أوان الجزاء أعاده الله إلى صاحبه في صورةٍ لم تخطر له على بال. لقد عشت من عمري ما يكفي لأدرك أن الناس يحسبون الأعمار بالسنوات، بينما يحسبها الله بالمواقف، فرب دقيقةٍ صنعت عمرًا كاملًا، ورب كلمةٍ غيّرت مصير إنسان، ورب عملٍ ظنه صاحبه صغيرًا، فإذا هو عند الله أعظم مما كان يتخيل.

 وصية أمي.. والخطوة الأولى إلى القدر

كان صيف عام 1973 يبدو، في ذاكرة طفلٍ لم يتجاوز الصف الرابع الابتدائي، صيفًا يشبه كل صيف. الشمس تشرق كما اعتادت، والأزقة تضج بأصوات الأطفال، والأسواق تمتلئ بالحركة، والإجازة المدرسية كانت بالنسبة لأقراني وعدًا طويلًا باللعب واللهو. أما في بيتنا… فكان للإجازة معنى آخر. كانت أمي، رحمها الله، تؤمن أن العمر لا يُقاس بعدد الأيام التي نعيشها، بل بعدد الأيام التي ننفع فيها الناس. وكانت ترى أن التربية لا تبدأ من المدرسة، وإنما تبدأ من الباب الذي يخرج منه الابن إلى الحياة. وفي كل مرة كنت أتهيأ للخروج إلى السوق، كانت تناديني بذلك الصوت الذي لا يزال يسكن أعماقي، حتى بعد أن غاب عن الدنيا بسنوات. لم يكن صوتًا مرتفعًا… كان صوتًا يشبه الدعاء. وحين أقترب منها، تنظر في عيني مباشرة، وكأنها تريد أن تودع في قلبي شيئًا سيبقى بعد رحيلها، ثم تقول: “يا محمد… إذا رأيت رجلًا كبيرًا، أو امرأةً أثقلها ما تحمل، فاطلب أن تحمل عنها متاعها حتى تبلغ بيتها… ولكن إياك أن تخبرها من أنت، أو تذكر اسمك، أو اسم عائلتك… افعل الخير، ثم انصرف، وكأن الله وحده هو الذي رآك.” ثم تسكت. لم تكن تزيد كلمة. ولم تكن تحتاج إلى شرح. فالقدوة كانت كتابها، والإخلاص كان لغتها، والإيمان كان تفسير كل ما تقول.

خرجت يومها من البيت، ولم أكن أحمل في يدي شيئًا. لكنني كنت أحمل في قلبي وصية. واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، أدرك أن الإنسان قد يحمل وصيةً واحدة، لكنها تظل تحمله هي طوال عمره. وصلت إلى السوق. كان عالمًا كاملًا لطفلٍ صغير. الباعة ينادون على بضاعتهم، وروائح الخبز الساخن تمتزج بعبق القهوة والتوابل، والوجوه تمضي مسرعة، وكل إنسان منشغل بقصته التي لا يعرفها غيره. وأنا… كنت أبحث عن شيء واحد. لم أكن أبحث عن لعبة. ولا عن حلوى. ولا عن صديق.  كنت أبحث عن فرصةٍ أبر بها وصية أمي. وكأن الله جل جلاله. كان قد أعد المشهد قبل أن أصل .

اللقاء الذي كتبه الله

فما إن رفعت بصري، حتى وقعت عيناي على امرأةٍ وقورة، تجاوزها التعب قبل أن يتجاوزها العمر. كانت تحمل أكياسًا أثقلت كفيها، لكنها كانت تمضي بخطواتٍ هادئة، كأن الصبر هو اليد الثالثة التي تعينها على حمل ما عجزت عنه اليدان. اقتربت منها بخجل طفل، وقلت: “يا حاجة… اسمحي لي أن أحمل عنك.” رفعت رأسها، ونظرت إليّ بابتسامةٍ لا تزال محفورةً في ذاكرتي، ثم قالت: “بارك الله فيك يا بني.” ناولتني الأكياس… ولم تكن تعلم أنها لم تناوِلني متاعًا… بل ناولتني فصلًا كاملًا من قدري.

سرنا معًا. وكان الطريق، على قصره، أطول من المسافة؛ لأن الحديث ملأه دفئًا. سألتني برقة: “ما اسمك يا بني؟” فابتسمت وقلت: “سامحيني… لا أستطيع أن أخبرك.” فعادت تسأل، وهي تضحك: “ومن أي عائلة أنت؟” فكنت أغيّر الحديث، وأبتسم. كانت تريد أن تعرف اسمي… وكنت أريد أن أحفظ اسم وصية أمي. ولم أكن أعلم أن امرأةً لم تعرف اسمي يومًا… ستذكر وجهي بعد أربعة عشر عامًا كاملة… بل وستناديني بعدها بالكلمة التي لا تُشترى، ولا تُمنح إلا من قلبٍ امتلأ حبًا: “يا ابني.”

كان في استطاعتي يومها أن أقول لها اسمي، فما كان في ذلك حرج، وكان في استطاعتي أن أخبرها باسم عائلتي، فتدعو لهم جميعًا، وكان في استطاعتي أن أنتظر كلمة شكرٍ، أو هديةً صغيرة، أو دعوةً أمام باب بيتها. لكن أمي كانت قد علمتني درسًا لم أفهم عظمته إلا بعد سنوات طويلة، أن العمل الذي يعرفه الناس قد يكبر في أعينهم، أما العمل الذي يعرفه الله وحده، فإنه يكبر في ميزان السماء. ولذلك، حين بلغنا باب منزلها، وضعت الأكياس برفق، واستأذنت في الانصراف. قالت وهي تشير بيدها: “انتظر يا ولدي…” كان في صوتها امتنان أمٍّ، لا مجاملة غريبة. لكنني تذكرت الوصية. فابتسمت… ثم انصرفت مسرعًا. لم ألتفت وراءي. كنت أخشى أن تناديني مرة أخرى، فأضعف أمام حنانها، وأخبرها من أكون. عدت إلى بيتي، كما يعود أي طفل من جولة قصيرة، ولم أحدث أحدًا بما جرى. ولم أنتظر مكافأة. ولم يخطر ببالي أنني صنعت شيئًا يستحق أن يُذكر. كنت أظن أنني نفذت وصية أمي… وانتهى الأمر. لكن الذي انتهى عندي… كان قد بدأ عند الله.

العودة إلى الباب الذي لم يُنس

تمضي الأيام ببطء على الأطفال… ثم تمضي بسرعةٍ مدهشة حين نكبر. أعوام الدراسة، ثم الشباب، ثم مسؤوليات الحياة… حتى أصبح ذلك المشهد صفحة بعيدة في ذاكرة الزمن. لم أنسها… لكنني لم أعد أتوقع أن ألقاها. وإذا كان الإنسان ينسى بعض ما عاشه، فإن الله لا ينسى شيئًا. جاء عام 1987. وكانت الحياة تفتح أمامي بابًا جديدًا. اتفقت مع صديق عزيز على السفر إلى الخارج، نبحث عن فرصة عمل، ونبدأ مرحلة جديدة من العمر. لكن بين الحلم والرحلة… وقف رقم صغير في حسابات الناس… كبير في حساباتنا. كان علينا أن نوفر قرابة ألفي جنيه، تشمل تذكرة السفر وما يلزم لبداية الطريق. جلسنا أكثر من مرة نحسب، ثم نعيد الحساب. نجمع الأرقام… فنجدها أقل من الأمل. ونقيس الإمكانات… فتبدو المسافة أطول من قدرتنا. ولم يكن يؤلمنا ضيق المال بقدر ما كان يؤلمنا أن نرى الحلم قريبًا من أعيننا، بعيدًا عن أيدينا.

وفي تلك اللحظة… أرسل الله إلينا سببًا، لم نكن نعلم أنه امتداد لذلك اليوم البعيد. مر بنا رجل عرفناه قبل أن نعرف اسمه. كان من أولئك الذين يسبقهم حسن الخلق إلى القلوب. ابتسم، ثم قال: “أراكما على غير عادتكما… ماذا هناك؟” حاولنا أن نبتسم. وحاولنا أن نغير الحديث. لكنه كان يملك ذلك الإصرار الجميل الذي لا يصدر إلا عن قلب يحب أن يطمئن على الناس. فأخبرناه. أنصت حتى انتهينا. ثم قال بهدوء الواثق: “دعوني أتحدث مع والدتي.” لم يقل: سأحل المشكلة. ولم يقل: اعتبرا الأمر منتهيًا. بل قال جملة قصيرة… لكنها كانت، في الحقيقة، بداية الفصل الذي كتبه الله قبل أربعة عشر عامًا. “دعوني أتحدث مع والدتي.”

افترقنا، ولم يكن في أيدينا إلا الدعاء. وفي صباح اليوم التالي، جاءنا ووجهه يسبق كلماته. قال مبتسمًا: “أمي ترحب بكما… وتريد أن تتعرف عليكما.” ركبنا السيارة. ولم أكن أعلم أنني لا أسير إلى بيت إنسان… بل أسير إلى موعدٍ قديم… كتبه الله لطفلٍ صغير، ثم أجّل موعد تحقيقه أربعة عشر عامًا كاملة. كنت أنظر من نافذة السيارة إلى الطرقات، والبيوت، والأشجار، دون أن يخطر ببالي أن الذاكرة بدأت تستيقظ قبل أن أصل. وفجأة… توقفت السيارة. رفعت رأسي. ثم شعرت أن الزمن كله توقف معي. هذا الشارع… أعرفه. وهذا المنعطف… مررت به من قبل. وهذا الباب… لا يمكن أن تخطئه الذاكرة. ظللت أحدق في المنزل طويلًا. ثم همست بيني وبين نفسي: “سبحان الله…” إنه البيت نفسه…

البيت الذي وقفت أمامه طفلًا، أحمل أكياسًا أثقل من ذراعي، ثم غادرته راكضًا حتى لا يعرف أحد اسمي. أما اليوم… فقد عدت إليه رجلًا. لا أحمل في يدي شيئًا… لكن قلبي كان يحمل أسئلةً لا تنتهي. وهنا فقط… أدركت أن الأقدار لا تنسى العناوين التي كُتب عندها معروفٌ خالصٌ لله. وأن الله، إذا أراد أن يريك ثمرة عملٍ أخفيته عنه الناس، أعادك إلى المكان نفسه… لكن بقلبٍ جديد، وفهمٍ جديد، ويقينٍ جديد.

بقيت لحظاتٍ أحدق في الباب… لا أدري: أأنظر إلى بيتٍ من حجارة، أم إلى صفحةٍ قديمةٍ من عمري فُتحت فجأةً دون استئذان؟ كان كل شيء كما تركته الذاكرة. الجدار… المدخل… والشرفة التي مررت تحتها طفلًا لا يحمل من الدنيا إلا وصية أمه. لكن الذي تغيّر… هو أنا. فذلك الطفل الذي جاء يومًا يخشى أن يُعرف اسمه، عاد بعد أربعة عشر عامًا يحمل اسمه، وسنوات عمره، وتجارب الحياة كلها، دون أن يعلم أن الله كان يقوده إلى موعدٍ مؤجل منذ ذلك اليوم البعيد.

حين قالت لي ” يا ابني”

دخلنا المنزل. وكان الصمت أبلغ من الكلام. شعرت أن في المكان سكينةً لا تُوصف، تلك السكينة التي تسكن البيوت التي عاشت فيها القلوب المؤمنة، حتى إذا غادرها أهلها بقي أثرهم في الجدران، كما يبقى عبير الطيب بعد رحيل صاحبه. جلسنا في الصالون. وأخذت عيناي تجولان في المكان. لم أكن أبحث عن شيء. لكن قلبي كان يبحث عن ذكرى. ثم… فُتح الباب. ودخلت سيدة وقورة، يسبقها الوقار، وتحفها الطمأنينة. رفعت رأسها نحوي. ونظرت… وسكتت. وسكت الزمن معها. ثم اتسعت عيناها، وكأن الذاكرة انتصرت على السنين. وقالت بصوتٍ امتزجت فيه الدهشة بالحنين: “أنت… أنت ذلك الولد!”

يا الله… أي ذاكرةٍ هذه؟ وأي قلبٍ هذا الذي حفظ وجه طفلٍ رآه دقائق معدودة، ثم غاب عنه أربعة عشر عامًا كاملة؟ وقبل أن أجد جوابًا… كانت قد فتحت ذراعيها. وضمتني. ولم تكن تضم رجلًا جاء يطلب معونة. كانت تضم طفلًا عاد إليها بعد رحلةٍ طويلة، وكأن الأيام لم تمضِ بين اللقاءين. وفي تلك اللحظة… لم أشعر أنني أقف أمام امرأةٍ غريبة. بل شعرت بشيءٍ يشبه حضن أمي. ذلك الحضن الذي لا يسأل: من أنت؟ ولا ماذا تريد؟ ولا لماذا جئت؟ بل يقول لك، قبل كل شيء: أهلًا بك.

وحين هدأت لحظة اللقاء، جلست تنظر إليّ، والابتسامة لا تفارق وجهها، ثم قالت كلماتٍ بقيت محفورةً في أعماقي ما حييت: “كنت أعلم أنني سأراك يومًا… لكنني لم أكن أعلم أن الله سيأتي بك إلى بيتي مرةً أخرى.” تلك الجملة… لم تكن حديثًا عابرًا. كانت تفسيرًا لسنواتٍ كاملة. عندها فقط… أدركت أن المعروف لا يسافر في الطرقات، وإنما يصعد إلى السماء، ويبقى هناك حتى يأذن الله له أن يعود. وعلمت أن الله لا يعجل المكافآت كما نعجلها نحن. فقد يؤخرها أعوامًا… لا لأنه نسيها… ولكن لأنه يدخرها للحظةٍ يكون وقعها على القلب أعظم، وأبقى، وأجمل.

وفي ذلك المجلس المبارك، بدأت خيوط القصة تنكشف. تعارفنا. وعرفت أسماء الأسرة الكريمة. وعرفوا اسمي الذي أخفيته طفلًا. ثم علمت أن بين هذه الأسرة المباركة وبين خالي، رحمه الله، صلة نسب. فابتسمت في داخلي، وقلت: سبحانك يا رب… كنت تكتب صلات القلوب… قبل أن يعرف الناس صلات الأرحام. وكانت رحمته تجمع بيننا… قبل أن تجمع بين أسمائنا. وفي تلك اللحظة، لم أعد أفكر في السفر. ولا في المال. ولا في التذكرة. كنت أفكر في شيءٍ واحد…كيف استطاع الله أن يحفظ موقفًا صغيرًا، ظننته انتهى في دقائق، ثم أعاده إليّ بعد أربعة عشر عامًا، بهذه الدقة، وبهذا الجمال، وبهذا الفيض من الرحمة؟

خرجت من ذلك البيت، وأنا أحمل يقينًا لم أملكه من قبل. أن الإنسان إذا طرق بابًا من أبواب الخير لله… فإن الله، ولو بعد حين، يفتح له من أبواب فضله ما لم يكن يحلم به. ومنذ ذلك اليوم… كلما هممت بمعروفٍ، تذكرت ذلك الباب. وكلما رأيت إنسانًا يحمل همًّا أو متاعًا، تذكرت وصية أمي. وكلما شعرت أن الخير قد ضاع، سمعت صوتًا في داخلي يقول: لا… إن المعروف لا يضيع… إنه فقط ينتظر الموعد الذي اختاره الله ليعود.  ولم تكن تلك الزيارة نهاية الحكاية… بل كانت بدايتها الحقيقية. خرجت من بيتها يومئذ، وأنا أشعر أنني دخلت إليه ضيفًا، وخرجت منه واحدًا من أهله. بعض البيوت تستقبلك بالأبواب… وبعضها يستقبلك بالقلوب. أما بيت أمي عزيزة… فقد استقبلني بالدعاء. ومذ ذاك اليوم، لم تعد العلاقة بيننا علاقة معرفةٍ عابرة، ولا لقاءٍ صنعته الظروف، وإنما أصبحت صفحةً جديدة كتبها الله بمداد المودة، وأغلق عليها بخاتم الإحسان.

الأمانة التي أعادتني ابنًا

ثم جاء موعد السفر. ومضيت إلى غربتي، أحمل في حقيبتي أوراق السفر، وأحمل في قلبي دعوات أمين. أمي التي ربتني… وأمي عزيزة التي احتضنتني. كنت أظن أن المسافات تُبعد الناس. لكنني اكتشفت أن القلوب التي يجمعها الله لا تعرف معنى البعد. وخلال إقامتي خارج الوطن، أرسلت مع والدتي أمانة ماما عزيزة. تصورت أن الأمر سينتهي كما تنتهي كل الأمانات. تُسلَّم… ثم تُنسى. لكن الذي حدث… كان درسًا آخر من دروس الوفاء. نظرت ماما عزيزة إلى والدتي بكل أدب، ثم قالت: “سامحيني… لن آخذها إلا من يد محمد ابني.” وسكتت. أما أنا… فما زلت، إلى هذه اللحظة، كلما تذكرت تلك العبارة، شعرت أن الكلمات قد تعجز أحيانًا عن حمل ما في القلب. لم تقل: محمد. ولم تقل: ابن فلان. ولم تقل: ذلك الشاب. قالت كلمةً واحدة… لكنها كانت وطنًا كاملًا. “ابني.” وهل يدرك الناس معنى أن يختارك قلب أم، لا رحمها؟ وهل تُوزن هذه الكلمة بميزان اللغة؟ أم تُوزن بميزان الرحمة؟

لقد منحتني الحياة كثيرًا من الألقاب… لكنني لا أذكر لقبًا اعتززت به كما اعتززت بهذه الكلمة. كانت شهادةً لا تُكتب على ورق. ولا تُعلق على جدار. ولا تمنحها جامعة. ولا يوقعها مسؤول. إنها شهادةٌ يكتبها قلبٌ امتلأ حبًا. ولذلك…حين عدت بعد عامٍ كامل من السفر، لم يكن أول ما اشتقت إليه طريق السوق، ولا لقاء الأصدقاء، ولا مجالس الأحبة. كان أول طريق اشتقت إليه… طريق بيتها. طرقت الباب. ولم أكد أراها حتى ارتسمت تلك الابتسامة التي كانت تشبه صباحًا هادئًا بعد ليلة مطر. قالت وهي تنظر إلى ما في يدي: “الآن… وصلت الأمانة.” ثم أخذتها برفق. ولم أشعر أنها كانت تستلم شيئًا. بل شعرت أنها كانت تؤكد لي أن بعض العلاقات لا تبدأ بالدم… وإنما تبدأ بالمعروف. ومنذ ذلك اليوم… لم أعد أفرق بين أمي التي أنجبتني… وأمي التي احتضنتني.

كنت إذا فرغت من الحديث مع والدتي، وجدت نفسي، دون تفكير، أطلب رقم ماما عزيزة. وكأن القلب كان يعرف ترتيبهما قبل أن تعرفه أصابعي. كنت أقول لها كلما ضاقت بي الدنيا: “ماما… ادعي لي.” ولم تكن تكثر الأسئلة. لم تكن تبحث عن تفاصيل الهم. كانت تعرف أن الدعاء الصادق يصل إلى المكان الذي تعجز عنه الكلمات. فتقول بصوتٍ كله يقين: “يا رب يفتحها عليك يا ابني… ويشرح صدرك… ويرزقك من حيث لا تحتسب… ويجعل لك من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍ فرجًا.” ثم تسكت. لكن دعاءها… كان يبقى يتردد في قلبي أيامًا. وكنت كلما أغلقت الهاتف، شعرت أن الحمل الذي أثقل روحي قد أصبح أخف. كأن الدعوات الصادقة ليست كلمات تُقال… بل أجنحةٌ تحمل القلوب حتى تستريح.

حين عجزت المسافات عن إبعاد القلوب

ثم شاءت الأقدار أن تقيم في المملكة العربية السعودية، برفقة العزيز أحمد، والدكتورة أم شيرين. وتغيرت البلاد… وتغيرت المسافات… لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. المودة. كانت المسافة بيننا تُقاس بآلاف الكيلومترات. لكن الطريق إلى قلبها…لم يزد خطوةً واحدة. كانت المكالمة زيارة. والسلام لقاء. والدعاء عناقًا لا يحتاج إلى يدين. وكلما سمعت صوتها يقول: “كيف حالك يا محمد يا ابني؟” كنت أشعر أن الغربة، بكل ما فيها، أصبحت أقل قسوة. فما دام في الدنيا قلبٌ يدعو لك كما تدعو الأم لولدها… فأنت لست غريبًا، ولو كنت في أقصى الأرض. وحين أقف اليوم أمام هذه الرحلة الطويلة، لا أجدني أتذكر الأكياس التي حملتها صغيرًا… بل أتذكر الأثر الذي حملني كبيرًا.

لقد علمتني أمي، رحمها الله، أن اليد التي تمتد لتخفف عن الناس أثقالهم، لا تعود فارغة أبدًا. وعلمتني ماما عزيزة أن المعروف الذي يخرج من اليد خالصًا لله… يعود إلى القلب رحمةً، وإلى العمر بركةً، وإلى الروح يقينًا. ولقد عشت بعد تلك الحادثة سنواتٍ طويلة، ورأيت من تقلُّب الأيام ما يراه كل إنسان، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير في داخلي… كلما هممت بعمل خير، تذكرت وصية أمي. وكلما رأيت وجهًا أنهكه التعب، أو يدًا أثقلها الحمل، أو قلبًا ضاق بما يحمل، تذكرت أن الله قد يجعل من لحظةٍ صغيرة، لا تستغرق دقائق، بابًا من أبواب رحمته يبقى مفتوحًا لعشرات السنين. ولذلك، لم تعد تلك الحكاية بالنسبة إليّ ذكرى من الماضي… بل أصبحت منهج حياة.

ثلاثة أعوام… ومازال الأثر حيًا

لقد كنت أظن أنني حملت عن امرأةٍ بعض متاعها… ثم اكتشفت، بعد أربعة عشر عامًا، أنها حملت عني كثيرًا من قسوة الحياة بدعائها، وحنانها، واحتضانها، وكلمتها التي كانت كلما نطقتها شعرت أن الدنيا أصبحت أوسع: “يا ابني.” واليوم… تمر ثلاثة أعوام على رحيل ماما عزيزة أم أحمد،( 29 يونيو 2023) لكن الأرواح الكبيرة لا تعرف الغياب. إنها تغادر الأبصار… وتسكن البصائر. يغيب الصوت… ويبقى صداه. وترحل الأجساد… ويبقى الأثر. ومن كان عمره إحسانًا، لا يكتبه التاريخ في صفحة الوفيات، بل يكتبه في سجل الحياة، لأن الناس قد ينسون الوجوه، لكنهم لا ينسون من مسح دمعة، أو جبر خاطرًا، أو دعا لهم في ظهر الغيب، أو منحهم شعورًا دافئًا بأنهم ليسوا وحدهم في هذه الدنيا.

ولعل أكثر ما بقي منها في ذاكرتي، تلك المناجاة التي كانت تهمس بها إذا خلت بربها: “يارب… ما لناش غيرك.” لم تكن تقولها بلسان من انقطعت به الأسباب… بل بلسان من عرف أن كل الأسباب لا قيمة لها إن لم يباركها الله. كانت ترى في هذه الكلمات وطنًا للروح، ومرفأً للقلب، وسكينةً لا تمنحها الدنيا مهما كثرت عطاياها. واليوم… كلما ضاقت بي الحياة، سمعت صدى تلك العبارة في أعماقي، فأدركت أن الإنسان لا يضيع ما دام يعرف طريقه إلى ربه. ولذلك… إذا كان لهذه القصة رسالة واحدة، فهي ليست أن تحمل متاع إنسان، وإنما أن تحمل قلبًا يعرف الله. وليس أن تنتظر جزاء المعروف… بل أن توقن أن الله هو الجزاء. فالخير الذي نصنعه قد ينساه الناس. وقد ينساه صاحبه. لكن الله لا ينساه أبدًا. وقد يؤخر ثماره سنوات، لا ليحرمنا منها، بل ليهبها لنا في الوقت الذي ندرك فيه أن ما عند الله ليس مكافأةً على عمل، بل فضلٌ من الكريم سبحانه.

اللهم ارحم أمي، وارحم ماما عزيزة أم أحمد رحمةً تليق بكرمك، واجعل قبريهما روضتين من رياض الجنة، واجمعني بهما في الفردوس الأعلى، كما جمعت بين قلوبنا في الدنيا على الإحسان والمودة، واجعل كل خيرٍ غرستاه في حياتي صدقةً جاريةً لهما، ونورًا يزداد إشراقًا كلما انتفع به إنسان.

وإن سألني أحد يومًا: ما أعظم ما ورثته من أمي؟ فلن أقول: وصية. بل سأقول: ورثت طريقًا إلى الله أسير عليه. وإن سألني: وما أعظم ما منحتك ماما عزيزة غير حضن أدفأك؟ فسأبتسم… وأقول: “قلبًا علّمني أن الأمومة قد يكتبها الإحسان، قبل أن يكتبها النسب”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top