حين يصبح المجلس مدرسة… والمائدة لغةً لا تحتاج إلى ترجمان

محمد تهامي

محمد تهامي

ليست كل الدعوات تبدأ برسالة هاتف، ولا كل الموائد تنتهي بانقضاء الطعام. فبعض الدعوات يكتبها الكرم قبل أن ينطق بها صاحبها، وبعض المجالس تبقى في الذاكرة لأنها لم تجمع الناس حول الطعام، بل جمعت القلوب حول قيمةٍ أكبر اسمها المحبة.

وكان الموعد مساء الاثنين 29 يونيو 2026، عقب صلاة العشاء، في مجلس العزيز حمد الهاجري “أبو محمد” في بني هاجر بالدوحة، على شرف الضيف الكريم، الفاضل محمد الحسيني، القادم من مكة المكرمة، المدينة التي كلما ذُكر اسمها حضر معها عبق الطواف، ونور الدعاء، وسكينة المكان. ومنذ اللحظة الأولى كان واضحًا أن المجلس لا يستقبل ضيفًا، بل يستقبل أخًا.

كان أبو محمد مستقبلًا الضيوف، يسبق ابتسامته سلامه، ويسبق ترحيبه مصافحته، وكأن المجلس كله خرج ليستقبل القادمين. ومن حوله إخوته الكرام، وأبناؤه، ونخبة من الرفقاء، وإخوة حملة القدس، وكل واحد منهم يحمل ملامح بيتٍ تربّى على أن الضيف نعمة، وأن إكرامه شرف لا تكليف. وقد قال أحد الحكماء: “البيوت تُعرف من أبوابها، أما الرجال فيُعرفون من طريقة استقبالهم للناس.”

ولقد كان باب المجلس في تلك الليلة يروي قصة أصحابه قبل أن ينطقوا بكلمة. جلسنا على القهوة العربية. وللقهوة في الجزيرة العربية فلسفة لا يدركها إلا من عاشها. فهي ليست شرابًا يقدم. بل إعلان غير مكتوب يقول: “لقد أصبحتم من أهل الدار.” كانت فناجين القهوة تتنقل بين الأيدي في هدوء، تتبعها حبات التمر، ثم الشاي، بينما كانت الأحاديث تتشكل تلقائيًا كما تتشكل السحب في صباح ربيعي. لا تكلف. لا تصنع. ولا مجاملة باردة. بل حديث يخرج من القلب فيصل إلى القلب. وقال حكيم من أهل البادية: “إذا صَدَق المجلس، استغنى الكلام عن البلاغة.”

وهذا ما كان. لم يكن أحد يبحث عن الكلمات الجميلة. لأن النفوس الجميلة كانت تتحدث وحدها. ثم جاء النداء الذي يعرفه كل كريم. “تفضلوا…” لكن ما حدث بعد ذلك كان أجمل من المائدة نفسها. تقدم الضيوف. وتحرك الجميع بهدوء. وفجأة التفت أبو محمد يتحسس الوجوه. عيناه تبحثان عن أحد الرفقاء. ولما لم يجده بين المتقدمين، عاد خطوات إلى الخلف، وقد ارتسمت على وجهه ملامح العتب الممزوج بالمحبة. ثم قال بصوت يحمل صدق الأخ قبل صرامة المضيف: “لا… والله لا يكون ذلك.” وأقسم أن يتقدم صاحبه ليشارك الجميع. كان موقفًا عابرًا في زمنه. عظيمًا في معناه. لأن الرجل لم يكن يريد اكتمال المائدة. بل اكتمال الرفقة.

وقد قال حكيم: “إذا بحث صاحب المجلس عن غائبٍ قبل أن يبدأ الطعام، فاعلم أن الحاضرين ليسوا ضيوفًا… بل أهلًا.” ولم يهدأ أبو محمد حتى جاء صاحبه. ابتسم. ثم ارتفع صوته قليلًا قائلاً: “بسم الله…” وكانت هذه الكلمة بداية الطعام. لكنها كانت أيضًا بداية مشهدٍ إنساني يصعب نسيانه. امتدت الأيدي. لكنها لم تمتد إلى نفسها أولًا. بل إلى الآخرين. كل واحد يختار أجمل قطعة لحم ثم يناولها لصاحبه. وكأن كل واحد منهم يقول بصمت: “شبعُ أخي قبل شبع نفسي.” وهنا فهمت سر البركة. فليست البركة في كثرة الطعام. بل في كثرة المحبة التي تدور حوله.

وكانت الخراف المشوية تستقر فوق صوانٍ واسعة من الأرز الأصفر، في مشهد يجمع بين أصالة الضيافة الخليجية، وكرم النفوس التي لا تعرف إلا الوفرة. ولم تكن السلطة مجرد أطباق جانبية. بل كانت كأنها قطعة مقتطعة من بستان أخضر. ألوانها الزاهية تعلن أن الجمال لا يقتصر على الطعم، بل يمتد إلى العين أيضًا. وكان اللبن البارد يقف إلى جوار الماء، كما يقف التواضع إلى جوار الكرم. كل شيء في مكانه. وكل شيء يقول إن وراء هذا المجلس رجالًا يعرفون أن الضيافة فن، وأن الفن يبدأ من احترام الضيف. قال أحد الحكماء: “المائدة الكبيرة لا يصنعها الطعام… بل يصنعها الذين يجلسون حولها.” ولذلك لم تكن روعة تلك الليلة في الخراف المشوية وحدها. ولا في الأرز. ولا في الفاكهة. بل في الوجوه. وفي الضحكات. وفي الدعوات التي كانت تتناثر بين لقمة وأخرى. وفي الدعابة الرقيقة التي لا تجرح أحدًا. وفي الألفة التي لا يمكن شراؤها.

وكان مما لفت النظر أن أحدًا لم يشعر أنه غريب. ففي المجالس العظيمة تسقط الألقاب. ويبقى الإنسان. ثم جاءت مائدة الفاكهة. ولم تكن مجرد طبق كبير. بل كانت بستانًا كاملًا اجتمع في صينية واحدة. ألوان متجاورة. ونكهات متعددة. وكأن الطبيعة كلها جاءت لتشارك في ختام الأمسية. ثم وزعت أطباق الفاكهة الجاهزة مع الشاي والقهوة. وهكذا استمرت الضيافة حتى اللحظة الأخيرة. لأن الكرم الحقيقي لا يعرف عبارة: “انتهى البرنامج.” بل يظل يمنح حتى يغادر آخر ضيف وهو يشعر أنه كان صاحب الدار.

وفي زاوية المجلس، كان للمشهد بعد آخر. عدسة هادئة يحملها المشرف الثقافي في حملة القدس. يلتقط الصور. ويسجل اللحظات. ويجري حوارات قصيرة مع الحاضرين. يسألهم عن انطباعاتهم. عن شعورهم. عن رسائلهم. وكانت الإجابات كلها تختلف في ألفاظها. لكنها تتفق في معنى واحد: “هذه الليلة لا تُنسى.” قال أحد الحكماء: “الكاميرا تحفظ الصورة… أما الأخلاق فتحفظ الذكرى.” ولذلك فإن التسجيلات ستحتفظ بالأصوات. أما القلوب فستحتفظ بالمشاعر.

وقبل أن نغادر، أدركت حقيقة جميلة. أن المجالس لا تُقاس بمساحتها. بل بقدرتها على جمع الأرواح. وأن بعض الرجال لا يتركون أثرًا لأنهم أغنياء. بل لأنهم أغنياء في أخلاقهم. وقديماً قال حكيم من أهل الصحراء: “إذا خرج الضيف وهو يدعو لك أكثر مما يشكرك، فقد نجحت في الضيافة.” وهذا ما كان. خرج الجميع. لكن الدعوات بقيت معلقة في سقف المجلس.

اللهم بارك للعزيز أبي محمد، وبارك في مجلسه، وأدم عليه نعمة الكرم التي أصبحت جزءًا من سيرته، كما أدمت عليه محبة الناس التي أصبحت تاجًا لا يُشترى. اللهم بارك في إخوته وأبنائه، واجعلهم امتدادًا لهذا الخلق الكريم، وازرع في قلوبهم محبة الخير كما زرعتها في قلب والدهم، واجعل بيتهم بيتًا تُذكر فيه النعم، وتُحفظ فيه الأرحام، وتُكرم فيه الوجوه. اللهم أكرم ضيف المجلس الفاضل محمد الحسيني، وأدم عليه نعمة الإقامة في جوار بيتك الحرام، واكتب له من الخير ما يليق بمن جعلت مكة موطنه، وافتح له أبواب البركة حيث حل وارتحل. اللهم بارك في رجال حملة القدس، وفي كل من كان سببًا في جمع هذه القلوب، واجعل لقاءاتهم شاهدة لهم لا عليهم، وألّف بين قلوبهم كما تؤلف بين قطرات المطر حتى تصنع النهر.

ويبقى الدرس الأكبر الذي خرجنا به من تلك الليلة: أن الكرم ليس أن تمتلئ الموائد… بل أن تمتلئ القلوب. وليس الشرف أن تدعو الناس إلى الطعام… بل أن تجعلهم يغادرون وهم يشعرون أنهم ازدادوا أخوةً، ومحبةً، وإنسانيةً. وهكذا انتهت الأمسية… لكنها في الحقيقة لم تنته. لأن المجالس التي تُبنى على الإخلاص لا تغادر الذاكرة، والموائد التي تُفرش بالمودة لا يطويها الزمن، والرجال الذين يجعلون من الأخلاق أسلوب حياة، يكتبون أسماءهم في قلوب الناس قبل أن تكتبها الأقلام في الصفحات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top