حين يعجز الاعتذار أمام أخلاق الكرام – المائدة الثانية… لأن القلوب الكبيرة لا تعرف كلمة “يكفي”

محمد تهامي

محمد تهامي

ثمة مواقف لا يُكتب جمالها بما احتوته من أطباق، وإنما بما حملته من أخلاق. وثمة أناسٌ إذا أحسنوا، جعلوك تحتار: أتشكرهم على عطائهم؟ أم على تواضعهم؟ أم على ذلك الأدب الراقي الذي يجعل المعروف يبدو وكأنه أمر عابر لا يستحق الذكر؟

كان ذلك في كمبالا، بأوغندا، بعد انتهاء أعمال أحد أيام رحلة التحول المؤسسي بمؤسسة جاست هيومان. الثلاثاء 14 يوليو 2026، كان يومًا طويلًا، امتلأ بالجلسات، والتحليل، والحوار، والتحديات والطموحات، حتى لم يعد يشغلني عند انتهاء البرنامج إلا شيء واحد… أن أصل إلى الفندق. أن أضع عن كتفي عبء يومٍ كامل. أن أخلد إلى شيء من الراحة استعدادًا لأجندة اليوم التالي، التي كانت تنتظرنا منذ ساعات الفجر.

خرجنا من المؤسسة برفقة العزيز أحمد عيد. وكان الطريق هادئًا. وكنا نتبادل حديثًا خفيفًا لا يرهق التعب. حتى توقفت السيارة أمام الفندق. وقبل أن أفتح الباب، التفت إليّ أحمد بكل هدوء، وقال: “الطعام موجود في الغرفة.” توقفت… ليس لأنني فوجئت بالطعام. بل لأنني فوجئت بالوفاء. ابتسمت، ثم قلت ممازحًا، وفي داخلي شيء من الخجل: “يا أبا حمزة… لقد اتفقنا بالأمس.”ثم أضفت: “قلنا إنها الأولى… والأخيرة.” وتابعت أرجوه بكل محبة: “أرجوك… لا تُكرر ذلك، فالأمور يسيرة، ثم إن طعام الأمس لا يزال يكفينا اليوم.”

ثم قلت له: “بلّغ الفاضلة أم حمزة خالص تحياتي، وكفاها ما قدمته بالأمس، فقد أحرجتمونا بكرمكم.” وأتبعت ذلك ببيتٍ من الشعر، كأنه خرج من القلب قبل اللسان:

إذا كان هذا بعضَ جودِ نفوسِكم … فكيف إذا أفصحَتْ جميعُ المكارمِ؟

ابتسم أحمد… ابتسامة يعرفها أصحاب النفوس الهادئة. ابتسامة من لا يرى فيما صنع إلا واجبًا من واجبات المودة. ثم مضى.

صعدت إلى الغرفة. وكنت على يقين أن الأمر قد انتهى. لكن الكرم الحقيقي… لا ينتهي عند أول اعتذار. وما إن فتحت الباب… حتى رأيت الحقيبة. ابتسمت وحدي. وقلت في نفسي: ” لقد سبقني أحمد إلى الغرفة… كما سبقني إلى الإحسان.” فتحتها. وكان أول ما استقبلني… طبق كبير من المكرونة بالبشاميل. لكنها لم تكن طبقًا عاديًا. كانت قطعة من دفء البيوت. كانت البشاميل تغطيها برفق، واللحم يتوسطها بسخاء، وكأن الطبق كله يقول:  “صُنع على مهل… ليصل بمحبة.” ثم وجدت طبقًا من الشيبسي الذهبي المقرمش. ثم سمبوسة متنوعة، كأنها تنثر البهجة في أطراف المائدة. ثم… رقاقًا باللحم. وما أدراك ما الرقاق حين تصنعه يدٌ تعرف أن الضيافة ليست صنعة، بل خلق.

في تلك اللحظة… لم أعد أنظر إلى الأطباق. بل إلى ما وراءها. إلى الوقت الذي اقتُطع من يومهما. إلى الجهد الذي بُذل. إلى الاهتمام الذي سبق وصول الطعام. وقد قال أحد الحكماء: “المعروف لا يُقاس بما تراه العين، بل بما غاب عنها من تعبٍ بذله صاحبه.” وقال آخر: “أكرم الناس ليس من يكثر العطاء، بل من يجعل عطاءه يبدو كأنه أمرٌ عادي.” وأخذت أتأمل. كيف يستطيع بعض الناس أن يخفوا فضلهم بهذا القدر؟ كلما شكرتهم… اعتذروا. وكلما أثنيت عليهم… قالوا: “شيء بسيط.” وكأن التواضع عندهم توأم الكرم. ولعل أجمل ما قيل في ذلك: “إذا اجتمع الكرم مع التواضع، وُلد خلقٌ لا تستطيع الكلمات أن تصفه.”

إن البيوت المباركة ليست التي يكثر فيها الطعام. بل التي يكثر فيها الشعور بالآخرين. والبيت الذي يُعد الطعام لضيوفه يومًا بعد يوم، دون أن ينتظر كلمة ثناء، هو بيتٌ بنى جدرانه بالمودة قبل أن يبنيها بالحجارة. ولقد أيقنت في تلك الليلة أن أمثال أحمد وأم حمزة لا يصنعون الطعام… بل يصنعون الذكرى. ولا يقدمون وجبة… بل يزرعون أثرًا يبقى في القلب بعد أن تُرفع المائدة بسنوات.

اللهم يا واسع الفضل والإحسان، بارك للعزيز أبي حمزة، واجعل قلبه عامرًا بالإيمان كما عمر قلوب من حوله بالمودة، وأدم عليه نعمة الصحة، وسعة الرزق، وطمأنينة النفس، واجعل كل إحسان يقدمه نورًا يسعى بين يديه يوم يلقاك. اللهم بارك للفاضلة الكريمة أم حمزة، واجزها عن جميل صنيعها خير الجزاء، واشفها شفاءً لا يغادر سقمًا، وألبسها ثوب العافية، وأعنها على كل خير، واجعل تعبها راحة، وإحسانها بركة، وأيامها سعادةً ،وسرورًا.

اللهم اجعل بيتهما بيتًا مؤسسًا على التقوى، وسقفه الرحمة، وأعمدته المودة، وأبوابه البركة، ولا تجعل للهم إليه سبيلًا، ولا للحزن فيه مقامًا. اللهم ارزقهما ذريةً صالحةً مباركة، تكون قرة عين لهما، وحملةً لكتابك، وسائرين على هدي نبيك، واجعل أبناءهما وبناتهما من أهل البر والإحسان، ومن مفاتيح الخير في الأرض. اللهم كما جمعتهما على المحبة، فأدم بينهما السكينة، وزدهما قربًا منك، واجعل بيتهما من البيوت التي إذا ذُكرت، ذُكر معها الخير، وإذا غاب أهلها، بقي أثرهم الطيب حاضرًا في القلوب.

وأغلقت الحقيبة… لكنني لم أستطع أن أغلق باب الامتنان. فقد أدركت أن بعض الناس لا يُتقنون إعداد الموائد فحسب… بل يُتقنون فنًا أعظم. فن أن يجعلوك تشعر أنك واحدٌ من أهل البيت… حتى وأنت على بُعد آلاف الكيلومترات من بيتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top