حين خرجت المؤسسة من الأوراق… ومشت على الأرض

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

رحلة في ميدان الإنسانية بين كيبولي، وبوسونجو،  وكبتسندا

لم يكن صباح الخميس 23 يوليو 2026 صباحًا عاديًا… فبعض الأيام لا تُقاس بساعاتها، بل بما تتركه في القلب من أسئلة لا تنتهي.

خرجتُ في رحلة ميدانية برفقة الحبيب الصديق د محمود الجزار، لم تكن رحلة تفقد مشروع فقط، ولم تكن زيارة بروتوكولية تضاف إلى سجل اللقاءات. كانت رحلة بحث عن الإجابة الكبرى: هل تتحول الأفكار التي نكتبها في الوثائق إلى حياة يعيشها الإنسان؟

في عالم المؤسسات… كثيرة هي الخطط التي تُكتب. وكثيرة هي الرؤى التي تُعلن. وكثيرة هي الشعارات التي تملأ القاعات. لكن الحقيقة لا تظهر إلا عندما تفتح المؤسسة بابها للخروج إلى الميدان. هناك فقط… بين الناس. بين الوجوه. بين التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في التقارير.

هناك يولد الاختبار الحقيقي. وكما قال أحد الحكماء: “المؤسسة التي لا تسمع صوت الميدان، ستسمع يومًا صمت الفشل.” كانت المحطة الأولى… مشروع كيبولي اتشانجا بضواحي كمبالا – أوغندا. من بعيد يبدو المكان مشروعًا صحيًا متكاملًا… لكن من يقترب يرى قصة أكبر من البناء. يرى فكرة تقول إن الصحة ليست علاج مرض فقط… بل بناء إنسان. فالمشروع يحمل رسالة تتجاوز تقديم الخدمة الصحية إلى تعزيز المسؤولية الاجتماعية، وتنمية رأس المال البشري الأوغندي، والإسهام في مسار التنمية المستدامة.

تأملت المكان… وفكرت: كم من المشاريع تبني جدرانًا؟ وكم من المشاريع تبني أجيالًا؟ فالفرق بين المشروع العادي والمشروع الرسالي… أن الأول يسأل: كم أنجزنا؟ أما الثاني فيسأل: كم إنسانًا تغير بسبب ما أنجزنا؟

ثم تحركنا إلى المحطة الثانية… لكن الطريق كان طويلًا. ساعتان تقريبًا من الانتقال إلى منطقة بوسونجو. وفي الطرق الطويلة يحدث شيء عجيب… فكلما ابتعدت السيارة عن صخب المدينة، اقترب القلب من الحقيقة. وصلنا إلى مركز ذوي الهمم (الاحتياجات الخاصة)، وهناك تغيرت لغة الرحلة. لم تعد لغة مشاريع. بل لغة إنسان.

في ذلك المكان… لا تحتاج إلى كثير من الكلمات. فالوجوه تتحدث. والابتسامات تروي قصصًا لا تستطيع التقارير حملها. رأيت فريقًا يعمل بروح مختلفة… لم تكن المهمة بالنسبة لهم وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام. كانت رسالة. وكانت الجهة الإشرافية تحمل وعيًا عميقًا بأن التعامل مع ذوي الهمم ليس تقديم خدمة فقط… بل إعادة تعريف المجتمع لمعنى الكرامة. هناك فهمت معنى قول أحد العارفين: “أعظم المجتمعات ليست التي لا يوجد فيها ضعف، بل التي تجعل ضعف بعض أفرادها مسؤولية قوة الجميع.” بين الطلاب…

 وفي تفاصيل الحياة اليومية… شعرت أن الإنسان قد يعلمك أكثر مما تعلمه. قد يأتي شخص يحتاج إلى دعم… فيمنحك هو درسًا في الصبر. قد تأتي لتمنحه فرصة… فتكتشف أنه يمنحك معنى الرحمة. قد تظن أنك ذاهب لتقدم شيئًا… فتعود وقد أخذت أكثر مما أعطيت.

ثم كانت المحطة الثالثة… معهد صحي آخر في منطقة كبتسندا. مشهد جديد… لكن الروح واحدة. رؤية صحية واجتماعية. استثمار في الإنسان. إيمان بأن التعليم والصحة ليسا قطاعين منفصلين، بل جناحان لتحليق المجتمع. هناك أدركت أن التنمية الحقيقية لا تبدأ من المباني…بل من الإنسان. وأن رأس المال الأغلى في أي وطن ليس النفط ولا المعادن ولا الموارد الطبيعية…بل الإنسان حين يُمنح المعرفة والفرصة والرعاية.

وأثناء العودة… كان الصمت داخل السيارة أبلغ من الكلام. لم يكن صمت التعب… بل صمت التأمل. كنت أراجع كل ما رأيت. ثلاث محطات…لكنها في الحقيقة محطة واحدة: محطة الإنسان. تذكرت كلمة عميقة لأحد المفكرين: “لا تسألني عن ميزانية مؤسسة، اسألني عن عدد الأرواح التي أصبحت أفضل بسببها.” فالمؤسسات العظيمة لا تُقاس فقط بعدد المشاريع التي تنفذها… بل بعدد القلوب التي تصل إليها. ولا تُقاس فقط بعدد المباني التي تفتتحها… بل بعدد الأحلام التي تفتحها.

في رحلة التحول المؤسسي… تعلمت أن الميدان ليس مرحلة لاحقة بعد التخطيط. بل هو المكان الذي يولد فيه التخطيط الحقيقي. فالوثيقة قد تخبرك ماذا تريد أن تفعل… لكن الميدان يخبرك ماذا يجب أن تفعل. والأرقام قد تخبرك بحجم الإنجاز… لكن العيون تخبرك بقيمة الأثر. عدت من الرحلة وأنا أحمل قناعة جديدة: أن المؤسسة التي تحمل رسالة إنسانية لا تملك رفاهية أن تكون عادية. لأنها لا تتعامل مع ملفات… بل مع أعمار. ولا تدير مشاريع… بل تصنع فرصًا. ولا تقدم خدمات… بل تزرع كرامة.

وفي نهاية اليوم…لم أسأل: كم موقعًا زرنا؟ بل سألت: كم درسًا تعلمنا؟ ولم أسأل: كم صورة التقطنا؟ بل سألت؟ كم صورة بقيت في القلب؟ ولم أسأل: ماذا رأينا؟ بل سألت: كيف سيغيرنا ما رأيناه؟ فبعض الرحلات لا تنتهي عند باب العودة… بل تبدأ هناك. لأن الإنسان حين يرى أثر الخير على الأرض… لا يعود كما كان. فالمؤسسة التي تمشي إلى الإنسان… لا تعود تحمل مشروعًا فقط، بل تحمل رسالة. والميدان…هو المكان الوحيد الذي يخبرك بصدق: هل كانت المؤسسة تبني مباني… أم كانت تبني إنسانًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top