حين لا تستطيع القلوب الكريمة أن تتوقف عن العطاء مائدة الاثنين… بين رجاء الضيف وإصرار الوفاء

محمد تهامي

محمد تهامي

هناك أناسٌ إذا أحبوا أحدًا، أصبح الاهتمام به جزءًا من طبيعتهم، لا يفكرون فيه كواجب، ولا يتعاملون معه كتكلف، بل كأنه أمرٌ فطري يجري في عروقهم كما يجري النبض.

وفي رحلة الإنسان، قد يلتقي بأشخاص لا يتركون في الذاكرة صورًا فقط، بل يتركون معاني. وكان من تلك المعاني ما حدث مساء الاثنين، التاسع عشر من يوليو 2026، في كمبالا – أوغندا. كان ذلك في ختام أعمال الورشة ضمن رحلة التحول المؤسسي، وبعد أيام ممتلئة بالحوار، والتأمل، والعمل، وبناء الأفكار.

كنت أظن أن الرسالة قد وصلت. فقد تحدثت مع العزيز الفاضل أحمد عيد “أبي حمزة” أكثر من مرة. قلت له بمحبة: “يا أبا حمزة… لقد أكرمتمونا بما يكفي، ولا نريد أن نحرجكم، فالأمر بسيط، والموجود يكفينا.” لم تكن الكلمات رفضًا للكرم. بل كانت خوفًا على أهل الكرم. فأصحاب القلوب الكبيرة أحيانًا يحتاجون من يذكّرهم أن راحتهم أيضًا من حقهم. وقد قال أحد الحكماء: “من أحب أهل المعروف، أحب راحتهم كما أحب إحسانهم؛ فالكرم الجميل هو ما يُسعد صاحبه قبل ضيفه.”

انتهت أعمال الورشة. وكان الجميع يستعد لختام اليوم. وبينما كنت أرتب بعض الأمور في مقر الإقامة، دخل أحمد يحمل حقيبة. ابتسم وقال بكل بساطة: “أستاذ… هذا الطعام يعجبك بإذن الله.” توقفت للحظة. ونظرت إليه. فقد عرفت الحكاية قبل أن أعرف ما في الحقيبة. قلت له بمحبة: “يا أبا حمزة… لقد أخبرتك مرارًا، والله لا أريد أن أحرجكم.”

كان حديثًا من القلب إلى القلب. فهو يعلم أنني أقدّر صنيعه، وأنا أعلم أن دافعه ليس الطعام، بل المحبة. لكن القلوب الكريمة أحيانًا لا تعرف كيف تقول “توقف”. لأن العطاء عندها ليس قرارًا… بل سجية.

فتحت الحقيبة… فإذا بها مائدة جديدة تحمل روح المكان. لم تكن مجرد وجبة. كانت رسالة أخرى. كان أول ما ظهر… شوربة السوفود. وما أجملها! شوربة تحمل نكهة مختلفة، وفيها نوع من السمك لا يوصف بسهولة، كأنها جمعت من خيرات المكان وروح الضيافة. ثم جاء طبق الأرز. هادئًا، متناسقًا، كأنه القاعدة التي تحمل جمال المائدة. وفوقه… السمك البلطي المقلي من بحيرة فيكتوريا. هنا لم يكن الطبق مجرد طعام. كان يحمل قصة المكان. يحمل شيئًا من أوغندا، من طبيعتها، من بحيرتها العظيمة، ومن يدٍ أرادت أن تقدم شيئًا يليق بالضيف. ثم جاء البصل المقلي بحلقاته الذهبية الكهرمانية، وكأنه لمسة فنية تكمل اللوحة. ثم طبق الطماطم بالثوم، ببساطته الجميلة ونكهته التي تعيد الإنسان إلى طعام البيوت الصادق.

تأملت المائدة… وتذكرت الأيام الماضية. كل مرة أقول: “لا تُحضروا.” وكل مرة يأتي العطاء بطريقة جديدة. فأدركت أن المسألة ليست طعامًا. إنها أخلاق. إنها نفسٌ تحب أن تُشعر من معها أنه ليس غريبًا. إنها روح تقول: “أنت في بيتك.” وقد قال حكيم: ” أعظم الضيافة أن تجعل القادم إليك يشعر أنه لم يغادر أهله.” وهذا ما صنعه أبو حمزة وأم حمزة. لم تكن بيننا مسافات قارة كاملة. بل كانت هناك مودة اختصرت المسافات.

إن بعض الناس يقدمون الطعام. وبعض الناس يقدمون أنفسهم في الطعام. والفرق بين الاثنين أن الأول ينتهي بانتهاء الوجبة، أما الثاني فيبقى أثره سنوات. لقد كانت مائدة الاثنين درسًا جديدًا في أن الأخلاق ليست كلمات تُقال، بل مواقف تتكرر حتى تصبح هوية. ولعل أجمل ما في أحمد أنه لا يرى ما يفعله كبيرًا. فكلما شكرته، قال بمعنى قريب: “شيء بسيط.” وهذه علامة النفوس الراقية. فالكبير عند نفسه لا يرى عطاؤه كبيرًا. وقد قيل: “إذا عظم العمل في عين صاحبه، نقص قدره؛ وإذا صغر في عينه، عظُم في قلوب الناس.”

اللهم بارك للعزيز أحمد عيد أبا حمزة، واجزه عن كرمه ومحبته وحسن صحبته خير الجزاء. اللهم اجعل كل طبق قدمه، وكل وقت بذله، وكل خطوة سعى بها لإدخال السرور، في ميزان حسناته يوم يلقاك. اللهم ارزقه صحة لا تزول، ورزقًا لا ينقطع، وقلبًا مطمئنًا، ونفسًا راضية، وأدم عليه نعمة الأخلاق والقبول بين الناس. اللهم بارك للفاضلة الكريمة أم حمزة، واحفظها بعنايتك، وألبسها ثوب الصحة والعافية، واشفها شفاءً تامًا، واجعل كل ما صنعته يداها من خير وبركة ورحمة لها في الدنيا والآخرة. اللهم اجعل بيت أبي حمزة وأم حمزة بيتًا قائمًا على التقوى، عامرًا بالمودة، تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، وتسكنه الطمأنينة. اللهم ارزقهما الذرية الصالحة المباركة، واجعل أبناءهما قرة عين لهما، وأصلح لهم شأنهم كله، واجعلهم مفاتيح للخير، مغاليق للشر.

وفي نهاية تلك المائدة… بقي معنى واحد: أن الإنسان قد ينسى طعم الطعام بعد سنوات… لكنه لا ينسى أبدًا قلبًا قال له دون كلام: “أنت لست ضيفًا… أنت من أهل البيت.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top