
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم أكن أعلم أن آخر الطريق سيكون أهدأ من أوله… ولا أن الرحلة التي بدأت في طرقٍ بعيدة، وبين قرى لا تكاد تظهر على الخرائط، ستنتهي بي في مكانٍ أقرب من كل الأماكن:
في القلب.
انتهت رحلة موزمبيق.
غادرتُ المدن والقرى، وتركت خلفي المدارس، والبيوت، والآبار، والمراكز، والوجوه التي التقيتها في الطريق…
لكنني اكتشفت شيئًا متأخرًا:
أن المسافر لا يترك الأماكن كما يظن.
بعض الأماكن تترك شيئًا منها فيه.
تركتُ خلفي طفلًا كان يحلم بمدرسة،
وأمًا تحمل بيتها وحدها،
ومريضًا ينتظر دواء،
ونازحًا يبحث عن أمان،
وطفلًا فقد أمه فوجد قلبًا فتح له بابه،
ورجلًا جعل من عمره جسرًا إلى الآخرين،
وامرأةً جعلت من سبعة عشر عامًا عمرًا من الخدمة الصامتة.
تركتُ خلفي أناسًا ربما لن ألتقيهم مرةً أخرى…
لكنني أخذتُ منهم شيئًا لن أستطيع أن أتركه:
دعواتهم.
وهناك فهمت لماذا يسافر الإنسان.
ليس دائمًا ليعرف العالم…
بل ليعرف نفسه.
يسافر بعيدًا عن بيته، ليكتشف كم من النعم كان يراها كل يوم ولا يراها.
يمشي في طرقٍ متعبة، ليعرف قيمة الطريق الممهد.
يدخل بيتًا متواضعًا، فيكتشف أن بعض البيوت الصغيرة تسكنها قلوب أكبر من القصور.
يرى طفلًا يدرس تحت شجرة، فيعرف أن العلم ليس جدرانًا.
ويرى أمًا تصنع المستحيل لأبنائها، فيعرف أن الصبر قد يكون أقوى من المال.
ويرى إنسانًا يعطي دون أن ينتظر اسمه على لوحة، فيتعلم أن أجمل العطاء ما لم يحتج إلى شاهد.
ثم…
جاء ربيع الأول.
فشعرت أن الرحلة لم تنتهِ صدفةً عند هذا الشهر.
كأن الطريق، بكل ما حمله من وجوهٍ وحكايات، كان يريد أن يقول لي شيئًا واحدًا:
إن الرحمة هي أجمل ما يمكن أن يعود به المسافر.
في شهر مولد الحبيب المصطفى ﷺ، لم أعد أتذكر الرحلة كقائمة زيارات.
بدأت أراها بميزان آخر.
كم قلبًا لمسناه؟
كم إنسانًا شعر أنه ليس وحده؟
كم طفلًا فتحنا له نافذةً نحو الغد؟
كم حاجةٍ رأيناها فلم نمرّ عنها؟
وكم مرةٍ كنا نحن المحتاجين إلى أن نتعلم من الذين ظننا أننا ذهبنا لنساعدهم؟
هنا أدركت…
أن العمل الإنساني ليس أن تنزل من مكانٍ أعلى إلى مكانٍ أدنى.
بل أن تنزل من ذاتك إلى الإنسان.
أن تنزع عن نفسك شعور المنح…
وتكتشف نعمة أن تكون سببًا.
وأن تفهم أن المستفيد ليس رقمًا في تقرير، ولا حالةً في ملف، ولا اسمًا في قائمة.
إنه إنسان…
له كرامته، وحكايته، وأحلامه، ودمعته التي ربما لم يرها أحد.
وربما لهذا السبب بقيت في قلبي كل تلك الوجوه.
لم تكن وجوهًا في رحلة…
كانت رسائل.
كل وجهٍ قال لي شيئًا.
كل قريةٍ تركت سؤالًا.
كل طريقٍ أخذ مني شيئًا من الغفلة.
وكل عطاءٍ علّمني أن الخير الذي نظنه يخرج منا…
قد يكون في الحقيقة هو الذي يعيد بناءنا من الداخل.
ثم عدت.
وضعت حقيبتي.
لكنني لم أستطع أن أضع الذكريات معها.
فالحقيبة تحمل الملابس والهدايا والأوراق…
أما القلب فيحمل ما لا تستطيع الطائرة أن تحمله.
حملته معي:
وجه طفل.
دعوة أم.
صمت مريض.
ابتسامة فقير.
وفاء إنسان.
وأثر رجلٍ رحل وبقي خيره.
ثم وقفت طويلًا أمام السؤال الأخير:
ماذا تركت الرحلة فيَّ؟
ولم أجد جوابًا أجمل من هذا:
أنني أصبحت أخاف أن أرى الاحتياج ثم أمرّ.
وأخاف أن أسمع وجعًا ثم أنساه.
وأخاف أن يمنحني الله قدرةً على الخير ثم أستعملها لنفسي فقط.
فإن كان السفر قد علّمني شيئًا…
فقد علّمني أن الإنسان لا يكبر بكثرة ما يملك، وإنما بكثرة ما ينفع.
وأن العمر لا يُقاس بعدد السنوات التي عشناها…
بل بعدد القلوب التي مررنا بها، وتركتنا فيها شيئًا من الخير.
وفي الليلة الأولى من ربيع الأول…
أغلقت آخر صفحة.
ولم أشعر أنني أودّع رحلة.
شعرت أنني أودّع نسخةً قديمة مني.
نسخة المسافر الذي كان يذهب ليرى…
ويعود ليحكي.
أما الآن…
فأريد أن أذهب لأشعر.
وأن أرى لأحمل المسؤولية.
وأن أعود لا بمجموعة ذكريات فقط…
بل بقلبٍ أكثر رحمة.
وفي آخر السطر، لم أجد ما أكتبه عن نفسي.
وجدت دعاءً فقط:
اللهم لا تجعل سفرنا إلى عبادك سفرَ عابرين،
واجعل لنا في كل طريقٍ أثرًا طيبًا،
وفي كل قلبٍ دعوة،
وفي كل مكانٍ خيرًا تركناه خلفنا.
ثم أغلقت الكتاب…
لكنني لم أغلق الرحلة.
فبعض الرحلات تنتهي حين نصل إلى البيت.
أما الرحلات التي تصل إلى القلب…
فلا تنتهي أبدًا.
وهكذا…
عاد المسافر.
لكن السؤال لم يعد:
إلى أين سنسافر بعد ذلك؟
بل: إلى أي إنسانٍ سنعود بعد أن عرفنا كل هذا؟
✦ ذكريات مسافر